هل 2 كور رسالة واحدة أم مجموعة رسائل
بين تدوين بولس الرسول وتحرير تلاميذه
د. دانيال عيّوش
جامعة البلمند
مقدمة
تؤكد بعض التفاسير والدراسات الحديثة أنّ الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس هي دمجُ مجموعة من المراسلات دوّنها القديس بولس خلال رحلاته التبشيرية لتقوية إيمان الكورنثيين وتصحيح اعتقاداتهم الخاطئة حول عمله التبشيريّ. ثمة أبحاث أخرى تشير إلى أنّ الموضوع الرئيسيّ والمشترك في مختلف أقسام الرسالة هو واحد ويدور حول رسوليّة بولس ولا سيما سلطته كرسول على المؤمنين. تعرض هذه المقالة أبرز الخصائص التى تدعم كلا الموقفين وتقيّم هذه الآراء النقدية الأدبية الحديثة.
2 كور كمجموعة رسائل
في بحثهم عن البنية الأدبية لـ 2 كور، يجد بعض النقاد في الرسالة توتّراتٍ وانقطاعاتٍ لغوية تدفعهم لتقسيم النص على الشكل الآتي:
· إذا جمعنا 2كور 1: 12 – 2: 13 مع 7: 5- 16 نقرأ نصًا منسجمًا يعالج موضوع علاقة الكورنثيين برسولهم والذي يُسمَّى في الدراسات بـ رسالة المصالحة.[1][1][1] من هنا يستنتج النقاد أن المقطع (2كور 2: 14 – 7: 4) الذي تتخلّله رسالة المصالحة والذي فيه يدافع بولس عن رسوليته قد يشكل رسالةً أخرى مستقلة يشار إليها بـ الرسالة الدفاعية.[2][2][2]
· يذكر القديس بولس في 2كور 2: 4 رسالةً مكتوبة "بدموع كثيرة" التي يمكن ورودها داخل الرسالة نفسها ولا سيما في 2كور 10 - 13.[3][3][3]
· في الاصحاحين 8 و9 نجد رسالتين تكرران موضوع جمع التبرّعات. يرتئي المفسرون أنّ إحدى الرسالتين كانت موجهة إلى الكورنثيين والأخرى إلى الكنائس في أخائية وأنّ في فترة لاحقة دُمجت الرسالتان في نص واحد.[4][4][4]
بناءً على هذه الملاحظات النقديّة الأدبيّة يمكننا القول أن رسالة 2كور تتألف من الكتابات الآتية:
أ. رسالة دفاعية أولى (2: 14 – 7: 4)
ب. رسالة دفاعية ثانية مدوّنة "بدموع" (10: 1 – 13: 13)
ج. رسالة المصالحة (1: 12 - 2: 13 مع 7: 5- 16)
د. رسالة أولى عن التبرعات (8: 1-24)
ه. رسالة ثانية عن التبرعات (9: 1-15)
أما بالنسبة إلى الترتيب الزمنيّ لهذه المراسلات، فهناك احتمالات مختلفة عند النقاد مبنيّة قراءاتهم للأخبار الأربعة عن سفر بولس والاعلانات السبعة عن افتقاده الكورنثيين الواردة في 2كور.[5][5][5] علاوةً على ذلك، يجب المقارنة مع الأخبار عن العمل التبشيري في 1كور والرسائل البلوسيّة الأخرى وفي سفر أعمال الرسل أيضًا. عامةً يرجّح معظم المفسرين الذين يتبنّون نظرية تعدّد المراسلات أن الأقسام الدفاعيّة هي أقدم من رسالة المصالحة التي، في دورها، تأتي قبل رسالتا جمع التبرّعات.[6][6][6]
2 كور كرسالة واحدة
إلى جانب ما قدّمت الأبحاث الحديثة من نتائج حول مسألة تعدّد الرسائل، نلاحظ في الدراسات الأخيرة العودة إلى السؤال الذي يبحث عن وحدانيّة الرسالة انطلاقًا من المعلومات والدلائل الآتية:
· هناك مواضيع مشتركة عديدة وروابط معنويّة قويّة بين الأقسام التي يفترضها البعض رسائلَ مستقلة. نذكر أولاً موضوع الرسوليّة الذي تعالجه الرسالة من زوايا مختلفة وبأساليب متعدّدة: فالرسول يدافع عن رسوليّته، ويصف مهمّاتها، يعرض تعاليمها، ويذكر شهادتها. علاوةً على ذلك نجد روابطَ معنويّة هامّة، كموضوع الإخلاص في 1: 12 الذي يعود فيظهر في 2: 17؛ 4: 2؛ 6: 3-10، وموضوع الآلام والتعزية المذكور للمرة الأولى في 1: 4ي، ثم في 4: 8ي. ومن الجدير ذكره أيضًا هو الاعلانات لزيارة بولس لكنيسة كورنثوس[7][7][7] التي تشكل أسلوبًا بلاغيًا هامًّا يؤكّد العلاقة الوثيقة القائمة بين بولس وقرّاءه ويدل على وحدانية الرسالة.
· يعود قرار جمع هبات من الكنائس البولسيّة، حسب غل 2: 1-10، إلى الاجتماع الذي عقد في أورشليم بين الرسل الأربعة يعقوب، بطرس، يوحنا وبولس، حيث اعترف الرسل الثلاثة بتبشير بولس للأمم وطلبوا من هذه الكنائس الجديدة "أن يذكروا الفقراء"، أي أن يرسلوا تبرّعات كتعبير عن تعاطفهم مع الكنيسة الأورشليميّة الأم. لذلك يرمز هذا الجمع إلى وحدة الجماعات المسيحيّة الأولى ولا سيما بين الجماعات التي من أرض الأمم وبين المسيحيّين في أورشليم ومنطقتها. من هنا يعتني بولس شخصيًا بهذا الشأن ويعتبره جزءًا لا يتجزّأ من عمله الرسوليّ (راجع رو 15: 25-27). هذا يدل إلى الارتباط الشديد بين جمع الهبات ورسوليّة بولس التي يدافع عنها الرسول في القسم الأكبر من الرسالة.
· إذا نظرنا إلى التقسيم المذكور أدناه، نجد أنّ رسالة 2 كور تحتوي على كل العناصر التقليدية الخاصة بالرسالة التعليمية القديمة،[8][8][8] فلها عنوان ومطلع، صلب تعليمي وإرشادي، وأخيرًا خاتمة ووداع.
· في العالم القديم كان التلاميذ يقومون بجمع رسائل معلّمهم وليس بدمجها في رسالة واحدة، إذ كانوا يقدمون المراسلات في مجموعة تحترم استقلاليّة كل رسالة.[9][9][9]
· يجوز تفسير توتّرات النص كميزة أدبيّة لبولس الرسول الذي ينسب إليه جميع النقاد المعاصرين تأليف الرسالة بكامل أقسامها.[10][10][10] نشير على سبيل المثال إلى التوتر اللغويّ القائم بين الجملة الأولى في الرسالة في الدموع وبين آخر الاصحاح التاسع (9: 15). يدّعي بعض المفسرين أنّ هذا دليل قويّ لاعتبار 2كور 10-13 رسالةً مستقلة. ولكن إذا نظرنا إلى الرسائل البولسيّة الأخرى نلاحظ أن بولس يبدأ جزءًا جديدًا في الرسالة بمجرد أستعمال الفعل أطلبُ (في اليونانية parakalo)،[11][11][11] وهكذا نفهم هذا التوتّر اللغويّ في النص كأسلوب خاص ببولس.
· أخيرًا يجدر الذكر أن هناك مقطع مميّز في الرسالة يسمَّى المقطع القمرانيّ (6: 14 – 7: 1) كونه يحتوي على مصطلحات غريبة عن الرسائل البولسيّة ولكنّها مألوفة في الكتابات القمرانيّة وفي مؤلّفات يهوديّة أخرى كـ سفر اليوبيلات ووصايا البطاركة الأثني عشر. إذا ارتكزنا على وحدة الرسالة يجوز اعتبار هذا المقطع كاستشهاد من بولس الرسول لدعم مدافعته ضدّ خصومه من أصل يهوديّ.[12][12][12]
يمكننا، إذن، القول أنّ الرسالة 2 كور في تحريرها القانوني الأخير هي رسالة واحدة منسجمة ومتناغمة. وبناءً على ذلك يتفق معظم النقاد على تقسيم هذه الرسالة بالشكل الآتي:
عنوان الرسالة ومطلعها (1: 1-11)
1. مصاعب الخدمة الرسوليّة وحقائقها (1: 12 – 7: 16)
2. جمع الهبات لكنيسة أورشليم (8: 1 – 9: 15)
3. سلطة بولس الرسوليّة (10: 1 – 12: 13)
خاتمة الرسالة والوداع (12: 14 – 13: 13)
في العنوان (1: 1-2) يرد اسم تيموثاوس المرافق الأول لبولس في مدينة الكورنثيين (انظر 2كور 1: 19؛ 1كور 4: 17؛ 16: 10). ثمّ يأتي المطلع (1: 3-11) الذي يتميز عن مطلع الرسائل البولسيّة الأخرى لأنه يبدأ بالفعل باركَ بدل من الفعل المعتاد شكرَ (أنظر رو 1: 8؛ فيل 4؛ فل 1: 3). بعد ذلك ينتقل بولس إلى صلب الموضوع وهو الدفاع عن رسوليته التي شكّك بها الكورتثيون نتيجةَ اتّهامات خصوم بولس في هذه المدينة.[13][13][13] وبسبب هذه الشكوك تتعرّض علاقة الرسول بجماعته للانقطاع ولذلك يرسل بولس هذه الرسالة للتوبيخ والتصحيح. فيأتي مشروع جمع الهبات كتجاوب الجماعة مع رسولها، أي كتعبير عن الطاعة لكلمة الرسول الذي يذكّر في القسم الأخير بطبيعة سلطته على المؤمنين (2كور 10-13). في الخاتمة يدعو بولس الكورنثيين إلى العمل والتفكير بحسب ما بشّرهم به ويعبّر عن رغبته بأن يفتقدهم قريبًا لكي يحثّهم على عمل الصالحات.
.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات