[frame="12 90"]
المطران جورج خضر في كتاب جورج عبيد
بـــــين الملهِـــــم والمستلهَـــــم

لهي نعمى في زمن النقم، ان يملي علي جورج عبيد، بسلطان من نقاوته، وقوة من محبّته ما أحب ان أمليه على من احب، اعني قراءة كتابه عن المطران خضر... وقرأت... قرأت بعناية ومتعة، متنقلا من الكتاب الى ساكنه، الذي سكنته المعاني، فأسكنته القلوب، لينعقد الرجاء، كلما وافيناه على قول او صلاة، بأن دنيانا الى خير، طالما ان الاخيار يتناسلون من غير رحم، وان قلوا فان الزبد يذهب جفاء، ويمكثون في الارض... اما آخرتنا، فالرجاء بها بالنجاة والرضوان، لا ينعقد الا بالطمأنينة على رحمة الله وانتظارها، وكلما انعقد الرجاء حدثت فيه ثغرة لا يسدها الا المزيد من الكدح الى الله عبر الانسان... ذلك ان الامن من غضب الله شقيق اليأس من رحمته... وعليه فلا يغترن عابد بعبادته، ولا يجتر عن خاطىء من خطيئته، "اللهم عبدني لك ولا تفسد عبادتي بالعجب" الامام زين العابدين. "خف الله مخافة تظن معها انه لن تنفعك طاعة، وارجه رجاء تظن معه انه لن يضرك ذنب" – الامام الصادق (ع).
هذا البهي – جورج خضر – يذكرني بالله، ويعيدني الى فاتنتي (العربية) بالكلام الذي يقوله والذي لا يقوله... والله يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور... والنفري جرب وقال: "اذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"... ويغريني المطران بالسؤال مفتاحاً للمعرفة، ويعيدني الى القلب بابا الى العقل. وينتظرني، بايمانه... بايقاعه البيزنطي الباذخ، على باب المدينة... اخذ سبيلي اليه سُرى سرياً... اقطع البحر رهواً ومع أذان الفجر، قبيل الشمس، يتلو الأبانا وارفع رأسي من سجدتي على الارض امعانا في التسامي، فألفيه وقد ترك على باب المدينة حزمة من ضوء، اباحه للجميع، وعاد قلقاً الى بيته الارثوذكسي، الى المذبح الموصول بالميلاد، والمولود حتى الجلجلة، وبمسرى الطفولة مكانا ومكينا، يستاف من نهر النبوات عطرا ويمتح ماء، يروي الظماء فيرتوي ويشتق من بحر الالوهة ملحا لا يفسد مائدة الروح بفساده، ولا بقلة او كثرة منه "ان هذا الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق".
هذا المطران ال جورج... ال خضر وأعرفه هكذا زيادة على معارفه، لأني اراه اسم جنس، كليا يبحث عن مصاديقه وتبحث عنه مصاديقه، وابحث معهم، ويسعدني اني التبس به احيانا، اذ يجمعني به الأحبة الرائحون الغادرون، بين الجامع والكنيسة، على درب ابراهيم في لبنان... لبنانه... يجمعون بيني وبينه في حقيقة مشتقة من ذاتينا، من دون مساس بذاتياته وذاتياتي، حتى لكأننا اثنان في واحد او واحد في اثنين، وفي الدينونة يصير الكل الى واحد.
هذا الجورج خضر، بهذا الوجه الذي اذا ما تمليته، اسفر لك عن مكنون يزيدك القاً وزاداً من نعمة، وايقظ فيك اشواق الابداع والتقوى.
الستم ترتاحون وتفرحون لهذا الجدل اللطيف بين مختلفين مسكونين بهاجس الائتلاف؟ من دون تعسف او تمحل او تلفيق او توهم بالغاء الاختلاف، لأنه الغاء لكل من طرفيه بالطرف الآخر؟ اليس، هكذا، يريد الاطياب من عقلاء لبنان لبنانهم؟ اعني على شاكلة هذه المناسبة التي يجمعنا فيها جورج عبيد، لنعلق معه وشاحاً آخر بريئاً من الغرضية والنفاق، على صدر الخضر... حيث يأتي كل منا من بيته الديني الى فضاء التوحيد وعمارة الوطن، ويعود منهما الى بيته ليعود دواماً منهما؟ ونحتفي بكاتب وكتاب ومكتوب بأقلامنا جميعا، بآلامنا وافراحنا جميعاً... بقلب من حبر او حبر من قلب ويراعة من رجاء عن مكتبة حية، عن خزانة معارف وقيم، عن جورج خضر جورج خضرنا!
وفي الكتاب صفحات تقديم لدولة الرئيس حسين الحسيني اقتبس منها سطراً، لأهنأ بملتقاي معه ومع المطران خضر، في معادلة او اطروحة تحتاج الى حامل اجتماعي يحولها الى مسار. يقول دولته "واللافت في سيرة المطران خضر ومسيرته، انه من القلة من الذين وعوا ان بين الدين والسياسة في مجتمعنا علاقات دقيقة وخطيرة" أوقع والتزم وأفرح... ويذوق جورج عبيد بهاء العربية في مقالات جورج خضر... وانا ايضا ان لم يكن اولا، ولولا بهاؤه لما فتنها ولولا بهاؤها لما فتنته... ولنعم الفاتنان المفتونان، ونحن قراءه المدمنين، اهل افتنان ايضا.
لقد سرني نفور جورج عبيد، على طريقة جورج خضر، من (الحروف الدينية المغلقة). هذه الحروفية الدينية يا جورج، تأكل الدين، تقتات منه، تحمله ولا تحمله، فإن حملته ناءت به، لأنها اضيق منه واضعف. انها حرفة الدين وليست معرفته، وها هي تنتشر كالمقت في سمائنا او سماواتنا، فتضيق الدنيا على اهل الدين والدينونة، لولا ان الاعتدال والنسبية والوسطية، هي التي ينتظرها غدنا الذي وضعوه وراء ظهورهم، وكأنه شجى في حلق الماضي الذي نحب وهو يحب ان لا يمضي، ويستعيدون ماضياً مضى باختياره واختيارنا ويأبى ان يعود ونأبى، فإن استحضروه واقاموه على الضد من غدنا، فانه لن يطول مقامه فينا لأنه غريب ان لم يكن ميتا... انهم يعكفون على جثة، ونعكف على الحياة، بعناية الحي الذي لا يموت.
يجمعني في ما يجمعني، منذ اوائل السبعينات، منذ الايام الزّهر لكلية التربية، والكوكبة من المواهب التي التقت حول جورج خضر وأدونيس، يجمعني حب وتقدير عاليان لأدونيس، الذي يقول عن المطران خضر متوخياً إنصافه بأنه "آخر الكلاسيكيين العرب"، كما ينقل جورج عبيد، وأسأل ادونيس، ولكن ماذا فعل الحداثيون، غير التشبّث بإطلاقات واحكام حولت الحداثة من ثقافة الى ايديولوجيا، ما جعلها بالتالي غطاء لاستبدادات، الحّ ادونيس بشجاعة، على اعتبارها اسوأ من كل الرجعيات العربية!!! وليدعنا ادونيس من ادونيس وقلة ممن لم تتحول الحداثة فيهم الى مرض... واذا كان ادونيس قد فعل، فإن فعاليته في سرها تأتي من استيعابه للثابت وتجاوزه الى المتحول، وكأنه اشترط التقليد للتجديد، على اساس ان التغيير الاجدى او المجدي هو الذي بأواليات الواقع ومن داخله، لان القطيعة التامة في المعرفة هي اصولية وفراغ تام، والناجع هو القطع والوصل، على ان الذاكرة المتورمة هي قطيعة ايضاً، ناجزة وقاسية. ولعله من هنا صحة ما قاله جورج عبيد، من ان فكر جورج خضر ممدود الى كل الاجيال. ذلك انه وكما قال جورج، يأتي من هذا المشرق، لينتشر في هذا المدى المشرقي حيث "الأثر فيه لا يندثر". الا تسمعون في صوت جورج خضر نبرة المتنبي والمعرّي والنفري والتوحيدي وابن عربي ونهج البلاغة والقرآن الذي قال عنه انه مقروؤه... الى احتفائه برابعة العدوية... والهدوئيين الرائعين من ملته؟ تقرأون فتقرأون علامات الزمن الآتي ونعمه الآتية (على ما كتب الخضري جورج مسّوح).
ونعم ما قاله جورج عن خضر من ان تمايزه "نسجته بلاغة الروح"، لكأن اللغة صارت جسداً لروح المطران، كما كان (هو الكلمة)... ومن هنا تسرّبت الينا روحه، روحاً ودهشة... اما انه عاش غريباً في كنيسته فصحيح، ولكن لأنه مازجها ومازجته، فانعكست غربتها في غربته، فهما اذن غريبان قد غدا كل منهما للآخر بمزلة الوطن. حلوة وعذبة ومعذبة هذه الغربة... فطوبى لها.
ولعل هذا الحوار الغريب، اي غير المعتاد الا في حدود الابدال من البشر، هذا الحوار بين البشر والحجر، يؤنس الحجر ولا يحجّر الانسان، بل يزيده انسانية وأنساً وأنسنة... هذا الكلام البشري الأنيس المؤنس، يليّن الحجر، يفجّر فيه عيوناً من ماء ومحبة، ليعود ذلك النقاء الحجري فيمسح وجه الكاهن... او الشاعر... او العارف... وكأنه الميرون او زيت المعرفة... أليس هذا معنى "الكنيسة الهابطة من الكلمة" اي المتنزلة منها، كنيسة جورج خضر، كنيستنا التي نأتي اليها من الجامع ونذهب من الجامع اليها... نكلّم الاحجار وتكلّمنا الاحجار، وقد توعّد المسيح من يدّعون نبوّة ابرهيم ولا يتبرهمون، بأن الله قادر على ان يجعل من الحجارة ابناء لابرهيم... وقال الرسول ص "كان في مكة حجر يكلّمني ويسلّم عليّ".
أما ان يكون كتاب "لو حكيت مسرى الطفولة" – من بواكير المطران خضر – هو الفضاء الابداعي الذي وجد فيه جورج عبيد وردته وايقونته البيزنطية، فهذا مبعث سروري، لأني قرأت الكتاب مبكرا، فقادني في ما قادني الى كاتبه، فعرفت الرجل ووجدتني فيه، فسعيت اليه وما زلت اسعى، وينمى اليّ كل حين، من قبل الأحبّة الذين يتبادلوننا ونتبادلهم، من دون تبديل... ان المطران يمحضني محبة وعرفاناً... وقد لذّ لي في هذا الكتاب حرج المطران وضيقه واحمرار وجهه حياء من اضطراره الى الكلام عن امور ليست في متناول كثير من اهل رعيته، يسامرهم او يصابحهم على مصطبة الدير او ساحة الضيعة ليلة البربارة. وان لغته تسحرهم ولكنها لا تصل... ولا يريد ان يتباهى بعلمه امام اهل حرمتهم ظروف الحياة من معرفة كانوا ليبدعوا فيها... فعوّضوا بالصخر يقتلعونه بأناة وصبر ودأب... وبالشجر يربّونه متفاهمين معه بلغة وراء اللغة... وبالتراب يغامرونه يباشرونه بالعين واليد فيطهرون به ويخصب بهم... هذا جميل من المطران... في هذا الزمان الذي يتباهى فيه الجهلاء بجهلهم على العلماء.
شكراً للسيد المطران على ما الهم... شكراً يشبه شكر الوردة على فوحها وعطائها وحيائها، وشكراً لجورج عبيد على ما استلهم. ومعذرة اذا ما صارحتكم باني هنا لأقدم شهادة اخرى للمسيحيين في لبنان، واقول وبالفم الملآن، بأن المسلمين في لبنان وبلاد العرب والمشرق عموماً - ولا اريد ان ابالغ واحتمل خيراً يحتاج الى خيّرين – قد يبحثون – المسلمون – ولا يجدون من يشهد لهم، اذا ما همّش الحضور المسيحي او تناقصت اعداد المسيحيين اكثر، ولأي سبب طبيعي او متعمد، لأن هذا الفضاء الرحب سوف يضيق على المسلمين وبهم، وسوف يضيقون ببعضهم البعض، والأبعاض، الفرعيات المذهبية، والتفريعات داخل كل مذهب، حقيقة ساطعة، كامنة او ظاهرة... وعليه فان ذلك يغريهم بتبادل التهميش والعنف في ما بينهم... وها هم تحت الإغراء فعلا، ما يعني انهم سوف يخسرون معنى مقوّماً ومكوّناً من معاني اوطانهم ومواطنيتهم وسلامهم وإسلامهم وعربيتهم وحيويتهم ونكهتهم...
لقد كان عيباً ونقصاً وإخلالاً بشروط العلم والمعرفة التي لا تنمو الا بالحوار والمشاركة، ان يضطر يوحنا الدمشقي الى الترهّب في دير سابا في فلسطين تجنباً لمضايقات أهل السلطة... والصهاينة هم الآن اهل الريادة في تهريب المكوّن المسيحي للحقيقة التوحيدية، وتغييبه عن فلسطين عموماً والقدس خصوصاً... اي تغييب القدس عن مكانها كعاصمة للروح... فهل يجوز ان نتصهين جاهلين او عالمين؟ ولا ادري ما اذا كان دير سابا لم تتم مصادرته او تأجيره او شراؤه او تخريبه، وكان على جهوزيته لاستقبال المترهّبين؟ حتى اذا ما استمر هذا التغافل او الغفلة، عن حال المسيحيين في بلاد العرب والمسلمين... إذا كان ذلك كذلك... كان بإمكاني أن اترهبن كرهاً في دير سابا احتجاجاً على الخليفة والرّعية معاً.

السيد هاني فحص
[/frame]