الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الله الآب في العَهْد الجَديد

  1. #1
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Bassilmahfoud
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 745
    الحالة: Bassilmahfoud غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,560

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    Lightbulb الله الآب في العَهْد الجَديد

    أؤمن بإلهٍ واحدٍآبٍ ضابطِ الكل..."

    "الله لم يره أحد قط،الإله، الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 18).
    ان الإله الذي يتوق كل إنسان إلى معرفته والذيظهر للأنبياء في العهد القديم، قد ظهر لنا في ملء الأزمنة في شخص ابنه يسوع المسيح. وقد رسمت لنا الأناجيل المقدسة، في لوحات رائعة، صورة الله كما تجلَّت من خلالتعاليم يسوع وأعماله وموته وقيامته، ونجد في تلك الصورة خطوطاً اعتدناها في العهدالقديم وخطوطاً جديدة برزت لنا في المسيح.
    1- الإله الوحيد

    فعلى غرار العهد القديم، يبدولنا اللهُ في العهد الجديد الإلهَ الوحيد الذي له وحده يجب السجود والعبادة، والإلهالقريب من الانسان، الذي يعتني بجميع الناس ويدعوهم إلى دخولملكوته.
    فعندما يتكلم يسوع عن الله لا يبشّر بإلهجديد، بل بالإله الوحيد الذي ظهر في العهد القديم لابراهيم واسحق ويعقوب وموسىوسائر الأنبياء. وقد سأل يوماً أحد الكتبة يسوع عن أولى الوصايا، فأجابه يسوعمردّداً كنت العهد القديم: "أُولى الوصايا هي: اسمع يا اسرائيل: الرب إلهنا هو الربالوحيد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوّتك" (مر 12: 29، 30؛راجع تثنية الاشتراع 6: 4، 5).
    وللتعريف بهذا الإلهلا يلجأ يسوع إلى لغة فلسفية وتعابير نظرية تصف الله في ذاته، بل يستخدم، على مثالأنبياء العهد القديم، لغة حياتية وتعابير واقعية وأمثالاً شعبيّة لا تعرّف بالله فيذاته بقدر ما تعرّف به في علاقته بالعالم والانسان. فيبدو الله، في تعاليم يسوع،قريباً من العالم والانسان، على خلاف آلهة الفلاسفة الأقدمين.
    فالله، عند أفلاطون، هو الفكرة المطلقة المجرِّدة للخير، وهو بعيد كلالبعد عن هذا العالم، عالم الظواهر الحسية والمادة الفاسدة. وينتج من تلك النظرةإلى الله موقف عداء للمادة ورذل للجسد.
    والله، عندأرسطوطاليس، وان كان قد أبدع الكون، إلا أنه يحيا منذ الأزل بعيداً عن الكون. فهوالعقل الذي يعقل ذاتَه ولا يبالي بالعالم: لا علاقة له بشؤون البشر، فلا يعتني بهمولا يطلب منهم شيئاً.
    والله، عند أفلوطين، هو الواحدالمنفصل عن الكون، الذي منه انبثق عالم المادة. إلا أن العالم، بانبثاقه من الواحد،سقط في فساد الكثرة والتعدّدية. لذلك، بينما الإله الواحد هو إله الخير، لا يرىأفلوطين في المادة إلا الشر والفساد. ويتحتّم من ثم على الانسان الذي يريد الوصولإلى الله أن يبتعد عن المادة ويتحرّر منها.
    2- الإله القريب من الانسان

    هذا التناقض بينالله والكون لا وجود له في العهد القديم ولا في تعليم يسوع. فالله، منذ العهدالقديم، هو الذي خلق الكون والمادة وخلق الانسان روحاً وجسداً، "ورأى ذلك كله انهحسن". وبعد أن خلق الكون والانسان لم يتخلَّ عنهما بل بقي ملتزماً ما خلق. فهو سيّدالتاريخ وسيّد الانسان، وهو الذي يقود البشرية جمعاء إلى الخلاص. وقد أعلن للانسانمشيئته القدوسة في ما رسم له من أحكام ووصايا، وطلب منه الطاعة لأحكامه والأمانةلوصاياه. ومهما ابتعد الانسان عن الله، يبقى الله قريباً من الانسان يخاطبه ويذكّرهبعهده ووصاياه، تارة في كلام الأنبياء وطوراً من خلاله أحداث التاريخ، يلاطفه مرّةويداعبه، ويؤنّبه مرّة ويقاصّه.
    هذا الإله يصوّرهلنا الكتاب المقدّس منذ سفر التكوين في ملامح بشرية. فنراه يتكلم ويأمر ويَعِدويهدّد ويقاصّ ويسامح ويتطلّب ويغار ويغضب ويندم، يشعر بالفرح والحزن، بالمحبةوالكره. لا تعني تلك التصاوير البشرية أن الله هو على مثال الانسان في تقلُّبعواطفه وتغيّر طبعه ومزاجه. فالقصد منها إظهار قرب الله من الانسان وعنايته الدائمةبه وغيرته المستمرة عليه.
    فالله ليس كائناً مبهماًولا حقيقة مجرّدة. وليس هو بالفراغ المظلم الذي لا يمكن التعريف به ولا الهاويةالتي لا يمكن تحديدها. الله في تعليم يسوع، كما في العهد القديم، يظهر لنا كائناًشخصياً يمكن التحدّث إليه، وكائناً حياً أعطى الحياة للإنسان، وكائناً محباً يعتنيبالبشر كما يعتني الأب بأبنائه. وهذا الكائن الشخصي الحي المحب هو الذي أخذالمبادرة وأوحى بنفسه إلى الانسان داعياً إياه إلى أن ينشى معه علاقات شخصيّةوحيّة، وعلاقات محبة.
    فالله هو الذي يقترب منالانسان ويريد أن يقترب منه الانسان بثقة ومحبة فيخاطبه ويتحدث إليه في الصلاةداعياً شاكراً ساجداً مبتهلاً. ومن خلال تلك العلاقات يريد الله من الانسان أن يزيلمن نفسه كل خوف وقلق يمكنه أن يشعر بهما في هذا العالم، ويثق بالله ثقة الصديقبصديقه ويحبه محبة الابن لأبيه.
    لذلك لا نجد لا فيالعهد القديم ولا في تعاليم يسوع براهين فلسفية عن وجود الله. فيسوع لا ينطلق منالكون والانسان ليبرهن من خلالهما عن وجود الله. إلاّ أنه عندما يتكلم عن الكونوالانسان يظهرهما دوماً مرتبطين بكائن آخر هو مبدأ كيانهما وثبات وجودهما. لا يرىيسوع العالم إلا في نور الله، فاذا به عالم حسن يستطيع الانسان، دون خوف وقلق، أنيحقّق فيه ذاته ويصل من خلاله إلى سعادته وغاية وجوده.
    وهكذا يظهر وجود الله في تعليم يسوع جواباً ليس على رفض الملحدين ولاعلى فضولية علمية تحاول تقصّي أسرار الكون، بل على حاجة وجودية كامنة في أعماق كيانالانسان.
    فالله، في نظر يسوع، لا يهمل الناس بليعتني بهم جميعاً كما يعتني بطيور السماء وزنابق الحقل. لذلك يجب على الانسان ألاّيعيش في الخوف والقلق والاضطراب. وهذا معنى عدم الاهتمام المفرط بأمور الحياة الذييطلبه يسوع بقوله:
    "لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون،ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟انظروا إلى طيور السماء، فإنها لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى الأهراء، وأبوكمالسماوي يقوتها؛ أفلستم أنتم أفضل منها بكثير؟ مَن منكم يستطيع، مع الجهد، أن يزيدعلى عمره ذراعاً واحدة؟ ولماذا تقلقون بشأن اللباس؟ تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو،إنها لا تتعب ولا تغزل؛ وأنا أقول لكم: ان سليمَان نفسه، في كل مجده، لم يلبسكواحدة منها. فاذا كان عشب الحقل، الذي يكون اليوم، ويُطرَح في التنّور غداً، يلبسهالله هكذا، فكم بالأحرى يلبسكم أنتم، يا قليلي الايمان؟ فلا تقلقوا إذن قائلين: ماذا نأكل؟ أو: ماذا نشرب؟ أو: ماذا نلبس؟ فهذا كله يطلبه الوثنيون، وأبوكم السماويعالم بأنكم تحتاجون إلى هذا كله. بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّهيُزاد لكم".(متى 6: 25- 34)
    وهذا ما يعنيه يسوعأيضاً في مَثَل القاضي الجائر الذي كانت تأتي إليه أرملة قائلة: أنصفني منخصمي.
    "فامتنع زماناً طويلاً، ثم قال في نفسه: انيوإن كنت لا أتّقي الله، ولا أرعى للناس حرمة، أنصف هذه المرأة بما أنها تبرمني،لئلا تعود، على غير نهاية وتوجع رأسي". ثم قال الرب: "اسمعوا ما يقول القاضيالجائر! والله، ترى، أفلا ينصف مختاريه الذين يصرخون إليه نهاراً وليلاً؟ وهليتوانى عنهم؟ أقول لكم: انه ينصفهم سريعاً".(لوقا 18: 4- 8)
    ويشبّه يسوع الله بالأب الذي يعرف أن يعطي العطايا الصالحةلأولاده:
    "إسألوا فتعطوا، اطلبوا فتجدوا، إقرعوافيفتح لكم. فإن كلّ من يسأل يُعطى، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له. أي إنسان منكميسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً؟ أو يسأله سمكة فيعطيه حيّة؟ فاذا كنتم، مع ما أنتمعليه من الشرّ، تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأولادكم، فكم بالأحرى أبوكم الذيفي السماوات يمنح الصالحات للذين يسألونه!"(متى 7: 7- 11)
    في تلك التصاوير والتشابيه والأمثلة يجد الانسان الجواب على مايلاقيه في حياته من صعوبات ومضايق: في الشدّة والعذاب، في الضيق والألم، في الحزنوالحرمان، يعلم أن الله لا يهمله، بل هو قريب منه، وانه باستطاعته في كل لحظة أنيلتجئ إلى الله فيجد الراحة والسلام والفرق والحياة.
    لم يأتِ يسوع ليشبع فضولية الانسان ويكشف له عن أسرار الكون، بل جاءليعطيه موقفاً جديداً من الحياة، موقف إيمان بأن الحياة هي عطية من الله الأبالمحبّ القريب من الانسان.
    يتبع

    †††التوقيع†††



    ولتكن مراحم الهنا العظيم ومخلَصنا يسوع المسيح مع جميعكم


    " اننا نوصي بالصلاة لانها تولد في النفس فهما خاصا للذة الالهية"
    ( القديس باسيليوس الكبير )

  2. #2
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Bassilmahfoud
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 745
    الحالة: Bassilmahfoud غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,560

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الله الآب في العَهْد الجَديد

    [align=center]
    إله الملكوت


    إنّ قُرب الله من الانسان قد تحققبشكل خاص بمجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح. كان اليهود في العهد القديم ينتظرونزمناً يملك فيه الله على البشر ملكاً مباشراً فيزيل من الأرض الشقاء والظلم، ويحياالناس متّحدين اتحاداً صميماً بالله الحاضر في العالم حضوراً دائماً ومتمّمين علىالدوام إرادته المقدسة.
    عندما باشر يسوع كرازتهبدأها بالتبشير مجيء الملكوت: لقد تمّ الزمان واقترح ملكوت الله، فتوبوا وآمنوابالإنجيل. والأدلّة على قرب الملكوت أعطاها يسوع في ما اجترح من معجزات. ففي نقاشمع الفريسيين قدّم لهم يسوع معجزاته دليلاً على قرب الملكوت: "اذا كنت أنا بروحالله أُخرج الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله" (متى 12: 28).
    وبينما كان يوحنا المعمدان في السجن أرسل اثنين من تلاميذه يسألانيسوع: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟ فأجابهما يسوع: "انطلقوا وأعلِموا يوحنا المعمدانبما تسمعون وترون: العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتىينهضون والمساكين يبشّرون وطوبى لمن لا يشكّ فيّ" (متى 11: 4- 6).
    كل تلك المعجزات هي آيات، أي أعمال رمزية تظهر حضور الله وعمله فيالعالم بشكل نهائي في شخص يسوع المسيح، وتدعو الناس إلى الايمان بالمسيح ودخولالملكوت. ولا يستطيع أحد أن يلاقي الله ويدخل ملكوته إلا بتجديد حياته. فالسامريةوالمرأة الزانية وزكّا العشّار ونيقوديمس ومتى العشّار وبطرس، جميعهم دخلوا الملكوتعندما آمنوا أن الله قد حضر اليهم في شخص يسوع. التقوا الله في الايمان بالمسيح ومنثم جدّدوا حياتهم ليحيوا حياة الله فيهم.
    قلنا فيالفقرة الثانية إن يسوع لا يبرهن عن وجود الله فلسفياً بل يرى كل شيء في نور الله،فيبدو وجود الله أساساً لوجود الكون ووجود الانسان.
    نضيف هنا أن الله ليس وهماً ولا صنع مخيّلة البشر ولا انعكاساًلرغباتهم كما يدّعي الملحدون من أمثال وماركس وفويرباخ فالله، في نظر يسوع حقيقةتسبق الانسان وكائن لا يستسلم لرغبات الانسان بل يدعوه إلى تجديد حياته للولوج إلىحياة الله. وقد أصبح ذلك ممكناً بمجيء المسيح.
    انالله الذي هو قريب من الانسان منذ أن خلقه، والذي التزم محبة الانسان منذ أن أوجده،قد أصبح حاضراً في الكون ومع الناس حضوراً خاصاً ومميّزاً في شخص يسوع المسيح. ففيالمسيح يسوع يملك الله على البشر لا كما يملك ملك على عبيده، بل لا يملك الحق فيقلب عاشق الحق. وفي المسيح يسوع يحيا الناس مع الله، لا كما يحيا عبيد مع أسيادهمبل كما يحيا أبناء مع أبيهم. فبيسوع ابن الله يستطيع الجميع أن يصبحوا أبناءالله.
    "لما بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداًمن امرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس وننال التبنّي" (غلا 4: 4، 5)، "وكل الذين قبلوه آتاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله" (يو 1: 12).
    لذلك في العهد الجديد يبدو لنا الله إلهوالملكوت وإله النعمة والرحمة في آن واحد.
    4- إله النعمة والرحمة

    "إن الناموس قد أُعطي لنابموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا" (يو 1: 17).
    إن قمة كشف الله عن ذاته في العهد القديم هي في ظهوره لموسى على جبلسيناء. فهناك أبرم الله عهداً مع بني اسرائيل وهناك أعطاهم الناموس ووعدهم بأن يكونمعهم إن حفظوا وصاياه. وأصبح الناموس في العهد القديم الطريق الذي يقود الانسان إلىالله.
    أما في العهد الجديد فالله ليس إله الناموس بلإله النعمة والرحمة. وهذا ما أظهره يسوع في عمله وفي تعليمه. فنراه ينقض الناموسليجري الأشفية يوم السبت، فيشفي اليابس اليد (متى 12: 1- 14)، والمرأة الحدباء (لوقا 13: 10- 17)، ويرفض أن تطبّق شريعة موسى القائلة برجم المرأة الزانيةويستبدلها بالرحمة والمغفرة (يو 8: 3- 11).
    لقد أظهريسوع بنوع فائق رحمة الله للخطأة. "فكان العشّارون والخطأة جميعاً يقبلون إليهليسمعوه، ما جعل الفريسيين والكتبة يتذمّرون قائلين: ان هذا الرجل يقبل الخطأةويأكل معهم" (لوقا 15: 1، 2).
    فيغفر لمخلّعكفرناحوم: "يا رجل مغفورة لك خطاياك"، ثم يشفيه: "لك أقول: قمْ واحمل فراشك وامضِإلى بيتك" (لوقا 5: 17- 26).
    وفي بيت سمعان الفرّيسييغفر للمرأة الخاطئة التي جاءت إليه تبكي وتبلّ رجليه بالدموع وتمسحهـا بشعر رأسها،ويقول لسمعان: "إن خطاياها، خطاياها الكثيرة، مغفورة لها، بما أنها أحبّت كثيراً" (لوقا 7: 36- 50).
    ويغفر لزكّا العشّار قائلاً: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت، فإنه هو أيضاً ابن لابراهيم. لأن ابن البشر قدجاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (لوقا 19: 1- 10).
    وتفسيراً لموقفه من الخطأة يصف في عدة أمثال موقف الله نفسه منالخطأة. وقد جمع لوقا في الفصل الخامس عشر من إنجيله ثلاثة من هذه الأمثال: الخروفالضالّ والدرهم المفقود والابن الشاطر.
    أ- مَثَل الخروف الضالّ
    فالله يشبه الراعي الصالح الذي لايرضى بأن يهلك أحد من خرافه، "فاذا كان له مئة خروف وأضاع واحداً منها، يترك التسعةوالتسعين في البرّية ويمضي في طلب الضالّ حتى يجده، واذا ما وجده يحمله على منكبيهفرحاً، ويعود إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران ويقول لهم: افرحوا معي، فإني قدوجدت خروفي الضالّ". ثم يردف يسوع منتقداً الفريسيين والكتبة الذين كانوا يتذمّرونلقبوله الخطأة ومؤاكلتهم، ومنتقداً الصورة المشوّهة التي كانوا يرون الله منخلالها: "أقول لكم: هكذا في السماء يكون فرح بخاطئ يتوب أكثر ما يكون بتسعة وتسعينصدّيقاً لا يحتاجون إلى توبة" (15: 4- 7). ويعني بهؤلاء التسعة والتسعين الفريسيينالذين يعتقدون أنهم صدّيقون وأنهم ليسوا بحاجة إلى توبة (راجع في ذلك مَثَل الفريسيوالعشّار، لوقا 18: 9- 14).
    ب- مَثَل الدرهمالمفقود
    والله يسعى أيضاً وراء الخاطئ كما تسعىالمرأة الفقيرة وراء درهم أضاعته من دراهمها العشرة، "فتوقد سراجاً وتكنِّس البيت،وتطلبه في اهتمام حتى تجده؛ واذا ما وجدته تدعو الصديقات والجارات وتقول لهنّ: افرحن معي، فاني قد وجدت الدرهم الذي أضعت". ثم يضيف يسوع: "أقول لكم، إنه هكذايكون الفرح عند ملائكة الله بخاطئ يتوب" (15: 8- 10).
    ج- مَثَل الإبن الشاطر أو الأب الرحيم
    أما قمّة الوحي الانجيلي بصورة الله فنجدها في مَثَل الإبن الشاطر. فالله الملك يصبح الله الأب، وعلاقة الله مع الناس لم تعد علاقة ملك مع عبيده، بلعلاقة أب مع أبنائه، الخطأة والصدّيقين، الأشرار والصالحين.
    فالله هو ذلك الأب الذي ينتظر عودة ابنه الأصغر الذي أخذ حصّته منالميراث وقصد إلى بلد بعيد وأتلفها هناك عائشاً في التبذير. ولدى عودته، "وإذ كانبعد بعيداً، أبصره أبوه، فتحرّكت أحشاؤه وبادر إليه وألقى بنفسه على عنقه وقبَّلهطويلاً" (15: 20). ولما أراد الابن أن يعتذر عمّا صنعه، قائلاً: "يا أبتاه، قد خطئتإلى السماء وإليك، ولا أستحقّ بعد أن أُدعِى لك ابناً" قاطعه الأب قائلاً لغلمائه: "هلمّوا سريعاً بأفخر حلّة وألبسوه وضعوا في يده خاتماً وفي رجليه حذاء، وأْتوابالعجل المسمَّن واذبحوه، ولنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّفوُجِد" (15: 22- 24).
    يجب أن يدعى هذا المَثَل، لامَثَل "الإبن الشاطر"، بل مَثَل "الأب الرحيم"، لأنه لا يركّز على موقف الإبنالشاطر بقدر ما يركّز على موقف الأب من ابنه الأصغر ثم من ابنه الأكبر. فالأب يغفرلابنه الأصغر ويعيده إلى بيته مكرَّماً، ثم يدعو ابنه الأكبر الذي يغضب ويرفضالدخول إلى البيت، إلى مشاركته الفرح بعودة أخيه الأصغر "الذي كان ميتاً فعاش وكانضالاًّ فوُجِد" (15: 32).
    فالابن الأكبر يمثِّلالفريسيين في كبريائهم وقسوتهم تجاه موقف يسوع من الخطأة. كل ما عرَف الابن الأكبرعن أبيه الخدمة والأوامر. فيقول لأبيه: "كم لي من السنين في خدمتك، ولم أتعدَّ قطأمراً من أوامرك" (15: 29). وكل ما عرف الفريسيون عن الله الناموس والوصايا. ولكنالله، في نظر يسوع، ليس إله الأوامر والنواهي والناموس والوصايا، بل الله هو إلهالرحمة والمحبة، وبقدر ما يبتعد أبناؤه عنه، بقدر ذلك تزيد محبته لهم. وهذا ما لميستطع أن يفهمه الفريسيون المتعلقون تعلُّقاً أعمى بحرف الناموس.
    الله، في نظر يسوع، ليس إله الكبت والضغط والإكراه، بل إله التحرّرالذي يحرّر الانسان من حواجز التقاليد الاجتماعية والأحكام البشرية التي تفصلالسامريين عن اليهود والعشّارين عن الفريسيين، وتغلق على الخطأة في خطيئتهم وعلىالمنبوذين في انتباذهم وعلى المحرومين في حرمانهم وعلى الضعفاء فيضعفهم.
    الله، في نظر يسوع، هو إلهالممكنات الذييفتح أمام الانسان آفاق المستقبل، فيحرّره من قيود نفسه ويدعوه إلى تجاوز ذاتهباستمرار؛ الله فيض من العطاء المجاني لا نستطيع أن ندرك عمقه أو سعةامتداده.
    والايمان بهذا الإله لا يستطيع الانسان أنيصل إليه عن طريق التحليل الفكري بل عن طريق الاختبار الشخصي. ان الإله الحقيقي قدظهر لنا في شخص يسوع المسيح. والرسل والتلاميذ الذين آمنوا بيسوع وعاشوا معهاختبروا من خلاله الله وعرفوا وجهه الحقيقي.
    وعندماأراد يوحنا الانجيلي أن يعرّف بالله كما ظهر له من خلال تعاليم يسوع وحياته، ومنخلال خبرته الشخصية وخبرة سائر الرسل، لم يجد أجمل وأعمق وأصدق من هذا التعبير : "ان الله محبة" (1 يو 4: 16).


    [/align]
    يتبع

    †††التوقيع†††



    ولتكن مراحم الهنا العظيم ومخلَصنا يسوع المسيح مع جميعكم


    " اننا نوصي بالصلاة لانها تولد في النفس فهما خاصا للذة الالهية"
    ( القديس باسيليوس الكبير )

  3. #3
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Bassilmahfoud
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 745
    الحالة: Bassilmahfoud غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,560

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    Lightbulb رد: الله الآب في العَهْد الجَديد

    -5 - كمال الله في كمال المحبة

    في نهاية الفصل الخامس من انجيل متى، يطلب يسوع من مستمعيه أن يتشبّهوا بكمال الله: "فأنتم اذاً كونوا كاملين كماأنّ أباكم السماوي هو كامل" (متى 5: 48).
    قد يتبادرإلى أذهاننا أن كمال الله هو في قدرته المطلقة على كل شيء، وعلمه الكامل بكل شيء،وتنزّهه عن المادة، وأزليته التي لا يستطيع أحد أن يدرك مداها، وعدم تحوّلهوتغيّره. ونتساءل: كيف يسعنا، نحن البشر الضعفاء المحدودين في الوجود والمعرفة، أننتشبّه بكمال الله؟
    ان يسوع يعلم ضعف البشر وحدودهم،ومع ذلك يطلب منهم أن يكونوا كاملين مثل الله. ذلك لأنه أوجز جميع صفات الله في صفةواحدة هي في متناول الانسان، وتلك الصفة هي المحبة:
    "سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم: أحبّواأعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات،فانه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة. فإنكم إن أحببتممن يحبكم فأيّ أجر لكم؟ أليس العشّارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ وإن لم تسلِّموا إلاّعلى اخوانكم فقط، فأيّ عمل خارق تصنعون؟ أوَليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟ فأنتمإذن كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل".(متى 5: 43- 48)
    لن يصل الانسان إلى كمال الله، في نظر يسوع، إلا بالتشبّه بمحبة اللهالشاملة لجميع الناس. "قل لي مَن هو إلهك، أقُل لك مَن أنت". إلهنا محبة، فينبغي أننكون نحن محبة. والله هو الذي بادرنا بالمحبة. وانطلاقاً من تلك المحبة التيأحبَّنا، يطلب منا أن نحبّ بعضنا بعضاً. بهذا فقط نستطيع أن نصل إلى الله: "ان اللهمحبة، فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
    ان الله قد أحبّنا أولاً وغفر لنا خطايانا. فنحن البشر كلنا نشبه ذلكالعبد الذي قُدِّمَ إلى سيّده وعليه عشرة آلاف وزنة، وإذ لم يمن له ما يوفي به،تحنّن عليه سيّده وترك له الدَّين. (راجع المَثَل في متى 18: 21- 35). وكما غفر لناالله دون حدّ، كذلك يطلب منا أن نغفر بعضنا لبعض زلاّتنا، وذلك ليس فقط إلى سبعمرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرات أي دون أي حد.
    أ- صفات الله
    بهذا تتميّز المسيحية عن سائر الديانات،في نظرتها إلى الله. ان إله المسيحية لم يخترعه المسيحيون كما يدّعي الملحدون. فالله هو الذي أظهر لنا ذاته في شخص يسوع وتعليمه. وقد ظهر لنا محبة متجسّدة. فالمحبة هي التي تحدّد الله في المسيحية وانطلاقاً من هذا التحديد تأخذ صفات اللهالتي تتحدّث عنها الفلسفة ومختلف الديانات معاني جديدة:
    فأزلية الله لا تعني ابتعاده عن الزمن، بل حضور محبته حضوراً دائماًومعاصراً لجميع الأزمنة.
    وروحانيته لا تعني تنزّههعن المادة الفاسدة، بل سلطته المطلقة على الخليقة كلها وشمول محبته الكون بأسره؛فالروح يهبّ في كل مكان ولا يستطيع أحد أن يوقف عمله.
    وصلاحه ليس إشعاعاً طبيعياً لما فيه من خير بقدر ما هو عمل اختيارعطوف ومحبة حرة.
    وعدم تحوّله لا يعنى الجمود بلالأمانة الكاملة لذاته ولمحبته. وعدله لا يعني مجازاة كل واحد بحسب أعماله وفقاًلنظام لازمني، بل هو فيض من المحبة والرأفة والخلاص.
    وعدم ادراكنا له لا يعني اننا أمام كائن مبهم وحقيقة غامضة، بل انالله يسمو على كل ما يستطيع الانسان أن يتصوّره، وان محبته لا يمكن أحداً أن يسبرعمقها، حسب قول بولس الرسول:
    "يا لعمق غنى حكمتهوعلمه! ما أبعد أحكامه عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء! فمن عرف فكر الرب؟ ومَن كانله مشيراً؟ من سبق فأعطاه، فيردّ اليه؟ ان كل شيء هو منه وبه وإليه. فله المجد إلىالدهور، آمين"(روم 11: 33- 36).
    ب- المحبة حتىالموت
    ولقد ظهرت محبة الله في أقصى حدودها في موتيسوع على الصليب: "فانه هكذا أحبّ الله العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلككل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).
    فالله الآب بذل ابنه لأجل العالم. ويسوع ابن الله بذل ذاته لأجلالعالم متمماً ما قاله لتلاميذه: "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل الحياة عنأصدقائه". (يو 15: 13). والابن في بذل ذاته حتى الموت هو صورة لله الآب: "مَن رآنيفقد رأى الآب" (يو 14: 9). ان يسوع المسيح هو صورة لله الآب ليس فقط في حياتهومعجزاته وموقفه تجاه الخطأة، بل أيضاً وبنوع خاص في موته. فالابن في محبته لنا حتىالموت هو صورة حقيقية للآب الذي أحبنا حتى أقصى حدود المحبة.
    يتصوّر البعض أن يسوع على الصليب قد سكَّنَ غضب الله الثائر علىالبشر من جرّاء خطاياهم. ان هذا التصوّر البشري بعيد كل البعد عن الموقف الالهي. فيسوع في بستان الزيتون كان يخاطب الله قائلاً: "يا أبتاه، إن شئتَ فأَجزْ عني هذاالكأس. ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42). الكأس هنا هي كأس العذابولكنها في الوقت نفسه كأس الخلاص. ومشيئة الله ليست في الانتقام من الخطأة بل فيخلاصهم وتبريرهم. ويسوع في وسط عذابه يستعمل لفظة يا أبتاه (بالعبرية "أبّا")؛ ففيلحظة عذابه وموته، كما في كل حياته، نرى ان إرادته متّحدة بإرادة الله الآب لخلاصالبشر بالمحبة حتى الموت في سبيلهم.
    ان حوار يسوع معأبيه في بستان الزيتون يذكّرنا بحوار اسحاق مع أبيه ابراهيم عندما أصعده ابراهيمإلى جبل موريّا ليقدّمه ذبيحة لله: "فكلّمَ اسحاق ابراهيم أباه وقال: يا أبتاه! قال: لبّيك يا بُنيّ! قال: هذه النار والحطب، فأين الحَمَل للمحرقة؟ فقال ابراهيم: الله يرى الحَمَل له للمحرقة يا بُنيّ. ومضيا كلاهما معاً" (تكوين 22: 7، 8).
    إن إله ابراهيم ليس إلهاً سفاحاً كآلهة الوثنيينالعطشى إلى دم البشر، وإله يسوع كان بإمكانه أن يرسل لنصرته اثنتي عشرة جوقة منالملائكة. ولكن إله يسوع، كإله ابراهيم، ليس إله الحرب والقتل والدمار، إنه أب لإبنوحيد. وهذا الابن قد أسلمه لأجلنا نحن، حسب قول بولس الرسول: "اذا كان الله معنا،فمَن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا معهكل شيء؟" (روم 8: 31، 32).
    بموت يسوع ظهرت صورة اللهالحقيقية. فالله ليس إله القدرة والتسلّط والعظمة والانتقام. إنه إله العطاءوالمحبة الذي بذل ابنه الوحيد للموت ليظهر للبشر محبته لهم ويمنحهم الفداءوالخلاص.
    إلا أن الموت ليس نهاية كل شيء. فالله الذيأظهر أقصى محبته للعالم ببذل ابنه إلى الموت لأجل حياة العالم، أظهر أيضاً أقصىمحبته لابنه وللعالم بإقامته يسوع من بين الأموات وإدخاله البشرية إلى مجدهالسماوي. "فالله ليس إله أموات، بل إله أحياء" (متى 22: 32). ثم "ان المسيح قد قاممن بين الأموات، باكورة للراقدين" (1 كور 15: 20).

    يتبع

    †††التوقيع†††



    ولتكن مراحم الهنا العظيم ومخلَصنا يسوع المسيح مع جميعكم


    " اننا نوصي بالصلاة لانها تولد في النفس فهما خاصا للذة الالهية"
    ( القديس باسيليوس الكبير )

  4. #4
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية Bassilmahfoud
    التسجيل: Feb 2007
    العضوية: 745
    الحالة: Bassilmahfoud غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,560

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    Lightbulb رد: الله الآب في العَهْد الجَديد

    6- الله والانسان


    هل انكشفلنا، من خلال ما قلناه، وجه الله الحقيقي؟ لربما لم يتضح لنا وجه الله في ذاته بقدرما اتضح لنا وجه الله في علاقته بالانسان. فالله في ذاته لا يستطيع انسان أن يراهويبقى حياً. اننا نبقى إزاء سرّ الله كموسى الذي ظهر له الله على جبل سيناء فطلبإليه أن يريه وجهه فقال له الله: "لا يستطيع انسان أن يراني ويبقى حياً". لم يقدرموسى أن يشاهد وجهه، لكنه شاهد مجده أي بعضاً من حضوره، لم يعرف موسى الله إلا منخلال عمله. فلما أخرج الله شعبه من عبودية مصر، عرف موسى ان الله هو إله الخلاصوالمحبة والحرية.
    أ- يسوع المسيح طريق الانسان إلىالله
    هكذا في العهد الجديد أيضاً عرفنا الله من خلالابنه يسوع الذي هو حضور الله بالجسد.
    جميع الذينيؤمنون بالإله الواحد يعترفون بأن الله هو خالق الكون وخالق الانسان. وجميع الذينيؤمنون بالوحي يعترفون بأن الله قد أوحى بذاته للانسان بواسطة أنبيائه ومرسليه. إلاأن الإيمان بالإله الواحد يتَّسم في المسيحية بسِمَة خاصة. فإله الكون وخالق الدنياالذي يؤمن بوجوده المسيحيون والمسلمون واليهود معاً هو، تبعاً للإيمان المسيحي، إلهالمحبة الذي لم يكتفِ بإظهار وجوده في الكون والطبيعة وإعلان إرادته لبعض الأنبياءالمختارين كإبراهيم وموسى عند اليهود ومحمد عند المسلمين، بل ظهر شخصياً في تاريخالبشر وأوحى بذاته في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح، ليشرك البشر جميعاً في حياتهالالهية.
    "ان الله، بعد إذ كلَّمَ الآباء قديماًبالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالإبنالذي جعله وارثاً لكل شيء كما وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده، وصورةجوهره، وضابط كل شيء بكلمة قدرته".(عبرانيين 1: 1- 3)
    بهذا يتميّز الايمان المسيحي عن إيمان اليهودية والاسلام: "انالناموس قد أُعطي بموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا. الله لم يره أحدقط، الإله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب، هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 17، 18)
    ان الناموس الموسوي هو الطريق الذي يقود اليهودإلى الله، والقرآن المحمّدي هو الطريق الذي يقود المسلمين إلى الله؛ أما الطريقالذي يقود المسيحيين إلى الله فهو شخص يسوع المسيح، ابن الله المتجسّد، الذي هو "الطريق والحق والحياة ولا يأتي أحط إلى الآب إلا به" (يو 14: 6).
    ماذا يعني شخص يسوع المسيح بالنسبة إلى البشر؟ لقد تمّ في شخص يسوعالمسيح اتحاد الله والانسان. فيسوع المسيح هو ابن الله الذي أظهر لنا الإلهالحقيقي، وهو الانسان الكامل الذي كان، في عمق كيانه وفي كل حياته، متّحداً اتحاداًتاماً بالله الآب. لذلك حقّق في ذاته وفي حياته حلم الانسان الدائم ببلوغ الاتحادالكياني بالله.
    ان المسيحيين، بقبولهم يسوع المسيحواتحادهم به، يكرزون برؤية جديدة للكون وللواقع الانساني. فالكون الذي يرى فيه كلمؤمن وجه الله الخالق يرون هم فيه أيضاً وجه الله المخلص، بيسوع المسيح الكائنالجديد الذي حقق في الكون الخليقة الجديدة وصالح الانسان مع الله ومع نفسه ومعالآخرين.
    نؤمن نحن المسيحيين أن الكيان الانساني قدظهر في الوجود والتاريخ دون نقص أو اعوجاج في شخص يسوع المسيح الذي، باتحاده العميقبالله في كيانه وحياته، تغلَّبَ على المخرّب والضياع وبلغ كمال الانسانية. انالكائن الجديد قد ظهر في شخص يسوع المسيح. وهذا الكائن الجديد وحده يطابق جوهرالانسان ما يجب أن يكون.
    وعلى هذا الإيمان نرتكزلنؤكد أن الانسان يستطيع أن يتغلّب على ما يشعر به من تغرّب وضياع وقلق ويحقّق مايصبو إليه في عمق كيانه. فالبشر لا يطلبون جواباً نظرياً على تغرّبهم وقلقهم، بليطلبون السيطرة على تغرّبهم والخلاص من قلقهم، وهذا ما يجدونه في الاشتراك فيالكيان الجديد الذي ظهر في شخص يسوع المسيح. عندما يعتمدون بالمسيح يلبسون المسيحويصبحون خلائق جديدة: "أنتم الذين للمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم" (غلا 3: 27)؛ "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ وكلّ شيء قد تجدّد" (2كور 5: 17).
    لقد رأينا في الفصل الأول أن هناك ثلاثةأنواع من الخاطر تهدّد الانسان في أبعاد كيانه الثلاثة: فالشعور بالفراغ والعبثيهدّدانه في كيانه الروحي، والشعور بالذنب والهلاك الأبدي يهدّدانه في كيانهالأدبي، والمصائب والموت تهدّده في وجوده وحياته. وقد أظهر لنا يسوع في حياتهوأعماله وموته وقيامته انّ من يؤمن بالله ويحيا متّحداً به لا يمكن أن يخاف من بعدأو يقلق إزاء أي من تلك الخاطر.
    فلا شعور من بعدبالفراغ والعبث عندما نعلم أن لحياتنا قيمة لامتناهية، إذ ان الله أحبّنا إلى حدّأنه بذل ابنه الوحيد لأجلنا.
    ولا شعور من بعد بالذنبولا خوف من الهلاك الأبدي عندما نعلم أن الله هو إله الرحمة والمغفرة الذي لا يريدموت الخاطئ بل يسعى إليه كالراعي الصالح ليعيد إليه الحياة، وينتظر عودته كما ينتظرالأب الرحيم عودة ابنه الضالّ.
    ولا خوف من بعد أمامالمصائب ولا قلق أمام الموت، عندما نعلم أن الله نفسه يمنحنا قوته لنتغلب علىالمصائب ونزيل الشرّ من العالم، وننتصر أخيراً على الموت وندخل مع ابنه القائم منبين الأموات إلى الحياة الأبدية.
    ب- حياة الانسان معالله
    يتساءل بعض الناس اليوم: ماذا يفيد الانسان أنيؤمن بالله في عصر الذرّة والعلم والتقنية؟ لقد توصل العلم إلى اكتشاف أسرار الكونوتوصلت التقنية المعاصرة إلى تلبية معظم حاجات الانسان المادية. فما الحاجة بعد إلىالايمان بالله؟
    لا يهدف الايمان بالله إلى كشف أسرارالكون للانسان ولا إلى تلبية حاجاته المادية. "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل". الإيمان بالله، في المسيحية، هو الإيمان بأن الله هو أب لجميع البشر، وبأن هذا الأبقد أوحى لنا بذاته في شخص ابنه يسوع المسيح ليصبح كل إنسان في المسيح ابناًلله.
    الله محبة، والمحبة علاقة بين أشخاص. لذلكفالإيمان بالله هو أولاً الإيمان بأن الله بادرنا بالمحبة وأعطانا ابنه الوحيدليظهر لنا عمق تلك المحبة ويكون هو نفسه العلاقة بيننا وبين الله، وهو ثانياًالدخول إلى تلك المحبة والحياة بموجبها.
    وبقدر مايحيا المسيحي بموجب تلك المحبة، وبقدر ما تتوطّد أواصر العلاقة بينه وبين المسيح،بقدر ذلك ينكشف له الله: "مَن كانت عنده وصاياي وحفظها، يقول يسوع، فهو الذي يحبني،والذي يحبني يحبّه أبي، وأنا أُحبّه وأُظهر له ذاتي" (يو 14: 21). لن يظهر اللهذاته للانسان ولن يعرف الانسان الله إلا بقدر ما يحفظ الانسان وصايا الله ويحيا فيالمحبة. فكما ان المعرفة بين الأشخاص تزيد بقدر ما تزيد محبتهم بعضهم لبعض، كذلكتنمو معرفتنا لله بقدر ما تنمو محبتنا له: "إن أحبّني أحد يحفظ كلمتي، وأبي يحبّه،وإليه نأتي، وعنده نجعل مقامنا" (يو 14: 23).
    الهدفمن الإيمان بالله هو البلوغ بالانسان إلى أن يحيا في ذاته حياة الله، فيقيم اللهفيه ويقيم هو في الله. عندئذٍ يسيطر على قلقه وضياعه وتغرّبه، ويجدّد كيانه علىصورة المسيح يسوع ابن الله القائل: "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 10).
    "إن الله لم يشاهده أحد قط، ولكن إن نحن أحببنابعضنا بعضاً، أقام الله فينا، وكانت محبته كاملة فينا" (1 يو 4: 12).
    الله لم يره أحد قط، ولكن من يحيا في المحبةعلى مثال المسيح وبالاتحاد معه يستطيع أن يختبر الله، ولن نقوى نحن المسيحيين علىأن نقود الناس إلى الايمان بالله وإلى اختبار الله في ذواتهم إلا عن طريقالمحبة.
    "إنّ الله محبة. فمن ثبت في المحبة ثبت فيالله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
    منقول

    †††التوقيع†††



    ولتكن مراحم الهنا العظيم ومخلَصنا يسوع المسيح مع جميعكم


    " اننا نوصي بالصلاة لانها تولد في النفس فهما خاصا للذة الالهية"
    ( القديس باسيليوس الكبير )

المواضيع المتشابهه

  1. Youtube - ميلاديات - اليوم بيت لحم تتقبل الجالس مع الآب
    بواسطة Mayda في المنتدى ملتيميديا أرثوذكسية بيزنطية - Orthodox Byzantine Multimedia
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2011-12-07, 04:27 AM
  2. وحدانية الآب والابن والروح القدس في عيد البشارة
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى الليتورجيا
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 2011-03-25, 07:24 PM
  3. القداس الإلهي: مباركة مملكة الآب
    بواسطة سليمان في المنتدى أية وتأمل
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2008-10-30, 01:41 AM
  4. يسوع مرسل الآب - أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى يسوع المسيح - الكلمة المتجسد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2007-12-23, 08:54 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •