-5 - كمال الله في كمال المحبة

في نهاية الفصل الخامس من انجيل متى، يطلب يسوع من مستمعيه أن يتشبّهوا بكمال الله: "فأنتم اذاً كونوا كاملين كماأنّ أباكم السماوي هو كامل" (متى 5: 48).
قد يتبادرإلى أذهاننا أن كمال الله هو في قدرته المطلقة على كل شيء، وعلمه الكامل بكل شيء،وتنزّهه عن المادة، وأزليته التي لا يستطيع أحد أن يدرك مداها، وعدم تحوّلهوتغيّره. ونتساءل: كيف يسعنا، نحن البشر الضعفاء المحدودين في الوجود والمعرفة، أننتشبّه بكمال الله؟
ان يسوع يعلم ضعف البشر وحدودهم،ومع ذلك يطلب منهم أن يكونوا كاملين مثل الله. ذلك لأنه أوجز جميع صفات الله في صفةواحدة هي في متناول الانسان، وتلك الصفة هي المحبة:
"سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أما أنا فأقول لكم: أحبّواأعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات،فانه يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والأثمة. فإنكم إن أحببتممن يحبكم فأيّ أجر لكم؟ أليس العشّارون أنفسهم يفعلون ذلك؟ وإن لم تسلِّموا إلاّعلى اخوانكم فقط، فأيّ عمل خارق تصنعون؟ أوَليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟ فأنتمإذن كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل".(متى 5: 43- 48)
لن يصل الانسان إلى كمال الله، في نظر يسوع، إلا بالتشبّه بمحبة اللهالشاملة لجميع الناس. "قل لي مَن هو إلهك، أقُل لك مَن أنت". إلهنا محبة، فينبغي أننكون نحن محبة. والله هو الذي بادرنا بالمحبة. وانطلاقاً من تلك المحبة التيأحبَّنا، يطلب منا أن نحبّ بعضنا بعضاً. بهذا فقط نستطيع أن نصل إلى الله: "ان اللهمحبة، فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
ان الله قد أحبّنا أولاً وغفر لنا خطايانا. فنحن البشر كلنا نشبه ذلكالعبد الذي قُدِّمَ إلى سيّده وعليه عشرة آلاف وزنة، وإذ لم يمن له ما يوفي به،تحنّن عليه سيّده وترك له الدَّين. (راجع المَثَل في متى 18: 21- 35). وكما غفر لناالله دون حدّ، كذلك يطلب منا أن نغفر بعضنا لبعض زلاّتنا، وذلك ليس فقط إلى سبعمرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرات أي دون أي حد.
أ- صفات الله
بهذا تتميّز المسيحية عن سائر الديانات،في نظرتها إلى الله. ان إله المسيحية لم يخترعه المسيحيون كما يدّعي الملحدون. فالله هو الذي أظهر لنا ذاته في شخص يسوع وتعليمه. وقد ظهر لنا محبة متجسّدة. فالمحبة هي التي تحدّد الله في المسيحية وانطلاقاً من هذا التحديد تأخذ صفات اللهالتي تتحدّث عنها الفلسفة ومختلف الديانات معاني جديدة:
فأزلية الله لا تعني ابتعاده عن الزمن، بل حضور محبته حضوراً دائماًومعاصراً لجميع الأزمنة.
وروحانيته لا تعني تنزّههعن المادة الفاسدة، بل سلطته المطلقة على الخليقة كلها وشمول محبته الكون بأسره؛فالروح يهبّ في كل مكان ولا يستطيع أحد أن يوقف عمله.
وصلاحه ليس إشعاعاً طبيعياً لما فيه من خير بقدر ما هو عمل اختيارعطوف ومحبة حرة.
وعدم تحوّله لا يعنى الجمود بلالأمانة الكاملة لذاته ولمحبته. وعدله لا يعني مجازاة كل واحد بحسب أعماله وفقاًلنظام لازمني، بل هو فيض من المحبة والرأفة والخلاص.
وعدم ادراكنا له لا يعني اننا أمام كائن مبهم وحقيقة غامضة، بل انالله يسمو على كل ما يستطيع الانسان أن يتصوّره، وان محبته لا يمكن أحداً أن يسبرعمقها، حسب قول بولس الرسول:
"يا لعمق غنى حكمتهوعلمه! ما أبعد أحكامه عن التنقيب وطرقه عن الاستقصاء! فمن عرف فكر الرب؟ ومَن كانله مشيراً؟ من سبق فأعطاه، فيردّ اليه؟ ان كل شيء هو منه وبه وإليه. فله المجد إلىالدهور، آمين"(روم 11: 33- 36).
ب- المحبة حتىالموت
ولقد ظهرت محبة الله في أقصى حدودها في موتيسوع على الصليب: "فانه هكذا أحبّ الله العالم حتى انه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلككل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).
فالله الآب بذل ابنه لأجل العالم. ويسوع ابن الله بذل ذاته لأجلالعالم متمماً ما قاله لتلاميذه: "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل الحياة عنأصدقائه". (يو 15: 13). والابن في بذل ذاته حتى الموت هو صورة لله الآب: "مَن رآنيفقد رأى الآب" (يو 14: 9). ان يسوع المسيح هو صورة لله الآب ليس فقط في حياتهومعجزاته وموقفه تجاه الخطأة، بل أيضاً وبنوع خاص في موته. فالابن في محبته لنا حتىالموت هو صورة حقيقية للآب الذي أحبنا حتى أقصى حدود المحبة.
يتصوّر البعض أن يسوع على الصليب قد سكَّنَ غضب الله الثائر علىالبشر من جرّاء خطاياهم. ان هذا التصوّر البشري بعيد كل البعد عن الموقف الالهي. فيسوع في بستان الزيتون كان يخاطب الله قائلاً: "يا أبتاه، إن شئتَ فأَجزْ عني هذاالكأس. ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42). الكأس هنا هي كأس العذابولكنها في الوقت نفسه كأس الخلاص. ومشيئة الله ليست في الانتقام من الخطأة بل فيخلاصهم وتبريرهم. ويسوع في وسط عذابه يستعمل لفظة يا أبتاه (بالعبرية "أبّا")؛ ففيلحظة عذابه وموته، كما في كل حياته، نرى ان إرادته متّحدة بإرادة الله الآب لخلاصالبشر بالمحبة حتى الموت في سبيلهم.
ان حوار يسوع معأبيه في بستان الزيتون يذكّرنا بحوار اسحاق مع أبيه ابراهيم عندما أصعده ابراهيمإلى جبل موريّا ليقدّمه ذبيحة لله: "فكلّمَ اسحاق ابراهيم أباه وقال: يا أبتاه! قال: لبّيك يا بُنيّ! قال: هذه النار والحطب، فأين الحَمَل للمحرقة؟ فقال ابراهيم: الله يرى الحَمَل له للمحرقة يا بُنيّ. ومضيا كلاهما معاً" (تكوين 22: 7، 8).
إن إله ابراهيم ليس إلهاً سفاحاً كآلهة الوثنيينالعطشى إلى دم البشر، وإله يسوع كان بإمكانه أن يرسل لنصرته اثنتي عشرة جوقة منالملائكة. ولكن إله يسوع، كإله ابراهيم، ليس إله الحرب والقتل والدمار، إنه أب لإبنوحيد. وهذا الابن قد أسلمه لأجلنا نحن، حسب قول بولس الرسول: "اذا كان الله معنا،فمَن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاص بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا معهكل شيء؟" (روم 8: 31، 32).
بموت يسوع ظهرت صورة اللهالحقيقية. فالله ليس إله القدرة والتسلّط والعظمة والانتقام. إنه إله العطاءوالمحبة الذي بذل ابنه الوحيد للموت ليظهر للبشر محبته لهم ويمنحهم الفداءوالخلاص.
إلا أن الموت ليس نهاية كل شيء. فالله الذيأظهر أقصى محبته للعالم ببذل ابنه إلى الموت لأجل حياة العالم، أظهر أيضاً أقصىمحبته لابنه وللعالم بإقامته يسوع من بين الأموات وإدخاله البشرية إلى مجدهالسماوي. "فالله ليس إله أموات، بل إله أحياء" (متى 22: 32). ثم "ان المسيح قد قاممن بين الأموات، باكورة للراقدين" (1 كور 15: 20).

يتبع