[frame="6 95"]
تقديس الشجـرة عنـد الشعـوب
يطلّ عيد الشجرة هذا العام على لبنان اكثر حزنا من السنوات السابقة، والسبب ان الشيطان لا يزال يسرح ويمرح متنقلا على كيفه يضرم النار في الاحراج والغابات، والهدف ان يحقق حلمه بتحويل لبنان الى رماد، فيسود التصحر ويلتحق الوطن بركاب الدول التي لا تملك الا فصلا واحدا على مدار العام. والسؤال نفسه يتردد: من المستفيد بتحويل غابات لبنان الى هياكل فحمية بعدما كان وطن الارز يمتاز بأكثر من 60 في المئة من مساحته العامة تختال باللون الاخضر؟ ولماذا هذه المؤامرة المستمرة؟
في القديم، عبدت الديانات الشجرة، لانها كانت تعتقد انها تحمل بُعدا روحيا، وتمتلك قوى مقدسة ترتفع عموديا نحو السماء، وتفقد اوراقها وتستعيدها في ترميز الى الموت والقيامة. بذلك، فان الشجرة هي رمز للكون في انبعاثه وفنائه المرحلي.
عند الفينيقيين
لعل العقيدة الدينية الاكثر قدما هي تقديس الطبيعة، باشجارها ومياهها وجبالها. وكانت العبادات الكنعانية، بمجملها، تُقام عادة تحت شجرة وارفة، والى اليوم، لا نزال نجد قرب كل معبد تقريبا شجرة ظليلة، ولا يزال البعض يمارس عادات كنعانية قديمة ترسبت في معتقداتنا وممارساتنا، على سبيل المثال، تعليق الثياب والرقع على اغصان شجرة قديمة بهدف اخصاب العاقر، مثل مزار في افقا للسيدة مريم العذراء يدعوها ابناء البلدة "سيدة زهرة". وقد بُني المزار قرب بقايا معبد افروديت (فينوس، عشتروت، الزهرة) ما يربط الشجرة بالآلهة المكرمة في المقام. كما ان اللفظة السامية للسنديانة تعني "الإلهي" او "المؤلّه".
عند العبرانيين
يرى التراث العبراني ان امكنة القرابين عند الكنعانيين والعبرانيين كانت موجودة "على كل اكمة عالية وتحت كل شجرة خضراء (ارميا 2: 20). ويقول النبي نفسه: "إن خطيئة يهوذا منقوشة على الواح قلوبهم وقرون مذابحهم. فان بينهم سيذكرون مذابحهم وعشتاروتهم عند الاشجار الخضراء على الاكام العالية (17: 1 – 3). ومن هنا تمثل الشجرة المقدسة المشهد الكوني.
بابل – الهند
في بابل، كانت الشجرة تمثل كل اشكال الشجرة الكونية. انها مقر إله الخصب والعلوم الحضارية وهي مقر راحة الإلهة الأم، إلهة التكاثر والخصب للماشية والزراعة؛ وفي الرسوم البابلية الدينية تحيط النجوم والعصافير والحيّات بالشجرة الكونية. وكل نجمة، وعصفور وحيّة يمتلك بُعدا كونيا محددا.
في الهند، يمثل التراث الهندي الكون على شكل شجرة. ويعتقد الهنود ان الكون عبارة عن شجرة مقلوبة تغرز جذورها في السماء، وتنشر اغصانها فوق الارض كلها. وتشير الملاحم الهندية الى هذا المفهوم الديني.
ثمة مفهوم هندي آخر يفيد ان الشجرة تمثل الكون، وتمثل وضع الانسان في العالم. ويُقال ان "قطع شجرة من جذورها يساوي ازالة انسان من الكون".
عند المصريين
في الديانة المصرية القديمة، نرى ان شجرة الحياة تخرج منها الايادي الالهية المسؤولة عن العطاء والخصب، وتسكب ماء الحياة من اناء. ونجد في عدد من الحضارات آلهة الخصب مصورة في شكل اشجار.
وفي افريقيا ترمز الشجرة الى الامومة الالهية، فتقدسها النساء وتتضرع اليها نفوس الموتى التائقة للعودة الى الحياة.
شجرة المعرفة
وردت في سفر التكوين بعض المعاني التي تحكي عن شجرة المعرفة. يقول الكتاب المقدس ان الرب الاله منع آدم من ان يأكل من ثمرها لئلا يموت وهنا نسأل: لماذا ذكر الرب شجرة المعرفة ولم يذكر شجرة الحياة؟ وهل هذه الشجرة مشابهة لشجرة المعرفة؟ وهل صحيح ما يعتقده العلماء من ان شجرة الحياة مخبأة ولا يمكن آدم ان يعرف مكانها الا بعدما يمتلك سر معرفة الخير والشر، اي سر الحكمة؟ وهو امر يعني ان شجرة الحياة مخبأة، مثل عشبة الخلود التي بحث عنها جلجامش في عمق المحيط. وهذا المفهوم نجده ايضا في الحضارة البابلية، حيث كان اهل بابل ينصبون على المدخل الشرقي للسماء شجرتين: شجرة الحق وشجرة الحياة.
الشجرة – الصليب
يقول التراث المسيحي ان خشب الصليب الذي تسمّر عليه السيد المسيح يقيم الموتى وقد وجدته هيلانة، والدة الامبراطور قسطنطين.
وتقود هذه الفضيلة الى ان الصليب أُخذت اخشابه من شجرة الحياة المغروسة في الفردوس. ويصور الفن المسيحي الصليب على شكل شجرة حياة مرتفعة نحو السماء.
ويفيد التراث المسيحي ان صليب السيد المسيح يحل محل الشجرة الكونية، وهي في المسيحية، تصعد من الارض الى السماوات، وهي شجرة خالدة، تنتصب في وسط الارض والسماء، وتسند الكون على اغصانها. ويشير التراث المسيحي الى ان شجرة الحياة مزروعة في الجلجلة. وكما ان الشجرة تصل الارض بالسماء، هكذا يصل الصليب الانسان بطريق الخلاص.
وفي الاسلام، هناك شجرة الجنة. وقد أُطلق عليها اسم "السدر" وهي شجرة وارفة الظلال في الجنة يتفيأ تحتها المؤمنون.
شجرة الميلاد
ما دمنا في مرحلة الميلاد، نشير الى انه، في العالم اجمع، يضيء الناس في الساحات العامة وفي المنازل اشجار الميلاد مزينة بأجمل انواع الزينة مبشرة بقدوم المخلص والفرح والنور المشع من اشجار الميلاد هو نور الحياة.
مواجهة الشيطان
اخيرا، بعد هذا العرض لقداسة الشجرة في الحضارات القديمة، الا يجب على كل مواطن ان يحترم الشجرة فيساهم في مواجهة الشيطان الذي يسعى الى تحويل لبنان الى رماد؟
برجيس فارس الجميّل[/frame]
( كاتب واستاذ في الجامعة اللبنانية متخصص في شؤون الاعلام والبيئة.)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات