بإسم الآب والإبن والروح القدس
الإله الواحد
آمين
الطريق الكربة
[align=justify]
لو أن كل شخص منا يوقف حركة العالم من حوله في ذهنه لحظة من الزمن، ويتأمل في نفسه: لماذا أنا موجود؟ هل أنا موجود لكي آكل؟ لكي أشرب؟ لكي أعمل؟ لكي أتزوج وأنجب أطفالاً؟ ولكن، ثم ماذا بعد كل ذلك؟ أليست طريقنا كلنا واحدة، كما قال النبي داؤد:ها أنا ماضٍ في طريق الأرض كلها، ألا وهي الموت الجسدي. هل هذه هي حياتي، أن أعيش لكي أموت؟ لو أن كل شخص منا يسأل نفسه هذه الأسئلة بتأمل وبصدق دون الهروب من الواقع، فإن حياة كثير من الأشخاص ستختلف.
في الأرثوذكسية، نقول أن الله خلقنا لكي تكون لنا فيه حياة، لا أننا خلقنا خالدين في الطبيعة، ولكن بنعمة من الله مصدر الحياة تكون لنا هذه الحياة، حين نكون معه في شركة محبة وطاعة. صحيح أن آدم جدنا الأول لم يطع الله، فسقطنا إلى حياة مشوبة بالفساد، التي فيها تخبطنا في الظلمة، ولكن النور جاء إلى العالم، كما قيل في الكتاب المقدس: الشعب الجالس في الظلمة قد أبصر نوراً عظيماً. وعلى الرغم من ذلك، أحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأنها واسعة ورحبة الطريق المؤدية إليها، وأما طريق النور فهي ضيقة وكربة وتقول لنا: أن لا نكنز لنا كنوزاً على الأرضِ حيث يفسد السوس والصدأ وينقب السارقون ويسرقون، بل أن نكنز كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ ولا ينقب سارقون ولا يسرقون. يقول أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الملقب بالمتنبي:
[/align]
[align=center]
أيــن الأكـاسرة الجبابـرة الألى * كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه * حتى ثوى فحواه لحدٌ ضيقُ
فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌ * والمستغر بما لديه الأحمقُ
[/align]
[align=justify]
أخي العزيز، مهما بلغت من غنى في هذا العالم، ومهما حاولت أن تتمسك بهذا العالم الزائل، سيأتي اليوم الذي "تمضي فيه إلى الديان الذي ليس عنده محاباه، حيث يقف العبد والسيد، والملك والجندي، والغني والفقير في رتبة متساوية، فيتمجد كل واحد منهم أو يختزي، حسب أعماله الشخصية" كما تقول ترتيلة وداع الراقد في الرب. أحد القديسين نظر فرأى أبيه المتوفى، وتفكر كيف أنه كان في الأمس يسعى وراء غناه، وكانت تدب فيه الحياة، ثم الآن "ملقاً عادم الصوت فاقد النسمة"، فقال جملة تحمل بين طياتها فهماً عميقاً للحياة يقول فيها:ها أنا خارج عن الدنيا طائعاً، قبل أن يخرجونني كارهاً، ومضى ولم يدفن أبيه، ومنها ذهب ليتنسك في البرية.
أيها الإخوة الأحباء، لا يكن فينا ظلام بعد، بل نوراً، بتتميم وصايا السيد المسيح وعمل مشيئته، فهو القائل: أنا هو نور العالم، من يتبعي فلا يمشي في الظلمة بل تكون له نور الحياة. ونحن في هذا الصيام المبارك نتبعه في مسيرة الصليب، بصلب أهوائنا وشهواتنا وعدم إتمام مشيئتنا الشخصية بل مشيئته في طاعة محبة، حتى نقوم أيضاً معه منتصرين على الخطيئة والموت، ونملك معه إلى الأبد.
[/align]
[align=center]
للمسيح يسوع كل مجد وإكرام وسجود مع أبيه الذي لا بدء له ومع روحه الكلي قدسه الصالح والمحيي
الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين
آمين
[/align]
المفضلات