العمودية في الجماعة المسيحية الأولى
كانت الجماعة المسيحية الأولى ، بالرغم من احتفاظها بأوجه الشبه الخارجية بالاغتسال اليهودي ، واعيةً تماماً بأن العماد تعبير حسي وعلني عن قبول الإنجيل ( الكرازة ) واختيار نموذج الحياة الذي جسده يسوع . بهذه القناعة راحت تمارس العماد وتحتفل به لكل الذين كانوا يؤمنون بدون امتياز الغني على الفقير ، الحر على العبد ، الرجل على المرأة ، اليهودي على الوثني ، والمتعلم على الأمي ، الكل في الولادة الجديدة متساوون . هذا ما يؤكده مار بولس في الرسالة إلى غلاطية 3: 28 . والمساواة تقوم في وسط جماعة القديسين ( الكنيسة ) 1 قورنثية 12: 13 .
إن المحور الأساسي الذي كان يشكل محكاً لقبول شخص للعماد أو رفضه هو ٍالأيمان بابن الإله وما يرتب عليه من نتائج ( طالع يوحنا 3: 18) . فالخطيئة الأساسية هي خطيئة عدم الأيمان ، ولم تكن إشكالية الخطيئة الأصلية التي غدت في القرن الخامس ولأسباب حضارية واجتماعية ونفسية معينة ، النقطة الرئيسية للاهوت العماد معتمدة بالتالي على الأبعاد الأخرى الأصلية وبتأثير القديس أوغسطينوس( توفي عام 43.) الذي أستثمره إلى حد بعيد وبكلام أشبه بالأسطورة منه بالواقع اللاهوتي ، حاصراً إياه في نطاق فرداني واخلاقي ضيق ، في حين العماد هو سر الأيمان بالحياة الجديدة ، ضمن الإطار الفصحي الغني وحياة الجماعة (الكنيسة) المتضامنة في مسيرتها على خطى يسوع إلى الاب ..
كان المسيحيون الأولون يميّزون بين الكرازة (إعلان البشرى) والتعليم الديني . إعلان البشرى كان من مهام الرسل وخلفائهم ، أما التعليم الديني فكان مسؤولية المعلمين . في المرحلة الأولى يأتي قبول البشرى ، ثم يبدأ بإعداد معتنقها إعدادا دقيقاً ، ذلك بإكمال التعليم الديني ، وهو نوع من البرنامج يعرض للمرشحين للعماد ما يجب أن تكون حياتهم بعد اليوم . ولنا خلاصة كاملة لهذا التعليم الديني في كتاب ديداكي ( تعليم الرسل الأثني عشر ) الذي يعود إلى نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني . وهذه الخلاصة التي تعكس ممارسة الجماعة المسيحية الأولى تتضمن المبادئ الإيمانية والقواعد الأخلاقية التي ينبغي للمعمد أن يسير عليها . وفي مرحلة لاحقة يأتي العماد كتعبير حاسم عن الأيمان وعن بلوغ الضمير الأخلاقي لدى المعمد . أما رتبة العماد فكانت في غاية البساطة . تقوم عادة على تغطيس كلي للشخص في النهر أو نبع ماء ، يتبع ذلك وضع الأيدي لكي ينال موهبة الروح القدس (أعمال 8: 15- 17 ، 19: 6) . ثم تطور في نهاية القرن الأول ، خاصة في المدن ، حيث كان لغالبية البيوت بركة ماء ، وكان المسيحيون الأولون لعدم وجود معابد خاصة بهم يجتمعون في أحد هذه البيوت للصلاة وكسر الخبز . وكانوا يحتفلون بالعماد عن طريق الغطس في البركة ، وإذا تعذر ذلك فعن طريق الرش على الرأس ثلاث مرات، بعده يتمكن المعمد من الاشتراك في الافخارستيا (وليمة الرب) وعشاء الاخوة( وليمة المحبة). ولد ولادة روحية ويقتات بقوت روحي. وينتمي إلى عائلة جديدة روحية (الكنيسة).
يقول كاتب ديداكي: بعد أن تعلموا ما سبق، عمدوهم كما يأتي : بأسم الآب والابن والروح القدس بماء جار، فإذا لم يكن هناك ماء جار، فعمدوا بماء آخر، وإذا لم تستطيعوا أن تعمدوا بماء بارد، فعمدوا بماء ساخن. وإذا لم تملكوا كلاهما . فاسكبوا قليلا من الماء فوق الرأس ثلاثا على اسم الآب والابن والروح القدس. لا يأكلن أحد من سر شكركم الافخارستيا- ألا المعمدون ، ويظهر أن الصيغة التي غلب استعمالها في العماد هي صيغة الثالوث: بأسم الاب والابن والروح القدس، وليس الصيغة ك بأسم الرب يسوع. ويوصي الكتاب بصوم استعدادي قبل العماد، نظرا إلى خطورة هذه الخطوة الفاصلة في حياة الشخص: على المعمد والمعمد أن يصوما، وكذلك من يستطيع.. يوما أو يومين قبل المعمودية . وتتطور ممارسة العماد وكذلك رتبة الاحتفال به، فيطلب من المقدم إليه أن يعلن جهارا صورة إيمانه ويبرز الوعد بالعيش بمقتضاها. يقول القديس يوستينس:أن الذين يؤمنون بحقيقة تعاليمنا وعقدتنا، يعدون أولا بان يعيشوا بمقتضاها. عندئذ نعلمهم أن يصلوا وان يطلبوا من الله بالصوم غفران خطاياهم الماضية، ونحن نصلي ونصوم معهم . بعدئذ نقودهم إلى حيث الماء،وهناك،بنفس الطريقة التي تجددنا نحن بها، يتجددون بدورهم . فيغسلون إذ ذاك بالماء باسم الله، أبى وسيد كل شيء، ويسوع المسيح مخلصنا،والروح القدس، وكذلك مار افرام يقول : صرتم لله أبناء، وللمسيح اخوة وأحباء، وصرتم عرائس الروح بالعماد، وأبناء النور من داخل الماء.