[frame="1 98"]
دانيال النبي
ماذا يعلمنا؟


على أنهاربابل هناك جلسنا... على الصفصاف في وسطها علّقنا أعوادنا. لأنه هناك سألناالذين سبونا كلام ترنيمة، ومعذبونا سألونا فرحاً قائلين: رنموا لنا منترنيمات صهيون.
كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟“ (مزمور 1:137-4)
أما دانيال فجعل في قلبه أنه لا يتنجّس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه، فطلب من رئيس الخصيان أن لا يتنجّس“ (دانيال 8:1).
تظهر حقيقة إيمان الإنسان وعلاقته بالرب حين يبتعد عن وطنه، وأهله، ومعارفه.
فالمؤمن الحقيقي يقاوم تيار الحضارة المضاد لكلمة الرب، ويلمع إيمانه وسط ظلام المجتمع الوثني الذي هاجر إليه.
هكذا أضاءت شخصية دانيال في وسط ظلام وثنية بابل بعد أن أخذه البابليون أسيراً.
كان دانيال غريباً في أرض غريبة.
وفي حقيقة الأمر كان أسير حرب.. ولكنه يقدم مثالاً باهراً لكل مهاجر أتى من وطنه وصار غريباً في أرض غريبة.
أُخذدانيال من وطنه وهو في سن الرابعة عشرة كما اتفق الكثيرون من المفسرين.. وجد نفسه في قصر الملك نبوخذنصر. كان حسن المنظر.. وكان حاذقاً في كل حكمةوذا فهم بالعلم، وأصبح مرشحاً أن يكون أحد القريبين من الملك.
كيف عاش هذا الشاب المراهق في بابل.. في الأرض الغريبة؟ لقد عاش حياة منتصرة.. طاهرة.. أمينة رغم كل مغريات قصر الملك نبوخذنصر.
أولاً: امتاز دانيال بعزمه القلبي على حفظ نفسه من نجاسات القصر الملكي
"أما دانيال فجعل في قلبه أن لا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه".
شابحسن الطلعة.. في سن المراهقة.. السن التي فيها يتطلع الشاب إلى الفتياتالجميلات، وتتطلع الفتاة إلى الشبان الحسان.. السن الذي يريد الشاب فيهاالتحرر من قيود الأسرة وقيود المجتمع ليطلق لشهادته العنان.
هذا الشاب جعل في قلبه أن لا يتنجس بنجاسات قصر ملك بابل.
كان منالممكن أن يجد لنفسه ألف عذر لينجرف مع تيار وثنية بابل.. ويأكل من أطايبالملك ويشرب من خمره.. لكن دانيال عرف أن هذه الأطايب ذُبحت أولاًللأوثان، وعزم عزماً قلبياً أن لا يأكل من مائدة الشياطين، بعد أن اختبرلذة الأكل من مائدة الرب.
وطلب من رئيس الخصيان، وهو الضابط المختص بإطعامه وتدريبه، أن لا يتنجّس.
وكانوراء هذا العزم القلبي.. إيمان قوي بأن الله يقدر على تحويل الخضروات التييأكلها إلى فيتامينات، ومعادن، وكربوهيدرات، تُعطي لجسده، وأجساد من قررواالاحتفاظ بطهارتهم مثله قوة ونضارة.
ولمااعترض رئيس الخصيان لخوفه من الملك إذا رأى دانيال وأصحابه في هزال أنيحكم عليه بالإعدام.. قال له دانيال: "جرّب عبيدك عشرة أيام. فليعطوناالقطانيّ لنأكل وماء لنشرب. ولينظروا إلى مناظرنا أمامك وإلى مناظرالفتيان الذين يأكلون من أطايب الملك.. وعند نهاية العشرة الأيام ظهرتمناظرهم أحسن وأسمن لحماً من كل الفتيان الآكلين من أطايب الملك" (دانيال 12:1).
هل أنت مؤمن حقيقي، أو مرائي من طراز ممتاز؟
هل لك صورة التقوىولكنك تنكر قوتها.. وقوة التقوى هو الرب يسوع المسيح الذي قيل عنه: "عظيمهو سر التقوى. الله ظهر في الجسد" (1تيموثاوس 16:3).. هل تظهر حياة المسيحفيك؟
هل تحفظ نفسك مننجاسات العالم.. ومن حضارات المجتمع الغربي.. في أمريكا.. وأوربا.. وأستراليا.. والبلاد الاسكندنافية.. أم أنك سمكة ميتة جرفها تيار هذهالحضارات؟
"الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" (يعقوب 27:1).
ثانياً: امتاز دانيال باختياره الحكيم لأصدقائه
"قل لي من هو صديقك. أقول لك من أنت".
"
المساير الحكماء يصير حكيماً ورفيق الجهال يُضَرّ" (أمثال 20:13).
كثيرون من المؤمنين تدهورت حياتهم بسبب الصداقات الشريرة، لذلك يحذّرنابولس الرسول من هذه الصداقات فيقول: "لا تضلوا! فإن المعاشرات الردية تفسدالأخلاق الجيدة" (1كورنثوس 33:15).
تفاحة عطنة، تعطن كمية كبيرة من التفاح.. ولا يحدث العكس.
لقد امتاز دانيال باختياره الحكيم لأصدقائه.. فاختار شدرخ وميشخ وعبدنغو.. شبان أطهار، ورجال صلاة، ومن أبطال الإيمان.
ليت كل مؤمن يصغي إلى كلمات بولس الرسول القائلة:
"
لاتكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟ وأية شركةللنور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمؤمن مع غيرالمؤمن؟ وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان؟ فإنكم أنتم هيكل الله الحي،كما قال الله: إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون ليشعباً. لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا، يقول الرب. ولا تمسّوا نجساًفأقبلكم" (2كورنثوس 14:6-17).
لقد اعتزل دانيال عن الأشرار، وكان حكيماً في اختياره لأصدقائه.
ثالثاً: امتاز دانيال بإيمانه القوي في قدرة إلهه
هناك درجات منالإيمان: هناك "قليل الإيمان" (متى 31:14)، وهناك "ضعيف الإيمان" (رومية 19:4)، وهناك "عظيم الإيمان" (متى 28:15)، وهناك "المملوء من الإيمان" (أعمال 5:6). هذه الدرجات من الإيمان ليست لنوال الخلاص، بل للتصرّف فيظروف حياتنا.. أما إيمان الخلاص فيتساوى فيه جميع المؤمنين كما قال بطرسالرسول: "إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببرّ إلهناوالمخلص يسوع المسيح" (2بطرس 1:1). وهذا الإيمان الذي به ننال الخلاص هوعطية الله (أفسس 8:2).
كان إيمان دانيال في قدرة إلهه من درجة "عظيم الإيمان".
الملكداريوس، عيّن في مملكته ثلاثة وزراء، كان بينهم دانيال، "ففاق دانيال هذاعلى الوزراء.. وفكّر الملك في أن يولّيه على المملكة كلها" (دانيال 3:6).
لميرضَ الوزيران الآخران، وموظفو المملكة عن أمانة وتدقيق دانيال.. فدبروامؤامرة خبيثة.. وذهبوا للملك قائلين: إن جميع رجال المملكة "قد تشاورواعلى أن يضعوا أمراً ملكياً... بأن كل من يطلب طلبة حتى ثلاثين يوماً منإله أو إنسان إلا منك أيها الملك، يُطرح في جبّ الأسود" (دانيال 7:6).
أشبعهذا الطلب كبرياء الملك.. سيكون إلهاً لمدة ثلاثين يوماً.. نفس التجربةالتي أوقع فيها الشيطان آدم وحواء في جنة عدن إذ قال لحواء: "تصيران كالله".
ما الذي فعله دانيال "عظيم الإيمان" في هذا الموقف الدقيق.. الذي سيعرّض حياته للموت بأسنان الأسود؟
"فلماعلم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته، وكواه مفتوحة في علّيته نحوأورشليم، فجثا على ركبتيه ثلاث مرات في اليوم، وصلّى وحمد قدام إلهه كماكان يفعل قبل ذلك" (دانيال 10:6).
والكلمات "كما كان يفعل قبل ذلك" جديرة أن تلفت انتباهنا.. فهو لم يقصد تحدّي أمرالملك.. لكنه استمرّ يصلي لإلهه كما كان يفعل دائماً.. واستمر يصلي عندماعرف أمر الملك!
كانالأمر الملكي ضد وصية الله.. وحين تكون أوامر الحاكم المدني ضدّ الأمرالإلهي فحينئذ "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس" (أعمال 29:5).
أخبر المتآمرون ضدّ دانيال الملك.. بأن دانيال لم يجعل لأمره اعتباراً وطلبوا أن يُطرح في جب الأسود تنفيذاً للأمر الملكي..
وحينئذأدرك الملك المؤامرة واغتاظ جداً من غفلته. عرف أنه لا يمكن أن يصير إلهاًلمدة ثلاثين يوماً.. وأراد أن ينقذ دانيال من جب الأسود.. لكن شريعة ماديوفارس لا يمكن إلغاؤها.
وطُرح دانيال في جب الأسود.. ولكنه قبل أن يُطرح في الجب قال له الملك: "إن إلهك الذي تعبده دائماً هو ينجيك" (دانيال 16:6).
وأرسل الرب ملاكه وسدّ أفواه الأسود فلم تضرّ دانيال..
قضىدانيال ليلته في حديث مع الملاك الذي سدّ أفواه الأسود. وفي الصباح أمرالملك بإصعاده من الجب "ولم يوجد فيه ضرر، لأنه آمن بإلهه" (دانيال 23:6). وعن هذا قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "بالإيمان.. سدوا أفواه أسود" (عبرانيين 33:11).
أماالذين تآمروا ضدّ دانيال، فنقرأ عنهم: "فأمر الملك فأحضروا أولئك الرجالالذين اشتكوا على دانيال وطرحوهم في جب الأسود هم وأولادهم ونساءهم. ولميصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت كلّ عظامهم" (دانيال 24:6). "ويل للشرير شر لأن مجازاة يديه تُعمل به".

فهل لك الإيمان العظيم الذي من درجة إيمان دانيال.. أم إنك ترتعب، وتشكّ أمام مضايقات الأشرار، وتجارب ومصائب الحياة؟
لتكن صلاتك كصلاة التلاميذ حين قالوا للرب: "زدْ إيماننا" (لوقا 5:17)
.. لتحيا منتصراً بهذا
الإيمان العظيم وسط أمواج بحر الحياة الهادر بالاضطراب.
عش كما عاش دانيال الذي عاش غريباً في أرض غريبة .
ولكن كان الله معه في كل حين .
[/frame]