الموضوع الثالث (نيابة البابا للمسيح على الأرض و أنه رأس الكنيسة المنظور)
يزعم اللاتين أن البابا هو نائب المسيح على الأرض و رأس الكنيسة المنظور لأنه خليفة القديس بطرس الرسول و هذا زعم تدحضه البراهين الآتية:
أولا: لم يقم المسيح نائبا عنه أو رأسا للكنيسة لأنه وحده "رأسها" الباقي "معها الى منتهى الدهر" (متى19:22), الذي وعدها لا بأن يعين لها رأسا منظورا و نائبا عنه, بل بأن "يرسل لها معزيا آخر(غيره) ليمكث معها إلى الأبد" (يو16:14) و هذا المعزي هو الروح القدس المرسل لها يوم العنصرة.
ثانيا: "لما كانت المشاجرة بين التلاميذ" و هم على العشاء "في من منهم يظن بأن يكون أكبر" (لو24:22), لم يعين المسيح له المجد أحدا منهم رئيسا على الآخرين, كما انه لم يفعل ذلك بعد القيامة.
ثالثا: "إن رسالة الرسل عامة, لأن المسيح قال لهم "كما أرسلني الآب كذلك أنا أرسلكم" يوحنا21:20 "اذهبوا و تلمذوا جميع الأمم" متى 19:28 "اذهبوا إلى العالم أجمع و اكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها" مرقس15:16 و هذا يعني أن كل واحد من الرسل هو رسول إلى "جميع الأمم" و الى "العالم أجمع" و إلى "الخليقة كلها" دون امتياز لبطرس عن غيره.
رابعا: لو كان بطرس رئيس الكنيسة لكان صار أول أسقف على أورشليم حيث أقام زمانا طويلا بعد العنصرة.
خامسا: المسيح هو الرأس و كان في أورشليم حيث مات و قبر و قام و أرسل الروح القدس على التلاميذ و خلافته ثابتة فيها أيضا. فيعقوب أخو الرب هو خليفته و أول أسقف على أورشليم (راجع قاموس الكتاب المقدس الأفرنسي ترجمة الأب كرامبون اللاتيني ص341 و 342), و لذلك تدعوه الليتروجيا الأورثوذكسية "أخا و خليفة للمسيح رئيس الرعاة", "و راعيا أولا لأورشليم" و "متقدما في رؤساء كهنة العهد الجديد".
سادسا: إن بطرس خضع ليعقوب خليفة المسيح و أول أسقف على أورشليم, اذا كان (بطرس) أحد أعضاء "جسد المسيح" و كانت الكنيسة قبل انتشارها محصورة ضمن حدود أورشليم.
سابعا: دعا بولس الرسول يعقوب و بطرس و يوحنا أعمدة بالتساوي"فإذا علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا و يوحنا المعتبرون أنهم أعمدة, أعطوني و برنابا يمين الشركة" غلا9:2
ثامنا: ترأس يعقوب أخو الرب مجمع الرسل في أورشليم مع وجود بطرس و بولس فيه, و لفظ الحكم قائلا "لذلك أنا أحكم ان لا يثقل على الراجعين الى الله" أعمال 19:15 و المشهور أن رئيس المحكمة يلفظ الحكم.
تاسعا: إن أسقف رومية لم يكن وحده خليفة بطرس لأن هذا أقام أفوديوس اسقفا على أنطاكية و مرقس على الإسكندرية و أقام برأي بولس لينوس على رومية (كما ذكر القديس ايريناوس أسقف ليون), فإذا بطرس رئيس الكنيسة, فإما أن تكون قد انتقلت رئاسته و هو حي الى غيره و لم يعد رئيسا على رومية, و إما أن يكون محتفظا بها و هي خاصة به, فلا تنتقل الى غيره. و في الحالتين لا يستفيد أسقف رومية شيئا. و أما موت بطرس في رومية فلا يعطيها أي امتياز لأنه أقام و هو حي لينوس عليها, و لعمري أن أورشليم حيث تألم الرب و مات ثم قام أحق بالخلافة من رومية حيث أستشهد بطرس الرسول.
عاشرا: إن قوانين المجامع المسكونية تنفي دعوى رومية و تشهد بتقدمها الإكرامي: فقط حسب المبدأ (أول بين أخوة متساوين) لأنها كانت عاصمة الملك.
فالقانون السادس من قوانين المجمع الأول (سنة325) يقول: (فلتحفظ العوائد القديمة) ثم يذكر تقدم كل من أساقفة رومية و الإسكندرية على مقاطعاتها. و ينص القانون الثالث من المجمع الثاني (سنة381) هكذا "فليكن لأسقف القسطنطينية الكرامة الأولى بعد أسقف رومية لكونها رومية الجديدة".
أما القانون 28 من قوانين المجمع الرابع فيزيد الأمر ايضاحا و إليك نصه: "نأمر أن تكرم كنيسة القسطنطينية رومية الجديدة الجزيل قدسها بالمساواة مع كرسي كنيسة رومية العظمى. لأن الآباء القديسين أعطوا التقدم القديم للأخيرة لأنها المدينة المتملكة. و هذا ما حرره الآباء الـ150 فمنحوا هذه الكرامة لكرسي رومية الجديدة (القسطنطينية) الجزيل قدسه. لأنه هذا هو الصواب بأن تكون المدينة التي تكرمت بالملك و نبلاء الدولة محرزة الكرامة و التقدم في الأمور الكنسية مثل رومية المتملكة قديما لكونها ثانية بعد تلك" و هكذا يتضح أن تقدم رومية و القسطنطينية المتساويتان في الكرامة هو بحق كنسي إلهي, و أنه لا علاقة بتقدم رومية بخلافة بطرس, و أن آباء هذا المجمع المسكوني لم يعتقدوا برئاسة البابا على الكنيسة. و على الرغم من ذلك فإن اللاتين ما زالوا يزعمون أن الأورثوذكسية خضعت في الماضي لرومية, فمتى كان هذا ؟
و القانون 36 من قوانين المجمع السادس ينص هكذا: "...نأمر بأن كرسي القسطنطينية يتمتع بنفس الحقوق التي لكرسي رومية القديمة و هكذا يعظم في الأمور الكنسية اذا تلك هي ثانية بعد هذه و بعدها فليعد كرسي الإسكندرية ثم كرسي انطاكية ثم كرسي أورشليم".
فهل من حاجة بعد الى شهود ما دامت الكنيسة كلها ممثلة في مجامع مسكونية تشهد بأن كنيسة رومية هي كنيسة مكانية لها التقدم الإكرامي فقط لأسباب مدنية, و أن كنيسة القسطنطينية مساوية لها في الكرامة.
حادي عشر: إن دستور الإيمان النيقاوي ينقض دعوى رومية بالرئاسة لأن الكنيسة هي أحد بنود الإيمان فيه, اذا يقول "أؤمن...بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية".
الكنيسة واحدة: فلو كانت واحدة لأن رأسها المنظور البابا واحد لجاز لنا أن نقول "أؤمن بالبابا" كما نقول أؤمن بكنيسة واحدة ...!!
الكنيسة جامعة: أي مجمعية شوروية دستورية كما هو معنى لفظة "كاثوليكي" اليونانية. و الكنيسة البابوية دكتاتورية فردية لا يليق بها نعت "كاثوليكي" الخاص بالأورثوذكسية المنظمة تنظيما مجمعيا.
الكنيسة رسولية: أي "مبنية على أساس الرسل" (أفسس 20:2) و أما اللاتين فيريدونها على أساس بطرس وحده.
رئاسة البابا
(1) إن الآباء القدماء لم يذكروا في مؤلفاتهم التي تركوها أي نص يدل على أنهم اعتبروا أو فهموا أن بطرس هو رئيس الرسل و نائب المسيح. إنما فهموا أن المسيح كان يعلم:
أ- من أراد أن يكون أولا فليكن آخر الكل و خادما للكل (مرقس 33:9)
ب- الأصغر فيكم يكون عظيما (لوقا 46:9)
ج- من أراد أن يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما, و من أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا (متى 25:20)
د- أنتم جميعا أخوة (متى 8:23)
(2) الرسل أنفسهم لم يعرفوا بطرس رئيسا لهم:
ا- فهم أرسلوه الى السامرة (اعمال 14:8) فهو هنا مأمور لا صاحب أمر.
ب- و بولس وبخه علانية فلو كان يعرف أنه رئيسه أو رأس الكنيسة لما تجاسر على ذلك (غلاطية 12:2)
ج- في مجمع أورشليم لم يرئس بطرس الإجتماع ولا التأم المجمع بأمره ولا هو افتتحه بل بعد جدال طويل من بطرس و برنابا و بولس سكت الجميع و نهض يعقوب و قال أنا أحكم (أعمال 7:15)
(3) بطرس نفسه دعا نفسه رسول المسيح و عبدا لا رئيس الرسل (1بط1:1) (2بط1:1)
(4) المسيح بنى كنيسته على إيمان حي به بأنه إبن الله الذي جاء ليخلص العالم فمن يؤمن به يخلص و من لم يؤمن يدن و يتضح ذلك جليا لدى قوله لبطرس الذي قال معترفا "أنت المسيح إبن الله الحي" (متى18:16) و قال له الرب أنت الصخرة أي هو حجر بناء يبنى على هذا الإيمان الذي اعترف به بطرس. و قد أكد بطرس نفسه هذا الأمر (1بط3:2)
و هذه أقوال الأباء القديسين في معنى الآية المذكورة:
القديس كيرلس (الصخرة ليست سوى مجرد إيمان التلميذ الوطيد القويم)
الذهبي الفم (على هذه الصخرة أي على هذا الإيمان و هذا الإعتراف أبني كنيستي)
أغسطينوس (المسيح هو الصخرة التي كان بطرس نفسه مبنيا عليها. قال المسيح لبطرس لا أبني نفسي عليك بل أبنيك علي)
أوريجانوس (كل من كان تلميذا للمسيح هو الصخرة و على الصخرة هذه يبنى كل التعاليم الكنسية)
غريغوريوس النيزنزي (أراد المسيح بذلك الإقرار بالمسيح لأن رسولا "بطرس" كان قد قال أنت المسيح ابن الله الحي)
(5) المسيح نفسه هو رأس الكنيسة و يبقى رأسها:
أ- رأس كل رجل هو المسيح (1كو3:11)
ب- و إياه جعل رأسا للكنيسة (أفسس22:1)
ج- هو الرأس (أفسس15:4)
د- هو رأس جسد الكنيسة (1كو18:1)
ه- أنا معكم كل الأيام (متى20:28)
و- لا أترككم يتامى (يوحنا 18:14)
(6) بطرس نفسه كان يقرأ للأساقفة أن يرعوا كنائسهم و قد ساوى نفسه بهم و لم يقل أنه رئيسهم.
أ- احترزوا لأنفسكم لترعوا كنيسة الله (اعمال 28:20) فكلمة لترعوا جمع ولا تفيد اعطاءهم رئاسة.
ب- أنا...رفيقهم (1بط 1:5-4) فهو يظهر مساواتهم ولا يقول رئيسهم و يطلب منهم أن يرعوا رعية الله كما هو أيضا بالتساوي.
يتبع الموضوع الرابع (المعمودية)
المفضلات