* في التجديف*

كما ان التسابيح مرضية لله ومفيدة للنفس اكثر من سائر الاعمال البشرية ومتوجبة ليس فقط على الخلائق بل على غير الناطقة ايضا حسب قول داود النبي هكذا التجديف هو افظع عمل واشر اثم واقج سوء من سائر الاسواء وقد ينطق قوم بالتجديف بكل وقاحة كأنهم ابالسة واني لمتعجب كيف ان الارض وسائر العناصر تطيق المجدّف ولا تنهض ضده لتميته فيا لعدم شكرك ايها المجدف ان الخلائق باسرها السماوية والارضيّة تسجّ الخالق والمبدع. الملائكة والشمس والقمر والبحار والانهار والاشجار وسائر المبروات تسجّ جلاله واما انت الذي حصلت على انعامات جزيلة من قبل جوده وصلاحه الذي لا يحد وأبدعت على صورته ومثاله فبدلا من ان تشكره وتحمده تتجاسر يا عديم العقل ان تجدف عليه بلا خجل. الا يحسب سفيها وظالما ذلك الانسان الذي يلعن ويشتم صديقه المحسن اليه. البهائم والوحوش الكاسرة تقمع توحشها وتقوم بالوفاء نحو المحسنين اليها واما انت فتستبين اقل عقلا من الوحوش. اعتبر يا جاهل الاحسانات والمواهب التي انعم عليك بها السيد المسيح ربك فمن ذا احبك بهذا المقدار وخلصك من شدائد مختلفة وصنع لاجلك ما لم يعمله ولا يقدر ان يعمله اب او صديق فكيف لا تستحي يا عديم الشكر من اظهار عدم الانسانية نحو اكرم محسن اليك. من ذا يتجاسر ان يشتم مولاه الذي يعوله ويكسوه على الدوام وما بالي اقول على الدوام فلو آواك او كساك احد مرّة لذكرت احسانه واثنيت عليه كي لا تستبين عديم الوفا ومع هذا فانك لا تشكر المسيح رب الارباب الذي جميع ما تملكه انت من الخيرات هو منحة منه لخدمتك وتدبيرك وتجدف عليه يا عديم الفهم. الخبز الذي تأكله والماء الذي تشربه والاطعمة التي تقتات بها والارض التي تحملك وتغذيك والسماء التي تظللك والشمس التي تدفيك وتضيء لك والملائكة الذين يحرسونك وسائر المبروات المنظورة وغير المنظورة ألم يصنعها السيد المقتدر لمنفعتك فكيف تطاوعك نفسك وقلبك وتفتح فمك الرجس وتحرك لسانك السفيه بشتيمة السيد الرحيم. ان كان يهيجّك غضب قلبك تنعا لعادة ردية فاشتم على الاقل عدوك وخصمك الشيطان الذي يقصد دائما ضررك لا منقذك ومخلصك الذي صابر الموت لاجلك ولا القديسين الذين يتشفعون بخلاصك تامّل في هذا وانت رائق لتعرف ثقل هذا الاثم واذكر القصاصات الرهيبة التي وضعها الكتاب المقدس ضدّ المجدّفين ألا يذكر كتاب اللاويين ان الله آمر برجم من يجدّف على اسمه أولا ولا تقاصص الشرائع المدنية المجدفين باعظم القصاصات . لما حكموا على نافوثان بانه جدف على الله والملك ابدل الشاهدان لفظة "جدّف" بلفظة "بارك" وورد في سفر ايوب ان امرأة ايوب قالت له بارك (بمعنى جدّف)الله ومت وهكذا في مواضع اخرى لا يصرّح باسم هذا الكفر لان لفظة التجديف مكروهة ومستهجنة وانت ايها الانسان لا يخطر لك ببال ان من تجدف عليه ليس انسانا مائتا بل هو ديان المسكونة وخالق الكل ورب الارباب وملك الملوك الذي تسجد له الشاروبيم وتمجده السيرافيم الذي تخضع لاشارة العناصر وترتعد منه الاعماق والذي تنحني له كل ركبة السمويين والارضيين والذين تحت الثرى وبمثل هذه الجلالة تستهون ايها الانسان المدنس بالخطيئة لكن اعلم اولا انه لا فائدة من هذه الخطيئة لا للنفس ولا للجسد نعم ان جميع الخطايا مضرة للنفس ويجب ان نهرب منها كهربنا من سم الافعى الا ان بعض الخطايا مع كونها مميتة للنفس تخوّل الجسد الشقي لذة ما ولو طفيفة ومنها ينسحب البعض فيسقطون في اشراك المحال فيهلكون اما من هذا الاثم الفظيع فلا ينتفع الانسان بشيء اصلا فقل لي ايها الانسان اذا جدفت بداعي مصيبة اصابتك وخسارة تكبدتها ما الفائدة لك من ذلك العلّك تشعر بلذةوهل يخفّ عنك حبنئذ الوجع او يشتّت حزنك او تقلّ خسارتك او لا تفهم انك بالتجديف تكون وسّعت جراحك وازدت في مضرتك ولقد كان ممكنا لك الشفاء بالصبر لو لم تضف على جراحك جروحات كبيرة بالتجديف.اعتبر ان عبيد الملوك الذين يحسنون خدمتهم ويذكرون احسان اسيادهم ليس فقط لا يتكلمون كلاما ناقصا بحق ملكهم بل لا يطيقون ان يسمعوا ايضا مثل هذا الكلام. وانت ذاتك ربما تتصرف هكذا نحو الملك الارضي افلا يكون متوجبا عليك ان تحسن التصرف نحو الملك السماوي الحقيقي فكيف تتجاسر على التجديف عليه. ألا ترى ان الملل والطوائف الاجنبيّة نفسها تكره هذه الرذيلةجدا ولا تسمح بقذف نبي واليهود ايضا اذا سمعوا تجديفا يمزّقون ثيابهم ويسدون اذانهم وان امكنهم يرجمون المجدف فكيف انت لا تخشى من هذا الامر ولا ترتعد من التجديف الذي هو كفر بالله بحت. ان كنت تريد ان تنجو من هذا الاثم فعوّد ذاتك على التسبيح والتمجيد لله والقديسين اعني واظب على الصلوات كل يوم وان كنت تحسن القرآءة فاقرأ الصلوات والافاشين الخشوعيّة لان هذه الواسطة هي احسن الوسائط وقد مارسها الافاضل قبل الشريعة وبعدها وكرّر قراءة مزمور داود " ابارك الرب في كل وقت" وعلى هذه الصورة تعتاد على الحمد والتسبيح الذي يصير في السماء من قبل الملائكة وتكره التجديف الذي هو عمل الابالسة في الجحيم. فما اوردناه في هذا الباب كاف لردع المجدفين وان كان احد قاسي القلب فليعلم ان الله انتقم من كثيرين بسبب التجديف وادّبهم تأديبا صارما حتى في هذه الحيوة ايضا وصيرهم عبرة للمعتبرين. لقد اخبر اشعياء النبي (ص 37 ع 36 - 38 ) ان الرب ارسل ملاكه وضرب من جيش اشور مائة وخمسة وثمانين الفا بسبب تجديف سخاريب ملكهم فهذا قصاص عادل ضد ملك جبار ثم بعد قليل ضربه الرب بقصاص آخر لانه فيما ان سخاريب ساجد في بيت نسروخ ابيه ضربه ادر ملك وشواصر ابناه بالسيف ... وملك اسرحدون ابنه عوضا عنه. فسمح الله بهذا الان سخاريب تكلم بالتجديف وايضا لما تدمر الاسرائليون على موسى حسب تدمرهم كأنهعلى الله وادبهم كلهم وماتوا في البريّة دون ان ينظروا ويدخلوا ارض الميعاد فان كان مجرد التدمّر استجلب القصاص من الله فكم بالحري التجديف على جلالته تعالى. هذا وليس في تلك الازمنة فقط حينما كان الله يظهر ذاته اله الانتقام أصطنعت تلك البدائع بل بعد التجسد الالهي ايضا ارعد الرب بالغضب على المجدفين وانتقم منهم بايات كثيرة ففي كتاب مرآءة الادب للاسقف فيكنتيوس ترى مثالات كثيرة يستفاد منها ان كثيرين من المجدفين ضربهم الله بعقوبات هائلة وباشنع الميتات وذكر القديس غريغوريوس الديالوغس في حديثه انه كان في رومية رجل غني له ابن وحيد ولتفاقم حبذه له لم يكن يؤدبه كالواجب ولم يهتم بحسن تربيته وكان يغض النظر عن عيوبه وسوء تصرفه ومن ثمّ اتصل الصبي الى هذه الدرجة من الفساد حتى انه اعتاد على التجديف فيوما من الايام اشتمل الصبي خوف ووقع على حضن ابيه قائلا خبئني يا ابي من السود المرعبين الذين يريدون ان يأخذوني ومن خوفه جدف وللحين مات.
وفي ايامنا هذه نرى كثيرين من الجدفين يصابون باعظم المصائب ولكن قلّ من يعتبر ويرتدع عن غيه. فلكي تحفظ ذاتك من هذه الخطيئة السمجة احفظ لسانك من الشر وشفتاك لا تنطقا بالغش وان كنت لا سمح الله اعتدت على الالفاظ التجديفية فلكي تنجو منها تصرف هكذا: احكم على ذاتك وانو في عقلك ان لا تجدف اصلا ولو وجدت في اشقى حالة وأعظم بلوة. وان وقعت في هذه الخطيئة لعدم انتباه بسبب العادة القديمة فلا تدع ذلك النهار يعبر بلا توبة بل اجتهد حالا في شفاء جراح نفسك واذهب الى ابي اعترافك لتقبل منه النصيحة والقانون لان الخطيئة ان لم تستأصل بالتوبة تسحب مرتكبها الى اثم اخر وان لم يتيسر لك كاهن بالقرب منك فوبخ انت ذاتك بصرامة واكج لسانك بالصوم والتقشف وبنعمه تعالى يمكنك ان تثقّف نفسك وتصلح ذاتك. ثم اجتنب الاسباب والظروف التي يمكنها ان ترميك في هذه الجريرة فقبل كل شيء احذر من الحلف اي لا تحلف بالله او بالسيدة او بالقديسين بل فليكن كلامك نعم نعم ولا لا كما يوصيناالرب في الانجيل ويعقوب الرسول في رسالته لان من اكثر الحلف وقع في الحنث او كذب في قسمه ومن اقسم كذبا وقع في التجديف وكما ان كثرة الكلام تسبب الخطاء هكذا كثرة الاقسام تؤدي الى التجديف والكلام الباطل يوصل الى الكلام القبيح فلا تحلف اذا البتة وان غلطت وحلفت فتصرف كما قلنا انفا بشان التجديف والمعونة الالهية تستاصل منك العادة الردية. ومما يسبّب التجديف لعب القمار الذي يجب ان تهرب منه كهربك من الافعى لانه اولا يخسرك مالك ثانيا يتلم شرفك ثالثا يضيع عليك الوقت الثمين الذي اعطاك اياه الله لتصرفه في الاعمال الخيرية لكي تنال ملكوت السماء. اللعب بالدراهم كثيرا ما يكون سببا لاسواء كثيرة لانه يصيّر الانسان طميعا محبّا للمال والطمع هو اصل كل الشرور فيتضح جليا ان لعّيب القمار توجد فيه عاهة الطمع ويرغب ان يعرّي اخاه ويسلب ماله فاهرب اذا ايها الاخ من اللعب ولا تذهب الى المحلات التي فيها يلعبون لانك لا تربح شيئا بل تخسر خسارة عظيمة نفسا وجسدا فاذا تصرفت كما رسمنا تنجو من اثم عظيم.
هذا ويوجد نوع اخر للتجديف وهو ان البعض من رجال ونساء يدفعون اخوتهم الى الشيطان فيقولون فلان تاخذه الابالسة او لعنة الله على فلان وما شاكل ذلك فبأي سلطان تدفع اخاك الى الشيطان وكيف يحسن بك ان تسلم الى الشيطان اخاك في الايمان وقريبك الذي سفك الرب دمه الكريم من اجله لكي يعتقه من سلطة المحال وهل من مكنتك ان تسلمه اليه. كلاّ بل تصيّر ذاتك ميراثا له بجهلك. ان يهوذا الرسول كتب في رسالته عن ميخائيل رئيس الملائكة انه لما خاصمه ابليس لاجل جسد موسى لم يجسر ان يشتمه مع ان ابليس كان مقاوما الارادة الالهية بل قال له يزجرك الرب يا شيطان . فاذا متى حصل اختلاف بينك وبين غيرك دع الحكم للحكم العدل واصبر على مكيدة خصمك وقل الله يبصر بيني وبينه. اذكر كلامنا هذا واهتم بخلاص نفسك فتنجو من الاثم ويزداد فرحك.