* في الخطايا الكبرى*

قد سبق الكلام في الخطيئة بوجه عام والان نتكلم عن كل انواعها لنزكن ثقلها وسوء عاقبتها فنهرب منها.كثيرة هي خطايانا ولكن يمكن حصرها في الخطايا السبع الاتية وهي الكبرياء الطمع الفسق الغضب الشراهة الحسد التهاون فمن هذه الخطايا المميتة الاصلية تتفرع بقية الخطايا وهي اسلحة يحاربنا بها ثلاثة اعداء مميتون وهؤلاء الاعداء هم الجسد والعالم والشيطان فالجسد يعثرنا ويمينا في الفسق والشراهة والكسل والعالم يجذبنا الى الطمع والتولع في الامور الدنيوية والشيطان يرشقنا بالكبرياء والغضب والحسد ومن الخطايا السبع تتولد ستّ اخرى مميتة وليست باصغر منها بل ربما تفوقها وفيها الان كلامنا. فالخطيئة السمجة الاولىهي التجديف ادخله الى العالم باغض الخيرات فان المجدّف هو عدوّ الله لا محالة. قال افغستينوس المطوّب " ان خطيءة المجدّفين الان على المسيح المالك في السموات لاعظم من خطيئة المجدّفين الذين صلبوه لما كان على الارض في الجسد" وهذه الخطيئة ثقيلة ومرذولة من الله وكثيرا ما عوقب مرتكبوها بنوع مهول حتى في هذه الحيوة كما سترى ومما يجب ملاحظته هو ان النساء قلما يسقطن في هذه الخطيئة في الظاهر الا انهنّ يرتكبن خطاء يماثلها لانهنّ كثيرا ما وقت المصائب يعطفن غضبهنّ على العناية الالهية وينسبن لها عدم عدل واذا مات مثلا لهما قريب محبوب او اذا افتقدهنّ الله بخسارة عظيمة او مرض فبدلا من الشكر لله على كل شيء يلعنّ اليوم الذي ولدن فيه ويشتهين الموت بحدّة ويتدمرون في الاحزان والشدائد وكثيرا ما لعماوة بصيرتهن يلعنّ ذواتهنّ فهذا كله بمثابة التجديف ولكي تحفظ ذاتك منه تواضع واحن رأسك لدى الشدائد واقبلها من يد العناية الالهية كترياق فعّال اعدذه لك طبيب ماهر لشفاء علّتك وتيقّن ان الله ارسلها لمنفعة نفسك وان نسبت ذلك الى ظلم من قبل الله كان ذلك بمثابة حجدك اياه ولا تقل ان عظم المصاب هو الذي يحملك على التجديف لان هذا الكلام غير مقبول ولايصدّق مع ان الطياشة واللجاجة لا تخففان بل تزيدان المصاب ثقلا فلكي لا تستعظم مصابك قابله باربعة اشياء اولا بالانعامات التي نلتها من لدنه تعالى ثانيا بالخطاياالتي اجترمتها ثالثا بالجزاء الذي تستحقه ورابعا بالنعيم الذي ينتظرك فان شكرت الله ووضعت هذه الاربعة اشياء في ميزان عقلك وقابلتها مع الاحزان التي تلم بك حينئذ كل هذه الاحزان تستبين لك قليلة وخفيفة. الخطيئة الثانية التي تقارب التجديف هي الحنث او القسم الكاذب باسم الله او والدة الاله او الصليب او القديسين وهذا الاثم هو ضد الله وهو بالطبع اثقل مما سواه من الخطايا ضدّ القريب الحنث او القسم الكاذب هو خطيئة مميتة لانه مطاولة على الجلالة الالهية والثالثة هي السرقة وهي ان تختلس او تغتصب شيئا غريبا فطالما لا ترد هذا الشيء لصاحبه تكون موجودا في حال الخطا المميت ومن ثمّ يجب ان ترد الشيء المسروق او المختلس في الحال لصاحبه ولا تظن انه يجوز لك التصرف به أملا بانك ترده بعد حين بل بالعكس يجب ان تشرع في ارجاعه لصاحبه وتضيف اليه تعويض خسارته واذا لم يمكنك ذلك لعلة فقر فلا تبرّئ نفسك بل صلّ لاجل من ظلمته محتسبا ذاتك مديونا له واياه محسنا اليك لان اهل الفاقة يجب عليهم ان يصلّوا من اجل المحسنين اليهم كي لا يكونوا غير شكورين. الخطيئة الرابعة هي مخالفة الوصايا الكنسية والقوانين الرسولية فانه يجب عليك ان تحفظها اي يجب عليك ان تذهب ايام الاحاد والاعياد الى الكنيسة لاستماع فروض الصلوة كصلوة المساء والباكرية والقداس الالهي وان تعترف وتتناول الاسرار الالهية ولو ثلاث مرات في السنة وتصوم الاصوام الاربعة والاربعاء والجمعة على مدار السنة ما خلا الاثني عشر يوما من عيد الميلاد الى عيد العماد واسابيع الفريسي والعشار ومرفع الجبن والفصح والعنصرة ولا تظن ان الاستخفاف بصوم الاربعاء والجمعة امر لا يعبأ به فان القانون التاسع والستين من قوانين الرسل يقول من لا يصوم الصوم الاربعيني المقدس والاربعاء والجمعة على مدار السنة بدون داعي مرض ان كان كاهنا فليقطع وان كان علمانيا فليفرز فيظهر اذا ان الاربعاء والجمعة بمقام الصوم الاربعيني ونيكيفورس بطريرك القسطنطينية في قانونه الثامن يقول ان الكاهن الذي لا يصوم الاربعاء والجمعة لا تقبل المناولة من يده واثناسيوس الكبير يقول من يحل الاربعاء والجمعة يشترك في صلب المسيح لان يوم الاربعاء صارت المشاورة في صلبه ويوم الجمعة صلب وكلامنا هذا نوجّهه على الاخص نحو الاصحاء الراشدين لان الاطفال والمرضى يسمح لهم عند الضرورة استعمال بعض اطعمة غير صياميّة اما بخصوص الخدمة الالهية فيجب ان تعلم انه لا يكفاك الوقوف في الكنيسة بالجسم بل ينبغي ان تشترك بالصلوة بعقلك ونفسك وتوجه قلبك وعقلك نحو الاسرار الطاهرة الالهية بكل ورع متعبّدا لله بخوف ورعدة. ويل لاولئك الجهال الذين يتحدثون ويلفظون في الهيكل اقوالا لا تليق ويشوشون الخدمة الشريفة. ثم ان البعض يغنّون ويرقصون في الاعياد دون ان يشعروا باثمهم فيا ايها المنافقون الاثمة تبعة المحال الذي تتممون مشيئته ايّ نعمة تنالون من ذلك القديس الذي تأتون لزيارته وتقدمون له مصباحا او نذرا اذا كنتم لا تسمعون خدمة عيده كما هو متوجب عليكم بل تلبثون خارج الكنيسة متعلقين بالملاهي واللعب واذا كنتم وقتما يترنم المسيحيون الورعون في الكنيسة مع الكهنة ويسبحون الرب تعيّدون خارج الكنيسة بالرقص والغنا والاعمال الوثنية افيمكن ان تسمّوا بعد ذلك مسيحيين فان اعمالكم هذه غير مسيحية ولقد كان الافضل لكم ان تجلسوا في بيوتكم من ان تذهبوا على هذه الصورة الى زيارة قديس لطلب شفاعاته. هذا ولا تظنوا ايها الاخوة ان عدم حضور القداس في الاعياد خطيئة صغيرة فاتركوا التهاون في هذا الباب وواظبوا على تتميم الفروض والصلوات لانه خير لنا ان نحرم انفسنا ارباحا كثيرة من ان لا نحضر الخدمة الشريفة لان الشغل في الاعياد ممنوع وويل لاولئك الذين يشتغلون ايام الاعياد والاحاد فانهم سوف يعاقبون. فان البيع والشراء في غير ما يتعلق بقوت الجسد غير مسموح به في الاعياد السيدية والاحاد اصلا واعلموا ان الوالدين والاسياد يجب عليهم ان يرسلوا اولادهم وخدامهم وعبيدهم الى الكنيسة بكل رغبةوالا فسوف يطالبون عنهم يوم الدين. الخطيئة الخامسة هي النميمة او الوقعية وهي واسطةلاهانة القريب وسلب شرفه ومن ثم لخسارته ومضرته ولا يخفى ان الشرف والاسم الحسن عند كثيرين اعزّ من المال ومن الحيوة نفسها ولا ريب ان هذه الخطيئة عظيمة ومميتة سيما اذا كان موضوع النميمة امر مهم او شخص فاضل معتبر وما اقج تصرف اولئك السفهاء الذين يوشون على القريب في امور لا يعرفونها وينسبون له فعل السرقة مثلا او الزنا او القتل او غير ذلك بدون ان يكونوا عارفين الحقيقة هل تدرون ايها الحمقى والجهال اي عذاب تجتلبون على نفوسكم الشقية بسبب الخطيئة اهذه هي محبتكم للقريب. اين قوله تعالى " لا تدينوا فما تدانوا" فبمقتضى هذه الوصية الخلاصية يجب عليكم حتى ولو عاينتم احدا يتمم الخطيئة ان تستروا عليه ما امكن ليستر الله عليكم واما انتم فتتهمون قريبكم وتنشأون به بدون ان تروا شيئا فانتم تلتزمون برد الشرف اليه اي بالاقرار انكم ثلبتموه وأتهمتموه زورا والا فلا تستحقون الصفح من قبل معلم اعترافكم لان الخطايا التي لا ترد كالقتل والزنا وما اشبه يصفح عنها على سبيل التنازل بعد التوبة الحقيقية والقيام بتتميم قوانين صارمة يفرضها معلم الاعتراف واما الخطايا التي يمكن اصلاحها ونزع نتائجها كالهرطقة والسرقة والوقيعة لا يصفح عنها حسب قوانين الاباء الابرار الا بعد اصلاحها اي رد السرقة وترجيع الشرف ورفض الهرطقة. الخطيئة السادسة والاخيرة هي الكذب وه اثم وخيم خاصة اذا كان متعلقا في امور مهمه ونتجت عنه مضرة للقريب حينئذ يكون مسبّب هذه المضرة ملزوما بالتعويض فهذه هي الخطايا العظيمة بعد تلك السبع التي ذكرناها انفا ومن جميعها ينبغي الهرب لانها تميت النفس وتسبب الهلاك.