اضطهاد الكارز الناريّ بالانجيل
الافتراء الاول
كما اضطُهِدَ المسيح, هكذا ينتظر المؤمن ان يُضطَهَد ايضاً (يو 20:15). وهذا ايضاً كان وضع الأب جرفاسيوس, الذي تعرّض لافتراءات واضطهادات عدة. لكنه كان واعياً أن كل ما يعمله كان لمجد الله.
كان الاتهام الأول أن إتمامه للقداس الالهي ليلاً كان يترافق مع العربدة. هذا ما وصل إلى المطران. إلا إن الشرطي الذي أتى فجأة إلى أحد القداديس الليلية, صُعِق من الخشوع والورع الإلهيين اللذين كانا سائدين أثناء الخدمة الإلهية, وقال في تقريره فيما بعد "لقد غادرتُ مسرعاً اذ شعرتُ أنني في السماء لا على الارض..."
الاتهام الباطل التالي الذي رتّبه الشيطان باذر الشرور, هو أن الأب جرفاسيوس كان يعامل الفتيات والصبيان بقساوة ورعونة ليجعلهم يرفضون الزواج وينضمون إلى الرهبنة. إلا إن كتابات الأب ومواعظه والوقائع, أثبَتَت زيف هذه الادعاءات.
ثم إن كثيرين ممن كانوا يتضايقون من نشاط الأب جرفاسيوس وتعليمه راحوا يشون به إلى مطران باترا طالبين منه أن يتدخَّل مباشرة ليحد من مواعظه ونشاطاته الروحية إلاَّ إن جواب الأب كان: "إن الله جدير بالطاعة أكثر من النَّاس, الويل لي إن لم أبشر... يمكن أن تعاقبني أو تحبسني... إلاَّ أنَّ كلمة الله لا تقيد" (2تيم 9:2). إلا أنه تحت ضغط بعض المنافقين والأثرياء وبعض البعيدين عن الكنيسة وحياتها الروحية وبعض الكهنة المتهاونين، قرّر المطران تغيير وقت المواعظ المسائية من السابعة الى الرابعة بعد الظهر, آملاَ في إلغائها في مرحلة قادمة. إلا إن الأب جرفاسيوس والشعب رفضا ذلك حيث أن هذا الوقت غير مناسب, وحدث أن بعض المؤمنين كانوا يفتحون الكنيسة المغلقة عنوة من أجل إتمام المواعظ في وقتها... وحصلت بلبلة كبيرة أتُهم فيها الأب جرفاسيوس بالتمرد والعصيان. وقد بلغت الأمور إلى المجمع المقدس الذي دعى الأب جرفاسيوس للإستجواب... إلا أن براءته ظهرت في النهاية، وهذا ما شهد به حتى الأعداء بعد رقاده. وكان للشعب المؤمن دور كبير في إثبات براءة الأب جرفاسيوس وقداسة سيرته.
بعد هذه الأحداث، وبعد إيقافه في إحدى الأديرة لفترة, عاد الأب جرفاسيوس الى نشاطه الروحي أكثر من السابق, حيث أصبح يعظ في الكنيسة الكاتدرائية في باترا.

الأب جرفاسيوس مستشار المجمع
طاعته لصوت الكنيسة
في عام 1939 اعتلى رئاسة أساقفة أثينا المطران خريسانثوس. رئيس الأساقفة هذا بعد مشاورات وتفكير، كما يذكر الأستاذ تريمبيلا الذي كان له دور في المسألة, إقتنع بتعيين الأب جرفاسيوس سكريتيراً أولاً له (chancellor). وبعد معارضة أولية وتهيُّب قبل الأب القديس, وخضع كإبن أمين للكنيسة المقدسة.
هكذا أقام الأب جرفاسيوس في دير بتراكي (Petraki) ولم يكن ليهدأ ليلاً نهاراً من النشاط بغيرة إيليا النبي عاملاً في مختلف المجالات الكنسية.
مساعيه في تنقية الكنيسة من الشوائب.
همه الأكبر كان: كيف يمكن تخليص الكنيسة من الذين دخلوها كذئاب لا تشفق على الرعية؟ لقد ساهم في إيقاف العديد من الأكليريكيين المنحرفين في البدع والماسونيَّة والعصرانية والتحررية (medernism) وتعب في سبيل إصلاحهم, بعد أن كانوا معتادين على البارات والمقاهي, وحلق الذقون وجمع الثروات والتسكع في شوارع أثينا والمدن الأخرى. وبخاصة المتبتلين منهم الذين كان يدعوهم للإلتزام بقوانين أديرتهم .
في عام 1941 إستراح الأب جرفاسيوس من مهامه الكبيرة وعاد الى رعيته المحبوبة في باترا. وحتى عندما انتخب رئيس أساقفة جديد طلب منه العودة الى أثينا كواعظ إلا أنه رفض. وقال لأحد أبنائه الروحيين في هذا الخصوص: "إنهم يريدونني أن أعود كواجهة يتخفون وراءها ويعيدون بناء كل الإنحرافات والشواذات التي هدمتها بيدي. إن فعلت هذا وعدت, فأنا متعد للشريعة (2غلا 18:2). ثم إنَّهم قد يضعون التاج الأسقفي على رأسي, ولكن هل هذا ما أريده؟ بالطبع لا, فأنا لي رسالة أخرى في مكان آخر. بالنسبة لي منبر الوعظ الذي أخدم الكنيسة من خلاله يكفيني".
هكذا لم يكن الأب جرفاسيوس يطلب ما لنفسه مقابل أعماله وأتعابه في كرم الكنيسة. إقتداءً بالأباء القديسين، كان يتجنب كل مركز رئاسي في الكنيسة مؤثِرا أن يبقى راعياً بسيطاً لشعب الله.

"إنَّ الله عجيب في قديسيه الذين في أرضه"
موهبة التبصر
في الواقع كان الأب جرفاسيوس عائشاً ومتحركاً بالروح القدس. فبعد أن كرَّس ذاته وكل حياته لمن أحب منذ شبابه لم يبخل عليه الرب بالمواهب الإلهية ومنها موهبة النبؤة والتبصر في الأحداث. وقد قصَّ العديد من أبنائه الروحيين وقائع عن تنبوئه في شؤونهم وكيف تمَّت بالفعل كما سبق وقال لهم.

موهبة صنع العجائب
تلقّى خادم الرب المتواضع الذي لم يكن يسعى الى المناصب من الرب ما هو أثمن جزاء عن أتعابه. فإنه كان يصنع العجائب وهو لم يزل على قيد الحياة. وقد تمتع بقوة كبيرة على طرد الشياطين. كثيرون شهدوا بأنه كان يكفي للأب جرفاسيوس أن يرفع يديه للصلاة حتى يشفي شخصاً مريضاً.

"الصدِّيق يحيا الى الأبد"
رقاد الأب جرفاسيوس
في التاسع والعشرين من شهر حزيران 1964 شعر الأب جرفاسيوس بتلاشي قواه الجسدية. فإنه خلال سبعة وثمانين سنة من عمره "لم يعطي لعينيه نوما ولا لصدغيه راحة" (مز4:131). لقد اجتهد في سائر الشؤون الرعائية بروح طفولية بريئة. لكن منذ ذاك اليوم لم يستطع النهوض من سرير مرضه. إلاَّ أنَّ الرب لم يشأ أن يبقى خادمه طويلاً في سرير المرض فما عاناه خلال سني حياته من الأتعاب كان كافياً. في يوم عيد الرسل القدِّيسين (29 حزيران)، في ساعة الصباح الأولى، طلب أيقونة والدة الإله وأخذ يقبلها ويقول: "يا أمِّي الحنونة لا تهمليني". بهذه الكلمات أسلم روحه بين يدي الله, ودخل الأبدية حيث سيستمر في الصلاة من أجل أبنائه وكنيسته. هكذا قرعت الأجراس الحزينة في كل باترا. الكل، إكليروساً وشعباً، بكوا وتألموا على فقدانه. تجمع الناس حول قلاَّيته لمرافقته الى كنيسة القديس ديميتريوس, حيث كان يمضي معظم أوقاته في الرعاية. الكل تدافعوا للمس رفاته للتبرك. الجميع شاركوا في دفنه, كانوا يدفنون أحد أقاربهم الشخصيين, في صمت وخشوع, رجالاً ونساءً, شيوخاً وشباباً وأطفالاً. سيل من الناس رافقه حتى مثواه الأخيرة. لقد غاب جسده في التراب لكنه كقدوة منيرة، وكغيور حار للرب, بقي حياً في نفوس الكثيرين. وقد تبعت رقاده علامات صامتة عدة, أظهرت تلقي الرب لروح الأب جرفاسيوس الطاهرة,وأكَّدت سكناه في أحضان إبراهيم أبي الأباء.
عن كتاب
Kostopoulos Cyril, Hierd.
Elder Gervasios of Patras
Orthodox Kypseli Publications
Thessaloniki, 1995