عقيدة التأله: مقدمة
إن هدف العقائد الأرثوذكسية: أن تقودنا للحياة في الآب، بحضور المسيح الحي فينا، بقوة الروح القدس. وهذا يتحقق بالحياة الأسرارية المقدسة الكنسية. لكي نتخطى طبيعتنا الفاسدة البشرية، ونسموا ونبلغ إلى الحياة الحقة، ونتأله أي نشترك في الطبيعة الإلهية؛ وذلك بعد تطهير أنفسنا من الأهواء والشهوات المعابة.
وعقيدة التأله، الشركة الإلهية، المساهِمة في حياة غير المخلوق، الاتحاد بالطبيعة الإلهية. أحدى عقائد كنيستنا الأرثوذكسية، ومَن لا يؤمن بما تقره كنيستنا الأرثوذكسية من عقائد يفصل نفسه عن الكنيسة ويُقطع من الشركة معها.
وفيما يلي بداية نص جوهري عن النعمة المؤلِّهة غير المخلوقة كتبه القديس غريغوريوس بالاماس بنفسه ومهره العام 1340-1341 رؤساء الأديرة ورهبان جبل آثوس المقدس المجتمعون في بروتاتون كارييس:
” إن العقائد التي هي ميراث مشترك اليوم والتي يعرفها الجميع والمعلنة علانية لم تكن تحت الشريعة الموسوية سوى أسرار لا تدركها سلفاً إلا رؤى الأنبياء. من جهة أخرى تشكل خيرات الدهر الآتي التي يعلنها القديسون أسرار المجتمع الإنجيلي، لأن الروح (القدس) يجعل القديسين خلقين بالرؤيا فيحصلون على الخيرات ويرونها سلفاً كبواكير. كان أنبياء العهد القديم يُعلمون بالمجيء الأول للمسيح ويعلنونه، وأنبياء العهد الجديد يُعلمون بالمجيء الثاني للمسيح ويعلنونه.هذه هي الوظيفة النبوية يمتاز بها من عاش التجربة نفسها وتعلم منها… وقد حققوا الوصول إلى الله بإتحاد به نسكي يفوق العقل، فقد تعلموا ما يتجاوز العقل..”
لذا رأينا أن نوضح مفصلين لأبنائنا الأحباء بالرب يسوع المسيح، بمصر، عقيدة “التأله” التي تؤمن بها كنيستنا الأرثوذكسية، كما تكلم عنها وعلم بها آباءنا القديسون المتوشحون بالله. لئلا يُضَلوا بتعاليم غريبة خارجة عن إيمان كنيستهم الأرثوذكسية الحق وينساقوا ورائها ظاناً منهم أنها الإيمان الحقيقي. ومن ذلك، إطلاعهم على كتاب، يباع في المكتبات المسيحية، عنوانه “بدع حديثة”، “New Heresies”، لقداسة البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في اللاهوت المقارن. المقالة الخامسة فيه موضوعها “تأليه الإنسان”، وقد خصص هذه المقالة ليبين أن القول “بتأله الإنسان” هو بدعة. ان تعبير “التأله” أو “التأليه”، هو ترجمة للكلمة اليونانية “θεόςις” بحسب المترجم، والبطريرك شنودة الثالث يستخدم التعبيرين في مواضع مختلفة. وقسم المقالة إلى جزئين:
الجزء الأول “موضوع التأله“، ص 141،: موضوع التأله هو خطية للملاك. بنفس شهوة الإلوهية أغرى الشيطان الإنسان الأول. لا تكن لك آلهة أخرى أمامي (خر20: 3). تأليه الإنسان معناه أن يتصف الصفات الإلهية لذلك محال أن أحد الآباء نادى بهذا التأله. ينادون باتحاد طبيعة إلهية بطبيعة بشرية. هل نأكل ونشرب اللاهوت في الإفخارستيا… وغيرهم. ثم يكتب في ص 147، ” تعاليم خاطئة كثيرة “.
الجزء الثاني ” شركاء الطبيعة الإلهية “، ص 160،: هل الله أراد تأليهنا منذ خلقه لنا؟!. هل السيد المسيح أله ناسوته؟!. هل نشترك في الطبيعة الإلهية بالافخارستيا؟!. هل صار الله إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً؟!. هل القداسة هي شركة في الثالوث. هل حلول الروح القدس أقنومياً هو التأله؟!... وغيرهم.
وإني هنا لست بصدد بحث ومناقشة ما كتبه البطريرك شنودة الثالث في كتابه “بدع حديثة”. إنما الهدف، هو أن يعرف أبنائنا الأحباء بالرب إن التعاليم القائلة: أن عقيدة التأله بدعة، إنما هي البدعة عينها، وذلك بإطْلاعهم على إيمانهم القويم الحق. إيمان كنيستنا الأرثوذكسية التي أنجبت ومازالت تنجب، بالروح القدس الذي يعمل فيها، قديسين لاهوتيين يوضحون ويشرحون الإعلان الإلهي مع حفاظهم على تقليد الإيمان الأرثوذكسي. كما يعرضون بإسهاب ما ورد من شذرات وإشارات، تتعلق بالإيمان الأرثوذكسي، عند الآباء القديسون السابقون لم يتعرضوا لها بالتفصيل لعدم حاجتهم لذلك، لمواجهة هرطقات لم تكن في زمنهم. وهؤلاء، جميع الآباء، القديسون اللاهوتيون عندما تكلموا وأوضحوا الإيمان الأرثوذكسي لم يستخدموا لغة غريبة عن اللغة التي كُتب بها الكتاب المقدس. ولم يتحاججوا بترجمات في لغات أخرى له. كما أنهم ولم ينكروا إيمانهم خوفاً من أن يتهموا بالشِرك بالله ممن هم خارج الإيمان المسيحي!.
عقيدة التأله في الكنيسة الأرثوذكسية عند الآباء
إن المفهوم الأفلاطوني المحدث (الحديث) للألوهة الطبيعية للعقل البشري كان يقوده إلى الزهد الرهباني ليس كشهادة على حضور ملكوت الله فينا تحملها المادة نفسها، لكن كتجرد عن المادة للعقل (باليونانية νοῦς بمعنى العقل كقوة تفكير) الذي في الصلاة يتفرغ “لنشاطه الخاص به”.
أما بالنسبة إلى القديس مكاريوس الكبير فإن التنسك بكامله مرتكز على تجسد الكلمة. المسيح الذي أتى والذي سيأتي والآتي عبر الأسرار في الكنيسة. فالحياة الرهبانية بالنسبة له ليست تجديداً “للنشاط الخاص بالعقل”، لكن تحقيق أكثر إمتلاءً لنعمة المعمودية فينا. ليس هدف الصلاة الدائمة تحرير الفكر من العقالات الجسدية، إنها تسمح للإنسان بالوصول، ابتداء من الحياة الأرضية، إلى حقيقة إسخاتولوجية (أخروية)، ملكوت الله، تجمع روحه وجسده في الشركة الإلهية، ان الإنسان بكليته، روحاً وجسداً، خُلق على صورة الله وهو مدعو، بكليته، للمجد الإلهي. إن نسكية مكاريوس تُدخل الملكوت السماوي في العالم المنظور وتجعله سلفاً، أشعه الدهر الآتي تتألق فيه.
ينتمي المسيحيون إلى عصر آخر، انهم أبناء آدم السماوي، ذرية جديدة، أولاد للروح القدس، إخوة يسطعون بالمسيح مشابهون لأبيهم، آدم الروحي والمضيء. الذين ولدهم بنفسه أيدهم بنعمته، والذين فيهم أخذ الرب شكلاً، فهو يرفعهم في راحة خاصه، مع غذاء وطعام وشراب خاص، انه يعطيهم نفسه، لأنهم يعيشون مع أبيهم. ألم يقل السيد ” من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه ” (يو 6: 56)، ولا يموت أبداً، هدف الحياة المسيحية بالنسبة لمكاريوس، هو إظهار خميرة النعمة التي يمتلكها المسيحيون منذ الآن في ذواتهم والتي تهيء فيهم مجيء الملكوت.نلاحظ ببساطة عند مكاريوس أن روحانية البرية والصلاة المستمرة موجودتان لديه ضمن نطاق مفهوم عن الإنسان، بالتعابير التالية، فيه الكائن بكليته، تُجدده الأسرار، يصل إلى النعمة.
منذ القرن السادس صار دير القديسة كاترينا في جبل سيناء بمصر مركز انتشار الهدوئية الأهم. إن الاسم الأبرز من بين المعلمين السينائيين هو يوحنا الذي كان رئيساً للدير نحو 580 – 650 م، وحمل لقب “السُلمي” بسبب كتابه “سلم الفردوس” أو “السلم إلى السماء”، الذي وضع له ثلاثة وثلاثون درجة بها يصل الراهب إلى الفردوس. ولن يكون من المستغرب أن نجد لدى الكتاب الكنسيين اللاحقين كنيكوفورس المتوحد وغريغوريوس السينائي وغريغوريوس بالاماس إحالات عديدة إلى مؤلَف يوحنا السُلمي. ويُظهر قول السُلمي في الدرجة السابعة والعشرين أن ملاذ الراهب الأوحد هو أن يبحث عن الله داخل نفسه وسيجده فيها لأن نعمة المعمودية في الواقع موجودة في “القلب” (القلب في الكتاب المقدس هو مركز المعرفة، والذاكرة، والانتباه، ومركز الحياة الروحية، ومركز الاتحاد بالله). وعلى هذا فعلى الراهب أن لا يتخيل تخيلاً خارج عن نفسه: أن حضور يسوع داخل كيانه، الذي (الحضور) تعطيه الحياة الأسرارية (المعمودية، التثبيت، الافخارستيا) حقيقة تمتلئه ووجودية، لا تتعلق بالتخيل، هو ما يدّعي الراهب إلى أن يعيه. لهذا السبب ترتبط الحياة الروحية لرهبان الصحراء، ارتباطاً شديداً بلاهوت التأله الذي نجده عند الآباء اليونانيين، ولا سيما الاسكندريون منهم. فالمسيحي يصبح “مؤلهاً”، أي “يتأله” (باليونانية θεόςις)، بالنعمة، في حين المسيح هو “إله” (باليونانية θεός) بالطبيعة (2 بط1: 4).
كما أن القديسَيْن غريغوريوس النصيصي ومكسيموس المعترف، اللذين ينتميان إلى سلالة نساك المشرق الكبيرة، اللذين نجحا في شرح المعطيات الأساسية للروحانية المسيحية، تكلما عن التأله وعالجا في اللاهوت مسألة السر المسيحي في التجسد والخلاص بيسوع المسيح.
“لقد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني حتى يكونوا واحدا كما نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد…” (يو 17: 22 و 23). يفسر الآباء اليونانيين هذا المذهب “العهدي جديدي” (بالفرنسية Néotastamenentaire) عن الاتحاد بالله، الاتحاد القابل وحده أن يخلص البشرية من الموت والخطيئة والذي يشكل جوهر العمل الذي أنجزه المسيح، بمفهوم “التأله”. ككل الكتاب الروحيين، يرتبط غريغوريوس النصيصي بمسيرة ذلك الاتحاد نفسها. إن نعمة التأله المعطاة بالقوة في المعمودية تُقبل بحرية وتدريجياً على مر الحياة كلها، بالمداومة على سر الافخارستيا، تقودنا إلى الرؤيا والوحدة (الحياة في الإله الواحد المثلث الأقانيم).
وقد وصف غريغوريوس النصيصي دخول موسى الغمام والرؤية التي جرت له فيه مع الله، بأنه رسم لمن هو غير معروف الذي يتكشف للإنسان. فعندما تقدم موسى في المعرفة باللاهوت أعلن أنه رأى الله في الغمام، أي أنه يعرف أن الالوهة هي جوهرياً ما يستعلي على كل معرفه وما لا تقدر سبل الفكر أن تطاله. بهذا طرح غريغوريوس المسألة عقائدياً لمعرفة الله بكل سعتها: أن صورة “الظلام المضيء” تعبر عن مفارقة (بالفرنسية Paradoxe) وتناقض. إن غير المعروف يعلن عن نفسه وذلك ببقائه غير معروف، لا معرفته هذه ليست إلا أعمق بالنسبة لمن يراه لذلك قال يوحنا الإنجيلي الذي ولج في ذلك الظلام المضيء “الله لم يره أحد قط” (يو1: 18). وقد عّرف بذلك النفي أن معرفة الجوهر الإلهي يستحيل أن يبلغها ليس فقط الناس ولكن كل طبيعة فكرية. فعندما يتواجه الإنسان مع الله فجأة في صعوده الروحيفإنه سيشعر بشكل ساحق أكثر بتعاليه. ومع ذلك فالله هو حي ويتصل بالإنسان. ومن أجل شرح هذا الاتصال جعل غريغوريوس فرقاً جوهرياً بين الجوهر الإلهي و “أفعاله” أي الظهورات الحقيقية التي تجعل الوصول إلى الحياة الإلهية ممكناً، دون أن ننزع عن الله صفة لا إمكانية الوصول إليه. لهذا فحضور الله لا يمكنه أن يكون من الأشياء إلا فعلاً حراً منه، الذي يبقى عادم الوصول إليه في جوهره، ونعمة من الله متعالية في أساسها.
ومكسيموس المعترف كغريغوريوس النصيصي يركز أيضاً على أن رؤية الله في الغمام تشكل اشتراكاً وتأليهاً. إن التأله بالنسبة لمكسيموس إذا أمر يسمو على الطبيعة بشكل تام، فعل (باليونانية ένεργέω الترجمة الحرفية هي ” قوى فاعلة “) من الله الكلي القدرة صادر بحرية من تعاليه، مع بقائه غير معروف جوهرياً. إن القديسين يصيرون إلى ما لا يمكن للقدرة الطبيعية أن تحويه أبداً كمُلك خاص، لأن الطبيعة لا تملك أية موهبة قابلة لأن تدرك ما يفوق الطبيعة. في الواقع أي مظهر من التأله ليس نتاج الطبيعة لأن الطبيعة لا تقدر أن تفهم الله. فقط النعمة (باليونانية χάρις) الإلهية تمتلك ،ملكاً خاصاً، الاستعداد لأن تمد الإنسان بالتأله، بشكل قياسي (بالفرنسية Amalogique) (أي بحسب قامته، قياسه، الروحية)، بذلك تسطع الطبيعة بنور فائق الطبيعة وتجد نفسها محمولة فوق حدودها الخاصة بفيض من المجد.
إن المشاركة في الله هي، بالمسيح يسوع، مشاركة كاملة، لا يمكننا في الواقع أن نشارك في جزء من الله لأن الكائن الإلهي بسيط، إذا غير متجزئ، والفعل الإلهي هو الله، غير منقص ولكن ظاهر بحرية.
من أجل وصف الحالة التأليهية للإنسان، استعان مكسيموس بنصوص بوليسية (نصوص خاصة ببولس الرسول) وأيضاً بالصورة الغريبة لملكصادق:
كان بولس المدهش ينفي وجوده الخاص ولم يكن يعلم إذا كانت له حياة خاصة به “لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ…” (غلا2: 20). الإنسان، صورة الله، يصير الله بالتأله، إنه يملك تماماً أن يهجر كل ما لديه من طبيعة…، لأن نعمة الروح تنتصر فيه ولأن الله وحده يعمل فيه بوضوح. إذاً، الله وهؤلاء المستحقون له ليس لهم في الأشياء كلها إلا نفس النشاط (”الفعل”) الواحد، أو بالأحرى هذا الفعل المشترك هو فعل الله وحده لأنه بكليته يتصل بهؤلاء الذين بكليتهم مستحقين له. وملكصادق كان يحوي في نفسه كلمة الله الوحيد، حياً وفاعلاً… صار في الآن نفسه بدون بدء وبدون نهاية، لأنه لم يكن يحمل في نفسه أبداً الحياة الوقتية المتغيرة، التي لها بداية ونهاية والتي تهزها الأهواء العديدة بل حياة الكلمة الإلهية فقط التي أتت وأسكنت فيه الحياة الأبدية التي لا يحدها الموت.
مذهب مكسيموس في التأله نفسه هذا مرتبط بالخريستولوجية (المسيحانية أي البحث في شخص المسيح ورسالته) الأرثوذكسية التي كان الراهب المعترف (أي مكسيموس) يدافع عنها والتي انتصرت في النهاية في المجمع السادس المسكوني، في القسطنطينية، العام 681. إن طبيعتي المسيح لا تشكلان مفاهيم مجردة، ممتزجتان عملياً في ألوهة الكلمة (باليونانية λόγος)، كما كان أتباع المشيئة الواحدة (باليونانية μονοθέλησις) يريدون، وهم بذلك يوالون القائلين بالطبيعة الواحدة (باليونانية μονοφύσις):
بالنسبة لمكسيموس تُظهر كل طبيعة ظهوراً واقعياً، وتملك وجوداً خاصاً، “الإرادة” الخاصة بها رغم أن الاثنتين كليتهما متحدتان في شخص الكلمة (المسيح) وأن الإرادة البشرية تخضع للإلهية في كل شيء. إن مفهوم الإرادة لم يكن له عند مكسيموس المعنى الذي لها في الفلسفة الشخصانية (بالفرنسية Personnaliste) المعاصرة: أنها تعني في النهاية، كمرادف “للفعل” (باليونانية ένεργέω) تجلي الوجود الحقيقي. تعطي هذه المفردات بذلك لفكر مكسيموس صفة وجودية: إن تأكيد أتباع المشيئة الواحدة. على أن للمسيح طبيعة وليس إرادة بشرية يعتبر خالياً من المعنى الحقيقي، لأن هذه الطبيعة بالنسبة لهم لم تكن لتتجلى بشكل وجودي. إذاً، أنها ليست في الواقع سوى تجريد. بالنسبة لمكسيموس، على النقيض، أن “الفعل” أو الإرادة البشرية كانت توجد كلياً في المسيح والخلاص يرتكز بالتحديد على كونها خاضعة – بحرية – للفعل أو المشيئة الإلهية في كل شيء: إن المسيحيين كلهم باتحادهم أسرارياً (الأسرار المقدسة للكنيسة) ونسكياً بالمسيح، بارتباطهم بإرادته البشرية يرتبطون أيضاً بالعزم الإلهي. إذاً، عندما كان يقول مكسيموس، في النص أعلاه، أن “الذين هم لله مستحقون، ليس لهم في الأشياء كلها إلا نفس الفعل الواحد” مع الله لا ينفي، فيهم، وجود الطبيعة البشرية لكنه يؤكد أنهم في تألههم يُخضعون فعلهم الخاص لفعل الله ويتلقونه في أنفسهم.
القديس سمعان اللاهوتي الحديث (+ 1022) هو الوحيد الذي من بين نساك العصر الوسيط الأرثوذكس كلهم الذي تحدث بفيض عن تجربته الشخصية والصحيحة، أنه يكتب رؤياه الخاصة:
“أخيراً تنازلت كاشفاً لي السر الرهيب… رأيت، كما كان يبدوا لي، أنواراً ساطعة تحيط بي… رأيت إشعاعات وجهك…فخرجت من نفسي واختُطفت في نشوة… ثم أُعطي لي بأمر من رحمتك أن أتأمل سراً آخراً أكثر رهبة أيضاً. رأيتك تصعد إلى السماوات آخذاً إياي معك. لكن لست أعلم أبالجسد أُخذت أم بدونه – أنت وحدك الذي يعلم، أنت وحدك الذي خلقتني…”
وكما أن يوحنا السلمي ومكسيموس المعترف، كانا يعيان انتماءهما لمدرسة روحية، مدرسة الكنيسة، وحتى عندما يجرؤان على قول ما لم يقله غيرهما لا يريان في هذه العناصر الأصلية إلا تعبيراً جديداً خاصاً بهذا التقليد نفسه. وسمعان في الحقيقة لا يشكل شواذ عن هذه القاعدة. فهو يعبر عن جوهر التجربة المسيحية بصورة معاشة: الشركة مع الذي لا يمكن إدراكه ومعرفة من لا يُعرف الصائرتين ممكنتين بتجسد الكلمة الذي ينتشل الخليقة من الخطيئة، ويمنحها الحياة الإلهية. هذا بالتحديد، تماماً، ما سيشير إليه فيما بعد، القديس غريغوريوس بالاماس مميزاً في الله الجوهر و”الأفعال”.
والقديس غريغوريوس السينائي (+ 1346) شدد على ميزة أساسية للتقليد النسكي الأرثوذكسي:
أن يصون الإنسان نفسه من الرؤى الخيالية التي لا تصدر عن الطبيعة الواحدة (طبيعة الإنسان) بالضرورة فقط لكن ينتجها الشيطان في أغلب الأحيان أيضاً: إن التخيل بأشكاله كلها الإرادية منها واللإرادية هو العدو الأخطر للإتحاد مع الله.
والقديس غريغوريوس بالاماس (+ 1359) يجعل الله نفسه منظوراً حقيقة لأن الملكوت الآتي في الكنيسة إستباقي حقيقة. تماماً كما أن المسيح يُظهر نفسه سلفاً لصالحي الشريعة القديمة. إن القداسة المسيحية إذاً هي أساساً ذات طبيعة نبوية: العربون الذي يحصل كل المسيحيين عليه خلال معموديتهم ويُظهرون سر الخلاص ليس فقط بأقوالهم ولكن في حياتهم… أعلن مكسيموس الإلهي، في حديثه عن ملكصادق، أن هذه النعمة المؤلِّهة غير مخلوقة أبدية ومنبعثة من الله الأبدي.
ميزة رؤية القديسين لله الحقيقية بكل ما للكلمة من معنى يعبر عنها بالاماس بتأكيد لا ينقطع تكون النعمة، المظهرة لله بحسبه، غير مخلوقة كالنور الذي أنار التلاميذ في جبل ثابور. في المصطلح البلاماسي، كما في مصطلح الآباء اليونانيين، ما يميز الله عن الكائنات هي أساسياً ميزة غير المخلوق. إن الوضع الخاص بالكائنات هو الطبيعة المخلوقة، وعندما يعلي هؤلاء من مجالهم الخاص بالاشتراك في الله، فإنهم يساهمون في حياة غير المخلوق. لم يلجأ اللاهوت الشرقي أبداً، في الحقيقة، إلى فكرة “شيء مخلوق يفوق الطبيعة”: ما يبحث عنه المسيحي، ما يمنحه إياه الله في النعمة الأسرارية، هو الحياة الإلهية غير المخلوقة، التأله. بالنسبة لبالاماس، ليست معرفة الله إذا معرفة تفترض بالضرورة نوعاً من الخارجية فيما بين الشخص العارف والشيء المعروف فقط، بل هي وحدة في النور غير المخلوق. إن الإنسان لا يملك في الحقيقة أية قدرة تخوله أن يرى الله وإذا كانت هناك من رؤيا فذلك أن الله نفسه، في كل قوته، يتحد بالإنسان ويجعله مشاركاً في المعرفة التي يمتلكها منه هو.
رغم تأكيد بالاماس على حقيقة التأله الكاملة لا يختلف عن الفكرة الكتابية التي بموجبها يحصل المرء في المسيح على القدرة في “أن يكون روحاً” (يو3: 6) باشتراكه في الله نفسه، وفي نعمته غير المخلوقة يصير المرء نفسه إلهاً، كما يقول بولس الرسول: لاحيا أبداً لكن المسيح يحيا فيه. لجأ المعلم الهدوئي إلى التمييز فيما بين الجوهر الإلهي وأفعاله، تمييز كانت عناصره موجودة مسبقاً لدى القديسَين غريغوريوس النصيصي ومكسيموس المعترف.
إن ” رؤية الله وجهاً لوجه “لم تكن تعني في الحقيقة لبالاماس” رؤية الجوهر الإلهي “لأن الله” الذي “يفوق الجوهر”لم تكن ممكن مما مثلته، بأي حال من الأحوال، مع أي تصور مخلوق، وبشكل خاص مع التصور الفلسفي للجوهر.
إن الله عندما تحدث مع موسى لم يقل “أنا الجوهر” بل: “أنا الذي يكون” (خر 3: 14). إذاً، ليس يكون هو الذي يصدر عن الجوهر بل الجوهر يصدر عن الذي يكون لأن الذي يكون هو الذي يحتضن في نفسه الكائن بكليته.
إله المسيحيين، إله الكتاب المقدس، إله حي، ولكنه بشكل أساسي أيضاً أسمى من كل خليقة، كل كشف، كل مشاركة، كل تأله هو إذا فعل حر يقوم به إله حي: هو فعل إلهي. لكن الله نفسه لا يتماثل كلياً مع هذا الفعل. انه يبقى أعلى منه في الوقت الذي يظهر بكليته: في الحقيقة أن الله هو من يمتلك الخليقة ويمدها بحياته هو والحال أن إدراك الجوهر الإلهي يعني امتلاك الله.
اكتشف بالاماس من جديد المعنى اللازم لكلمات العهد الجديد كالروح “باليونانية πνευμα” والنفس “باليونانية ψυχή”، والجسد “باليونانية σωμα” والجسم “باليونانية σαρκικός” التي لا تقابل الروحي بالمادة لكن ما يفوق الطبيعة بالعالم المخلوق. إن النفس البشرية تختلف جزرياً عن الله بقدر اختلاف الجسد، والله، عندما يمنح نعمته، يخلص الإنسان بكليته جسداً وروحاً.
إن ما يبحث عنه المسيحي هو الحياة الجديدة في المسيح. حياة شخصية بكليته، هو يعلم أن نعمة المعمودية والافخارستيا منحته هذه الحياة: انه يبحث عنها كذلك داخل نفسه. بهذا يؤكد بالاماس عن المعمودية والافخارستيا، مؤكداً أن “كل خلاصنا يكمن في هذين السرين لأن تدبير الإله – الإنسان يتلخص فيها”.
لقد شكل اللاهوت البلاماسي تكاملاً عقائدياً، من جهة ثبت أساس “التأله” المرتكز على المسيح والأسراري (الأسرار المقدسة للكنيسة) حصراً ومن جهة أخرى، يحفظ ميزة الإمتناعية الكاملة للجوهر الإلهي.
كما أن بلاماس رأى في الأسرار المقدسة، المعمودية والافخارستيا بشكل خاص، الأساس للاهوت التأله. في هذه النقطة تحديداً، نقولا كباسيلاس (+ 1371) تلميذه كذلك. فبدلاً من أن يحدد كتابه “الحياة في يسوع المسيح” على مستوى “الاقتداء” النفسي فإنه يتعامل مع موضوعه كتفسير مفصل لأسرار العضوية في الكنيسة الثلاثة: المعمودية التثبيت الافخارستيا. بعد أن تحدث عن سر المسحة أي التثبيت، في الطقس الأرثوذكسي، الاندماج العمادي، يصف كباسيلاس الافخارستيا.بالعبادة الحقة “في الروح والحق”.
فالتأله، بحسب كباسيلاس، يندمج إذا في منظور كنسي: الكنيسة والأسرار هي التي تشكل السبل إلى الله لأن الكنيسة، بطريقة واقعية تماماً، جسد المسيح.
ختاماً، نذكر عظة ميلادية لواحد من أكبر اللاهوتيين الأرثوذكس في القرن التاسع عشر هو المتروبوليت فيلاريت الموسكوفي الذي يشهد بعبارات على دوام هذا اللاهوت في الكنيسة الشرق الأرثوذكسية:
“منذ أن صارت الالوهة إلى البشرية. وُهب لنا كل ما هو للحياة. والتقوى من عطايا قدرته الإلهية (2بط 1: 3) لهذا ستمتلئ عاهاتنا من القوة الإلهية. وكذبنا ستمحوه الحقيقة الإلهية. وظلماتنا سينيرها النور الإلهي… هذا هو السر المجيد والمجد السري لهذا اليوم. إن خدام النور السماويين قد رأوا قبلنا فجر ذلك المجد ولساعتهم أنبأونا به وصرخوا: المجد لله في أعلى السماوات. الآن ليس فجراً أبداً بل هو اليوم الكبير لهذا المجد: ليرتفع مجدنا أيضاً، ليرتفع بدوره نحو قاطني السماوات”.
المرجع: يوحنا مايندورف، القديس غريغوريوس بالاماس والتصوف الأرثوذكسي، St. Grégoire Palamas et la Mystique Orthodoxe ، ترجمة الشماس د. يوحنا اللاطي، منشورات مطرانية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، لبنان، طبعة أولى، 2001.
والسؤال الذي أطرحه ويطرح نفسه بقوة (في هذا الموضوع): كيف يكون الآب، أباً لنا (البشر) ونناديه “أبانا الذي في السموات”. إن لم نكن أبناء له، أي أبناء للآب بالتبني بابنه المسيح يسوع الذي هو والآب والروح القدس واحد في الطبيعة وفي الجوهر؟. كيف نكون متبنون للآب. إن لم نكن متألِّهون، أو مؤلَّهون، بالنعمة بالروح القدس الذي هو والآب والابن واحد في الطبيعة وفي الجوهر؟. كيف نكون متبنون للآب بيسوع المسيح، ومؤلَّهون بالنعمة بالروح القدس. إن لم نكن مقدَّسون، أو متقدِّسون،(ὰγιασμός) بالقوى الإلهية غير المخلوقة بالآب قدوس (ὰγιος) القديسين الذي هو والابن والروح القدس واحد في الطبيعة وفي الجوهر؟
[align=left]
المتروبوليت / نقولا أنطونيو
مطران طنطا وتوابعها للروم الأرثوذكس
والوكيل البطريركي لشؤون الطائفة العربية بمصر
نوفمبر 2008
[/align]
المصدر :عقيدة التأله في الكنيسة الأرثوذكسية عند الآباء

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


المفضلات