في بيتنا فيديو!!

كان "الفيديو" هو حلم حياتنا.. ولكن كما يقولون فاليد قصيرة والعين بصيرة.. وكلن الحياة ابتسمت لنا فجأة عندما توفيت حماتي.. فخرجنا من الجنازة لبيع أساورها.. وخرجنا من محل الصائغ إلى محل بيع جهاز الفيديو مباشرة!

واحتفل معنا الجيران بطريقتهم الخاصة.. إذ أنهم صاروا مرابطين في شقتنا ليل نهار لمشاهدة الفيديو.. ولأنهم أهل لنا – كما قالوا- لذلك امتدت أيديهم سريعاً إلى الشاي والسكر والمشروبات الباردة في شقتنا باعتبارها واجبات الضيافة .. ونحن إذ كنا قد نسينا أن نقدمها لهم – كما قلنا لهم – فهم لم ينسوا أن يقدموها لأنفسهم – كما قالوا لنا- فيدفعوا عنا الحرج.

ولما وصل الأمر إلى حد أننا إذا أردنا النوم قرابة الفجر – أنا وزوجتي وابني – قالوا بأننا يجب ألا نخجل من ذلك.. وأنهم باقون لمشاهدة الفيديو حتى الصباح! أيقنت أنني صرت أعاني من مشكلة حقيقة!
وهكذا تفتق ذهن زوجتي عن حيلة بأن ندعي للجيران أن الفيديو قد "باظ" ولكن في نفس النهار جاءنا الجيران بخبير في إصلاح الفيديو.. وطبعا الفاتورة كانت على حسابنا.. بالرغم من أن الفيديو كان سليماً بلا سوء!!

وهكذا أدركنا أنه لا بد من التعايش السلمي بيننا وبين جيراننا ما دام الفيديو في بيتنا.. وفي حقيقة الأمر لم يكن ذلك هو ما يشغلني بقدر قلقي على ابني الصغير ذي الخمس سنوات .. وخاصة أنني بدأت أدرك أن مواهبه قد تفتحت سريعاً.. فقد صار يدعو ابنة الجيران بالذات لمشاهدة الفيديو معه – عمرها 12 عاماً !! – وإذا جاءت معها أمها لم يكن هناك ما يمنعه من إلقاء نظرة مختلسة على الأم أيضاً!!

ولأن الولد كان يسبق سنه كثيراً كما هو واضح، لذلك خشيت أن يستغفلني ويقوم بتشغيل تلك الأفلام إياها من وراء ظهري.. لذلك اضطررت إلى مراقبته مراقبة صارمة وتفحص ما يأتي به من أفلام بل ورؤيتها معه.. خوفاً من أن يأتي بشريط فيلم مكتوب عليه للتمويه "عبده يتحدى رامبو".. ثم أفاجأ داخل الشريط بأن "رامبو" هو الذي يتحدى "عبده"!!.. وحتى لا أكون من الآباء الذين يتم استغفالهم.. لذلك اضطررت لأن أجلس أمام شاشة الفيديو أكثر من 12 ساعة كل يوم حتى تحولت المسألة إلى إدمان بالنسبة لي. وفي الوقت الذي صار فيه ابني ينام منذ العاشرة مساء.. كنت لا أنام قبل الخامسة فجراً.!

ثم جاءني ذات يوم بشريط فيديو معه وعلى وجهه علامات بهجة طاغية وقال لي: أنا جبت معايا يا بابا شريط فيديو كل زمايلي في الحضانة شافوه وقالوا عليه إنه ممتاز.

وهنا لعب الفأر بعبي، ولما لم أكن من الآباء الذين يسهل خداعهم قلت له: طب إيه رأيك نشوفه سوا؟
فهز رأسه موافقاً وهو يقول في لهجة غامضة: بس المهم تمسك أعصابك. ووضع الشريط في جهاز الفيديو وأداره.. وهنا وفي اللحظة التالية قفزت من مكاني هلعاً، إذ سمعت تلك الصرخة المريعة التي صدرت من الجهاز وشاهدت شبحاً يمر فوق الشاشة وهو يتسلل إلى أحد المنازل متسربلاً في ملابس سوداء مخيفة.. والموسيقى قد راحت تبث موسيقى مرعبة والصرخات قد تضاعفت حتى أوشك قلبي أن يسقط بين قدمي.. ثم انقض الشبح على طفل نائم فأغمد سكيناً في رقبته.

وهنا قفز طفلي من مكانه وصفق ابتهاجاً.. على حين كدت أصاب بنوبة قلبية وأنا أشاهد ذلك السفاح يمزق أوصال الطفل.. قبل أن ينطلق إلى مدرسة أطفال فيفعل بأطفالها نفس الشيء.

وطوال الليل ظللت أصرخ في رعب وهلع والكوابيس تحاصرني من كل اتجاه وأنا اتخيل ذلك السفاح يهجم عليّ بسكينه ويرغب في قتلي.. على حين كان طفلي راقداً بجواري ينعم بنوم هانئ وفوق شفتيه ابتسامة بريئة.

وطوال اليوم خيّل لي أن كل من يقترب مني يخفي سكيناً في صدره ويرغب في قتلي .. ولذلك لم يكن هناك مفر من استشارة طبيب نفسي الذي حلل العقدة قائلاً: انت عندك خوف من أيام الطفولة إن أمنا الولة حتخطفك وتاكلك.. علشان كده لازم تقتنع إن أمنا الغولة مش حتاكلك!!

والآن أرقد في فراشي وقت الفجر تحاصرني الكوابيس وأشعر أن شخصا يتربص بي في الظلام ويوشك أن ينقض عليّ ويقتلني ويمزق جثتي.. واسمعهم يقولون إنني أتوهم ذلك ولكني أشعر أنني أموت ببطء.. وأن الصباح لن يأتي عليّ قبل أن أموت بسكين السفاح أو بسكتة قلبية.. وقد بدأت أفكر في حزن.. ترى هل سيذكرني طفلي بعد وفاتي ويقول عن يإنني كنت أباً صالحاً.. أم أنه بعد أن تنتهي جنازتي سيسارع مع أمه لقبض معاشي.. ثم شراء جهاز الفيديو سنتر؟؟