يبتدئ الكتاب المقدس, في سفر التكوين بعبارة:"في البدء خلق الله .."،والكتاب كله قصة لحدث واحد. وهذا الحدث هو الصراع القائم بين رغبة الله في أن يكون إلى جانب الإنسان في حياته وبين رفض الإنسان أن يقبل دخول الله هذا إلى خطواته ومرافقته لها. بين هذه الرغبة الإلهية وهذا التردد البشري لقبولها يمتد تاريخ الكتاب كله. أما عظمة سر التدبير الإلهي, الذي تم في العهد القديم عبر الأنبياء والشرائع والمرسلين, فتكمن في أن الله الخالق لم يغصب للإنسان حريته أبداً, لكنه بطول أناته ومحبته أي كما يسميه بتأديبه وتربيته, استطاع الله أن يساعد الإنسان بحريته المطلقة أن يصرخ على لسان يوحنا الحبيب صرخة النصر الأخيرة في آخر كلمات الكتاب النقدس الذي بنتهي بـ: "تعال أيها الرب يسوع تعال" (سفر الرؤيا20:22) بين أول عبارة للكتاب المقدس وآخر عبارة له يدخل تجسد يسوع المسيح كالحدث المفصل والأكبر في حياة كل البشرية. وفي امتداد كل هذا التاريخ يشكل التجسد الإلهي الحدث النهائي والأقدس الذي قبلت فيه البشرية أن يدخل الله ويشاركها حياتها في الجسد. فلما تم ملء الزمان أرسل الله ابنه آخذاً صورة عبدٍ في الجسد ليفتدي الذين في الجسد. إنه الحدث القمة الذي التقت فيه الرغبة الإلهية مع الحرية البشرية. إن حدث "ميلاد المسيح" ليس نهاية التاريخ إنما ذروته. من هذه النقطة يبدأ الله –يسوع المسيح- يدخل مع الناس في حياتهم بشكل سريع, وكثيرون أصبحوا الذين يقبلونه ويشاركونه حياته. أما الصراع بين طرد الله وبين استقباله, وإن صار بعد التجسد أسهل, فما زال قائما. الله خارج حياتنا والله في ملء حياتنا, هذا هو الصراع اليومي لكل منا. إن خطيئة الجدّين-آدم وحواء-لم تكن حدثاً معيناً وحسب؛ إنما كانت خطأ في الموقف, والخطيئة كانت أن الإنسان رغب ما هو عكس الرغبة الإلهية. إن الحرية البشرية اختارت عزل الله من الحياة بدل استمدادها منه. الخطيئة في الكتاب المقدس لا تعني أبداً إهانة الله أو تعدٍ لشريعته, بالمعنى الحرفي للكلمة؛ بل هي الخطوات الخاطئة من منحى الإرتواء من حياة الله نحو عدم العيش دون الله. الجنة لم تكن مكاناً ما ملأناً بالأشجار! وعدن ليست بقعة ! الفردوس وعدن هما أي مكان يوجد الله في وسطه, وكما يروي الكتاب المقدس, كان الله يتمشى وسط الفردوس. الفردوس هو كل ما يتوسطه الله أينما كان المكان ومتى كان الزمان. لهذا يربط الكتاب المقدس بين الخطيئة والموت لأن الخطيئة هي أية محاولة في أية لحظة للإنعزال عن الله وهي بالتالي موت. والفضيلة هي سعي يبتغي أن يتوسط الله تصرفاتنا, وبالتالي هي حياة. يوحنا الحبيب يذكر على لسان الرب يسوع إنه أتى لكي "تصير لنا الحياة أوفر". ميلاده فعلاً ليس في تلك اللحظة منذ ألفي عام في التاريخ, ولكن في كل لحظة في تاريخ حياتنا, هذا الميلاد هو حياتنا, وغيابه هو مماتنا. ألم تكن خطيئة الابن الضال هي أنه غادر البيت الأبوي, وأنه اختار أن يعيش حيث لا يتواجد أبوه. وألم تكن حياته في أحضان أبيه الذي استقبله وقبله بعد انتظار. لهذا يُقارَن يسوع بآدم الأول ويُسمى آدم الثاني. لأن آدم الأول مال إلى إبعاد الله عن حياة الإنسان وآدم الثاني-يسوع المسيح- أدخل الله إلى حياة الإنسان, حتى بالجسد. المسيح وُلد في التاريخ, لكنه قد يولد أو يموت في كل لحظة في أي إنسان. لهذا تأتي الأعياد لتجدد ولادته وليس لتحيي ذكرى ولادته. ميلاد هذا العام يجب أن يكون مهداً وليس لحداً للمسيح في حياتنا. "المسيح أتى من السموات فاستقبلوه, المسيح على الأرض فارتفعوا". وكما صرخ أحد القديسين متعجباً: "إني أرى الإله على الأرض والإنسان في السماء!". مهد المسيح حياتنا حين يتوسطها, ولحده حياتنا إن رحل عنها.مهد المسيح أم لحده؟
استعدي يا بيت لحم, ففي ميلاد المسيح فُتحت الفردوس للجميع لأن عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول. البتول التي ظهر بطنها الفردوس الحقيقي لأن فيه الرب الغرس الإلهي الذي إذ نأكل منه نحيا ولا نموت مثل آدم. المسيح يُولد دائماً ليُنهض الإنسان الذي يسقط كل حين. آمين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات