الصــوم والمحبّة



"إنَّ كلّ ما فعلتموه لأحد إخوتي… فبي قد فعلتموه"


في هذا الأحد الثالث من التريودي الشريف تقيم الكنيسة تذكاراً ليوم الدينونة، "أي لمجيء ربّنا يسوع المسيح الثاني الرهيب". والتذكار في الكنيسة لا نعيِّده بمعنى الذكرى فقط! إنّما بقصد التذكير.

تذكّرنا إذن الخدم الإلهيّة اليوم، والنصّ الإنجيليّ الذي سمعناه، بيوم الدينونة. وتُوضِح لنا، كما يشدّد الصوت الإنجيلي، بأي مقياس سوف ندان. في رسم المجيء الثاني لربنا يسوع المسيح يتوسّط الرسم ميزان للأعمال، وهو مستند على مائدة قد وُضع عليها الإنجيل المقدّس. اليوم الكنيسة تفتح المصحف على هذا النصّ، إنّه دستور الدينونة. وما سمعناه كان واضحاً، أي أنّنا سنحاسب بمقياس الرحمة، أي "المحبّة".

المحبّة ليست مفهوماً مطلقاً يمكننا ألاَّ نراه في شكل، أو ألاَّ نلمسه في جسم. فنحن لن نفهمها أبداً في صفتها المطلقة تلك، إلاَّ إذا شعرنا بها وترجمناها في ممارساتنا. وهذا ما يؤكّده النصّ بلسان الربّ يسوع: "كلّ ما فعلتموه…". فلا فائدة إذن من كلمة "محبّة" بالمعنى المجرّد.

إنّ الكتاب سوف يفرزنا إلى جداء أو أغنام بحسب "أعمال المحبّة". المقياس إذن هو "فعل المحبّة" أو غياب هذا الفعل.

هناك خطأ شائع وهو أن نمسخ المحبّة إلى حدود المشاعر أو إلى أدنى من ذلك، إلى حدود الإدعاء والكلمات. فما أكثر وأرخص هذه المحبّة! فعل المحبّة متحرّر من هذه كلها. قد يكون لدينا مشاعر بُغْضٍ في بعض الأحيان تجاه إنسان، ونحن بشر، لكنّنا لا نتصرّف معه إلاّ بأفعال محبّة. فنحن إذ ذاك محبُّون. وبالعكس فقد نحمل في داخلنا أطيب المشاعر والعواطف تجاه إنسانٍ ما، لكنّ أفعال محبتنا له معدومة، فنكون بالواقع غير محبّين!

المحبّة تعني بكلمة صريحة، تفضيل الآخر على ذاتي، والأنانيّة تعني العكس تماماً، أي تفضيل ذاتي على الآخرين. "أُحبّ الآخر" لا يعني أبداً أنّني أملك مشاعر حبّ نحوه وحسب، بل بالتمام أنّني أريد، وأستطيع أن أفضِّله على حبّي لذاتي، وأن يكون خيره قبل خيري. هذا هو فعل المحبّة الذي سنُفرز على أساسه.

والجداء والخراف، في النصّ الإنجيليّ، سمعتْ من الربّ الكلمات عينها، وكانت ظروفها هي نفسها من مسائل المساكين والمساجين والعطاش، إلخ… والأغرب من ذلك أنَّ كِلا الطرفين نادى الله بالكلمة ذاتها "يا ربّ". لكن ما فرَّق بين الطرفين هو أنَّهم "فعلوا" أو "لم يفعلوا"، التزموا أو لم يبالوا بمسائل الأخوّة.

في الواقع، بما أنَّ المحبّة المقصودة في الإنجيل هي فعل المحبّة، لذلك فإنه من المستحيل أن نحبّ الله إلاَّ من خلال خدمة إخوته. كيف إذن نقدِّم لله فعل محبّة؟ الله في سموّه غير محتاج لأيّ شيء. لنحبّ الله، إذن لنقدّم له أفعال حبنا، وهذا غير ممكن بالنسبة له إلاَّ في خدمة من يحبهم، الذين مات ويموت من أجلهم، أي إخوته. لذلك يقول الرسول: "من يقول إنّه يحبّ الله وهو لا يحبّ (يخدم) إخوته فهو كاذب".

لكن ما الذي يمنعنا عن أعمال المحبّة؟ لماذا لا نطعم الجائع؟ أليس لأنّنا نحبّ التخمة وأن يكون هذا الفائض من الطعام مُلكاً لنا، ولنا فقط؟ لماذا لا نسقي العطشان؟ أليس لأنّنا نفضِّل أن يُهدر الماء في منازلنا على أن نعطيه؟ لماذا لا نأوي المشردين ونكسو العراة؟ أليس لأنّنا بمبالغة كبيرة لا نهتم إلاَّ بذواتنا ولباسنا، وقد استعبدنا عالمُ "الموضة"، وحب الظهور يتملكنا، وليس لنا بعد حيّزٌ صغيرٌ من الاهتمام بسوانا؟

لماذا لا نزور المحبوسين؟ أليس لأنَّ ذلك - ونحن ندعي أنّنا محبّون- لا يعنينا؟ وتكفينا همومنا واهتماماتنا، وعجلة السعي وراء المصالح الذاتية لا تترك لنا لا نيَّةً ولا وقتاً لزيادة اهتمام آخر على اهتماماتنا؟ لماذا؟ أسئلة كثيرة يطرحها الإنجيل، ويكرّرها واقع الحياة والجواب واحد، أَنحنُ للغير أم لأنفسنا؟ أنحنُ لفعل المحبّة أم للانطواء على ذواتنا وإشباعها؟

لو طالعنا للقدّيس مكسيموس المعترف "مئوية عن المحبّة" (مائة قول في المحبّة) نفاجَأ أنّنا نقرأ عن اللاهوى. نعم، المحبّة الكاملة هي حالة اللاهوى. بكلمة أُخرى إنَّ الأهواء هي التي تُنقص المحبّة. الأهواء أي حبّ الذات في الملذّات، في المجد، في المصلحة… هذه كلّها التي تمنعنا عن فعل المحبّة، بالتالي فهي التي تجعلنا جِداءً أم خرافاً.

لهذا يأتي الصوم كحركة عفّة، أي تخلٍّ عن الأنانيّة. لذا نرى كيف يترافق الصوم مع أعمال الرحمة، وللرحمة أشكال. حُدِّدَ الصوم لنا لكي نتعلم المحبّة بواسطته. الصوم أداة تنمّي فينا الحسّ بالآخرين، والاعتراف بحقوقهم ووجودهم. غاية الصوم أن يصير الآخر منظوراً في أعيننا، وغير مُتجاهَلٍ من قِبَلِها بل جميلاً فيها. الصوم عودة إلى الفردوس الحقيقيّ. الإنسان في أنانيته يحدّد فردوسه في مصلحة ذاته، بينما يجعل الصوم خدمةَ الآخر حياةً له وفردوسَه.

في الصوم نتخلّى عن اللذّات وهي خادعة، نتعفّف عن المصالح وهي أضرار بالنهاية، نتعلّم فعل المحبّة، ونتحرّر من سلطان النـزوات والميول. فيقودنا الصوم إلى أعمال الرحمة ويعلّمنا "فعل المحبّة".

"فلمّا تجلس لتدين الناس، يا ديّاناً مقسِطاً عادلاً،

للصوت القائل هلمّوا، اجعلني وأنا أيضاً مستحقاً".

آميــن

بولــــس متروبوليت حلب والاسكندرون وتوابعهما