الصيام والغفران



"إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماويّ أيضاً"



هذا هو الأحد الرابع من آحاد التهيئة للصيام والأخير فيها؛ وغداً ندخل الصوم المبارك. في أحد الفريسيّ والعشّار يفتح المسيح أبواب التوبة ويدخل الطريق المؤدية إلى الصوم ألا وهي التواضع. وفي أحد الابن الضال يثبت نظره إلى الأب غاية الصوم. وفي أحد مرفع اللحم- الدينونة يتأمّل في أهمّية القريب، لأنّه معه ستتمّ أعمال المحبّة؛ وهنا في أحد الغفران يقبّل القريب قبلة المحبّة ليدخل الصوم فرحاً؛ متصالحاً مع الله والقريب وبالتالي مع ذاته.

في طقوسنا وصلواتنا لهذا الأحد كما في الإنجيل هناك محوران تدور حولهما كلّ المواضيع. المحور الأوّل هو إقامة تذكار لطرد آدم من الفردوس، الذي جلس هناك يبكي. وتقارن الترانيم والقراءات بين تلك الحالة الفردوسيّة وبين حالة التبشيريّة بعد السقوط، المقارنة التي تستحقّ فعلاً النحيب والتوبة كما تكرر الترانيم.

والمحور الثاني هو الغفران، أي طلب الغفران من الله ووهب الغفران للقريب. وهذا ما يدور حوله النصّ الإنجيلي، الذي يتكلّم عن غفران الله لنا وغفراننا للآخــرين

مباشرة قبل كلامه عن الصوم. وهذا ما تعيد تذكاره الكنيسة اليوم بحيث ننهي أعمال الاستعداد للصوم بالغفران لندخل بعد ذلك مباشرة إليه.

وهذان المحوران، محور النحيب على الطرد من الفردوس، ومحور الغفران من الله والقريب يلتقيان عند موضوع واحد، إنّه الصوم.

ألم يكن غياب الصوم هو سبب المخالفة مع الله وعصيانه سبب طرد آدم من الفردوس؟ والصوم هو الأداة التي ستعيد المصالحة بين الآدميين والله، الصوم إذن سيمنحنا الغفران بدل المعصية.

أحد مرفع الجبن يذكّر بحدثَين، الأوّل هو طرد آدم من الفردوس، إنّها لحظة "المقاطعة" بين الله والإنسان، والصور عن هذا الحدث في الكتاب قاسية، فلقد وضع الله ملاكاً يحرس باب الجنّة وبيده سيف من نار. وقد تبدو هذه الصور صارمة في حقّ إعادة المصالحة مع الله، وذلك بعد إهمال الصوم. أمّا الحدث الثاني فهو شبه إعلان عن غفران الله الذي تمّ مع الرجاء أن تغفر للناس لكي يتحقّق نهائيّاً الغفران الإلهيّ، كما يذكر ذلك الإنجيل صراحة. وهذه هي لحظة "المصالحة" مع الله.

سنتصالح إذن مع الله بالصوم الذي علينا أن نبدأه بالغفران للقريب والمصالحة معه. قد يكون من السهل أن نساعد فقيراً ونحسن إلى إنسان غريب. ولكن الأصعب هو أن نسامح الإنسان القريب، بين المؤمنين والقريب، لكن المصالحة هي المحبّة التي تفوق محبّة الذات والكرامات، إنّها برهان أنّنا وضعنا القريب ليس فوق بعض ممتلكاتنا بل فوق كرامتنا، لأنّنا بمصالحته نرضي القلب الإلهيّ ونشعر بالسّلام.

لهذا وضعت الكنيسة في طقوسها، والطقس هو الأسلوب المنظور والعمليّ لممارسة الإيمان، أن يلتقي المسيحيّون جميعاً مساء أحد الغفران اليوم في صلاة الغروب، حيث يتبادلون في نهاية الصلاة القبلة الأخويّة ويصافح كلّ منهم الآخر علامةً للمصالحة والمحبّة التامة.

في مثل هذا اليوم مساءً، في الكنائس الأرثوذكسيّة، جرى العرف أن يجتمع الأسقف مع كلّ الكهنة وكلّ الناس ويقيمون صلاة الغروب معاً ويطلبون الواحد من الآخر الغفران ليدخلوا الصوم بفرح وقوّة.

النصّ الإنجيليّ بعد كلامه عن ضرورة الغفران للقريب لنُوهَبَ غفران الله ينتقل إلى الكلام عن الصوم، الذي يجب أن تظهر معه علامات الفرح وألاّ نظهر للناس "معبّسين".

نعم إنّ الصوم ليس فترة تعذيب للذات ولا هو فترة معاقبة لها أو إيفاء ديون لله. الصوم هو الفترة التي تسودها المحبّة الأخويّة والشعور بمحبّة الله وغمرته النورانيّة لنا. الصوم هو الفترة التي تملؤنا فيها النعمة السماويّة من سكبها في قلوبنا وحضرتها في حياتنا "فنسهو عن أكل خبزنا". الصوم هو الفترة التي لا نحيا فيها متصارعين من أجل "لقمة" خبز، بل هو الفترة التي يصبح فيها خبزنا الجوهري طعام الملائكة، أي التسبيح، وإطعام الأخوة أي المحبّة.

وهذا ما نرتله مساءً هذا الأحد قائلين: لبنتدئنّ زمن الصيام بحبور مطلقين ذواتنا أمام الجهادات الروحيّة. فلننقِّ النفس ونطهّر الجسد صائمين عن أهوائنا كصومنا عن الأطعمة. ولنتنعّم بفضائل الروح.

فها وقت حسنٌ قبوله وها أوان التوبة نبدؤه بكلمة اغفرْ لي يا أخي ولندخلْ معاً الصيام بقبلة السّلام. آميــن


بولــــس متروبوليت حلب والاسكندرون وتوابعهما