دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء
ثلاث مقالات نشرت بمجلة مرقس بمناسبة عيد الغطاس
في أعداد فبرایر ومارس وابریل ١٩٧٦ م.
دكتور
جورج حبيب بباوي
٢٠٠٦
لقراءة الكتاب كاملاً قبل نقله إلى المنتدى راجع الرابط التالي:
http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?t=2646
المقالة الأولى
أو ً لا: لماذا نواجه صعوبات في موضوع الثالوث؟
ثانيًا: المناسبات التي ُأعلن فيها عن الثالوث
ثالثًا: الصعوبات التي تقف ضد فهم الإنسان للثالوث
١- مشكلة الخيال:
٢- مشكلة الخبرة اليومية
رابعًا: الثالوث ومجالات الخبرة الإنسانية:
١- خبرة التعدد:
٢- خبرة الوحدة:
هل هناك شوق حقيقي للوحدة؟
خامسًا: مجالات اختبار التعدد والوحدة في الحياة الروحية
١- اختبار المعمودية:
٢- اختبار الإفخارستيا
٣- اختبار الزيجة:
الكنيسة هي صورة الثالوث على الأرض:
المقالة الثانية: المشاكل الفكرية:
أو ً لا: مشكلة اللغة:
كلمة "واحد"
الجانب السلبي لكلمة واحد:
ما قبل السقوط:
ما بعد السقوط:
الموت ووحدانية الله:
المقالة الثالثة: مشكلة الموت واختبار الله
السقوط والموت في سفر التكوين:
المحدود وغير المحدود:
الموت ومشكلة اللغة
محاولات الإنسان لاختبار الله
المقالة الأولى
عيد الغطاس المجيد، هو العيد الوحيد الذي يخص الآب والابن والروح القدس. هو عيد الثالوث وهذا هو معنى الاسم القديم "الثيئوفانيا". ويا ليت هذه المناسبة الوحيدة التي ظهر فيها الثالوث بشكل واضح لم يسبق لها مثيل أن تصبح عيد الثالوث عندنا وفرصة لتجديد ما استقر في عقولنا عن الآب والابن الروح القدس.
أولاً: لماذا نواجه صعوبات في موضوع الثالوث؟
مما لا شك فيه أن كل تقديم عقلي في كتب اللاهوت لموضوع الثالوث عزل الثالوث عن باقي موضوعات العقيدة ففي معظم كتب اللاهوت حتى الغربية يقع موضوع الثالوث بعد موضوع وجود الله وكجزء من البحث في طبيعة الله والجوهر الإلهي. والكلام في هذا الموضوع وهذا الشكل لا يخلو من جفاف وصعوبات. جفاف يشمل تحديد معاني المصطلحات التي لا يلبث القارئ أن ينساها وصعوبات ناتجة عن الخوض في موضوع طبيعة الله بطريقة فكرية مجردة.
ثانيًا: المناسبات التي أُعلن فيها عن الثالوث
في الكتاب المقدس - لا سيما العهد الجديد - لا نجد فصلاً خاصًا عن عقيدة الثالوث ولا شرحًا مستقلاً لها. بل إذا حصرنا عدد مرات ظهور الثالوث بشكل واضح مباشر أو غير مباشر، فإن هذه المناسبات كانت إعلانات مرتبطة بوقائع الخلاص.
وكل مناسبة من هذه المناسبات الثلاث تُعد أحد أركان علاقة الله الجديدة بنا.
- ظهر الثالوث بشكل مستتر في بشارة العذراء (لوقا ١: ٣٥)
- وظهر بشكل واضح في معمودية المسيح في الأردن (متى ٣: 16-17، مرقس1: 9-11)
- وظهر بشكل رمزي في التجلي (9: 2-8)
فالثالوث مرتبط بالتجسد في المناسبة الأولى، ثم هو دعامة المعمودية في المناسبة الثانية، أما في المناسبة الثالثة فهو مرتبط بخيرات الدهر الآتي (ملكوت الله في قوته وبهائه) (مرقس9: 2، لوقا9: 27)
في المناسبة الأولى يصبح من المؤكد أن كل حديث عن التجسد لا يضع في الاعتبار، ليس لاهوت الابن الوحيد فقط، بل علاقة الآب بالابن المتجسد، وعلاقة الروح القدس بالابن المتجسد، يجعل التجسد قضية نظرية بحتة.
لقد جاء ابن الله في الجسد لا لكي يعلن لنا ذاته فقط، بل ليعلن لنا الآب أيضًا "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤: 9). ولذلك، التجسد هو مرآة الثالوث، ففي الجسد يظهر لنا الابن الوحيد الذي وحده تجسد، ولكن في ذات الجسد يعلن لنا الابن محبة الآب ويعطي لنا الروح القدس الذي أخذه في بشريته والذي به مُسح لأجلنا.
ونحن لا نستطيع أن نتذوق ثمار عمل المسيح الابن الوحيد في عزلة عن الآب والروح القدس، وعمل المسيح الأساسي أن يردنا إلى الآب لكي يهبنا الآب الروح القدس (غلاطية ٤: 4-6)
والمناسبة الثانية وهي مرتبطة بالأولى، تؤكد لنا العلاقة القوية بين الثالوث والمعمودية.
حقيقي أن الرب اعتمد، ولكن معموديته كانت مثالاً لمعمودية الكنيسة. ذلك أننا مثل الرب نعتمد فيه وباسم الآب والابن والروح القدس، وهم شهود الأردن. ومثله نُمسح بالميرون بعد خروجنا من الماء مباشرة. ومثله تُعلن بنوتنا في المعمودية. ولكن على أساس بنوة الابن الأزلي أي أن بنوتنا تأخذ وجودها من بنوة الرب وفيه وحده نصبح أبناء للآب، ولكن على مثال بنوته وكشبهه (١يوحنا ٣: 2-3). فإذا تسربت عقيدة الثالوث من بين أيدينا ضاع موضوع البنوة تمامًا للأسباب الآتية:
أولاً: لأنه فقد المثال الذي يتطلع إليه وهو الابن الوحيد.
وثانياً: لأنه فقد الآب الذي يمنح هذا التبني.
وثالثًا: لأن حضور الروح القدس في حياتنا لا يمكن أن نفهمه إلاَّ في ضوء عمل المسيح، وكعطية الآب السماوي.
والمناسبة الثالثة لا يمكن أن نتحدث عنها الآن، ولكنها كما نعرف كانت إعلانات الدهر الآتي لنا في تجلي الرب على الجبل أمام تلاميذه وهناك نادى الآب وجاء الروح القدس في شكل سحابة وسطع نور اللاهوت حتى من ثياب المسيح، وهي حالة البهاء الذي سوف نناله لأنه "سيغير شكل جسد تواضعنا على صورة جسد مجده" (فيلبي ٣: 21)
ولذلك، فكل تذوّق لخيرات الدهر الآتي هو تذوّق للحياة في الثالوث، وتكفينا كلمات الرب نفسه عندما عرف الحياة الأبدية بأنها معرفة الثالوث (يوحنا ١٧: 1-3)
وكأننا هنا نجد نسيج الحياة المسيحية معتمدًا تمامًا على الثالوث فهو السُدى والُلحمة لكل علاقتنا بالله، ولا نستطيع أن نفهم شيئًا أو نتذوق شيئًا بدون الثالوث. ولكن لماذا يبدو موضوع الثالوث صعبًا؟
ثالثًا: الصعوبات التي تقف ضد فهم الإنسان للثالوث؟
١- مشكلة الخيال:
كل من يُخضع الثالوث للخيال يعجز تمامًا عن فهم أبسط الإعلانات عن الثالوث. ذلك أنه لا يوجد في الواقع شيء ما يشبه الثالوث من قريب أو من بعيد. وكل محاولات تصوير الثالوث أو رسم صورة له هي خاطئة تمامًا وتزيد تعقيدات الفكر وتقود إلى اليأس. والخيال عاجز عن تصور ثلاثًة كلٍ منهم مثل الآخر تمامًا، والكل معًا يشترك في طبيعة واحدة.
٢- مشكلة الخبرة اليومية:
١- العقل مدرَّب على الدراسة عن طريق المقارنات؛ لأن المقارنات هي أفضل الطرق لاكتشاف التشابه والاختلاف، كما أن العقل أيضًا تدرب على دراسة كل ما يحيط به عن طريق العلاقات، فهو لا يدرك ولا يفهم أي شيء كما هو، بل يدرك مثلاً الهواء من خلال علاقته بغيره من عناصر الكون. وحتى المنهج العلمي التحليلي هو دراسة العلاقات أيضًا ولا يصبح لأي شيء معنى إلاَّ من خلال علاقاته بغيره. وقد أثر هذا على حياة الإنسان وعلى سلوكه لا سيما في هذا القرن حيث أصبح الإنسان ميالاً إلى الأسلوب التجريبي وحده الذي لا يمكن استخدامه في مجالات اللاهوت والفلسفة علم النفس.
٢- ومن خلال علاقة كل إنسان بغيره في المجتمع يأخذ عن غيره - بحكم النشأة والتعليم - الأفكار والتصورات التي يقدمها له المجتمع، وهذه تساهم في خلق فكرة الإنسان عن نفسه وتساهم في تشكيل خيالات الإنسان. وقد بدأت جامعة جون هوبكتر John’s Hopkins في أمريكا في بداية هذا القرن في دراسة تاريخ الأفكار البشرية وخصصت مجلة علمية معروفة باسم Journal of the History of Ideas وجاءت النتيجة بأن كل ما وصل إليه الإنسان من أفكار كان مستوحى من الذين سبقوه أو ساعدت عليه أفكار أخرى، وإن هذا ينطبق على كل ما في الحياة.
ومما لا شك فيه أن الأفكار السائدة في مجتمعٍ ما تخلق أحيانًا عائقًا يحول دون فهم أو تصور فكرة غريبة على هذا المجتمع. ولو نشأ إنسانٌ ما في مجتمعٍ يقدِّس العبودية ويحارب الحرية، فإن أقصى ما يصل إليه الإنسان هو تصور الحرية كنقيض للعبودية، وهذا في حد ذاته تصور خاطئ مبني على تجربة شخصية فيها قدر ضئيل من الموضوعية. وإذا طبقنا ما نقول على اللاهوت، فإننا كثيرًا ما نجد أن الأفكار الموروثة هي أكبر معطلات الفهم الصحيح، وان العودة إلى المصادر الأولى والينابيع التي أعطت العقيدة وشرحتها هو السبيل الوحيد لفهم أصيل وتذوق روحي سليم. ولعل أحد الأمثلة على ما نقول هو فكرة المجتمع المصري عن المرأة حيث تسود الفكرة القائلة بأن المرأة أقل من الرجل في كل شيء، وان الرجل أفضل من المرأة في كل شيء، وفي هذا الجو اكتسبت قصة "ضلع آدم" (تك ٢: 21) معنى غير المعنى الحقيقي، وكذلك النصوص التي تتحدث عن الرجل كرأس للمرأة حيث سادت معاني الرأس كسيادة الرجل وسلطانه الذي لا تجرؤ المرأة على تحديه، بينما في العهد الجديد الرأس تعني الأصل أو البداية ولا تعني السيادة، وإنما أسقط المفسرون المعنى الأصلي لأنه يتعارض مع الفكر السائد.
رابعًا: الثالوث ومجالات الخبرة الإنسانية:إذا كان الإنسان هو محصلة المجتمع بكل ما فيه، فما هي الأفكار والاختبارات السائدة التي تغلق وتسد طريق التصور الصحيح لوجود ثلاثة أقانيم في جوهر واحد.
١- خبرة التعدد:
وهي أول ما يتلقاه الإنسان منذ طفولته، ويكفي أن يفتح أي إنسان عينيه ليجد "كثرة" من البشر تسير في الشوارع، ويلاحظ الطفل دون عناء وجود اختلافات في الشكل والأحجام والأسماء، وفي البلوغ يدرك الفوارق في الطبع .. كل هذا يطبع في عقل الإنسان شعورًا عميقًا واضحًا بالتعدد.
٢- خبرة الوحدة:
والبشرية منذ فجر الحضارة تسعى إلى أشكال من الوحدة؛ لأن الإنسان يخاف من الصراعات بكل أشكالها، فهي تقود إلى الدم وإلى ضياع السلام والاستقرار، وما القانون والبوليس والجيش ثم المحاكم بكل أشكالها، ثم عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة إلاَّ مظاهر متعددة لحقيقة واحدة، وهي محاولات إبعاد الخلافات والسعي إلى الوحدة مع مراعاة مصالح الأطراف المتعددة. ومع هذا فقد حاول الإنسان جاهدًا الوصول إلى نوع من الوحدة، ولكنه اختبر مرارة الفشل. وعكست القوميات والنظريات والمذاهب بكل أشكالها فشل الإنسان.
ورغم تقدم البشرية الهائل - لا سيما - في هذا القرن إلاَّ أن هناك حدود ورايات وجنسيات تفصل بين بلدان العالم، بل أحيانًا يرى الإنسان الحدود في داخل البلد الواحد، وهي الحدود الاقتصادية التي تفصل بين الأغنياء وأشقياء الأرض.
فماذا عرف الإنسان عبر تاريخه الطويل؟ وما الذي ترسّب في وجدانه سوى الصراع ومحاولات الوصول إلى الاتفاق في وجه أخطار التعدد.
ورغم أن الإنسان أقام اتحادات ونقابات وجمعيات إلاَّ إنها تطفح بالصراعات على مختلف أنواعها وتولد وتموت ليولد غيرها.
هل هناك شوق حقيقي للوحدة؟
إن تاريخ الإنسان يؤكد لنا وجود شوق عميق للوحدة والالتئام، وأبسط مظاهر هذا الشوق الإنساني هو عاطفة الحب التي تجعل الإنسان يضحي بجانب من حريته وأنانيته لكي يتزوج رغم ما في الزواج من متاعب وأعباء.
ونظرة فاحصة على التاريخ السياسي تكشف نزوع الإنسان الدائم وشوقه الشديد إلى تكوين الجمعيات والأحزاب والمعاهدات والتحالفات، وهو وضع لا يمكن فهمه إلاَّ على أساس أن الإنسان ميال للاشتراك مع غيره من الناس في البحث عن حلول جماعية لكل مشاكله، وبالتالي فالإنسان يترع إلى الوحدة. وحتى الذين يدعون إلى التمسك بالفرد وحده، يضطرون إلى تنظيم جماعات خاصة بهم حتى لا تضيع دعوتهم في نهاية الأمر. فالإنسان ميال إلى الوحدة.
لكن الإنسان رغم تفاؤله الشديد بما يمكن أن تأتي به المعرفة العلمية من تقارب وائتلاف بل ووحدة، يجد نفسه في النهاية عاجزًا أمام مشاكل الجشع والأنانية والتطرف في تطبيق السلطة، بل والتطرف في الوصول إلى الحرية. كما أن الإنسان عاجز رغم كل ذكائه على الوقوف أمام شهواته التي تمزق كل محاولات الوحدة وتقود إلى انقسامات.
خامسًا: مجالات اختبار التعدد والوحدة في الحياة الروحية:
إذا كانت نتيجة كل صراعات الإنسان في تاريخه الطويل هي مرارة الفشل في إدراك الوحدة، فما هي المجالات والفرص التي تقدمها المسيحية لك تهيئ الفرصة أمام الإنسان للوصول إلى رؤيا سليمة (وليس تصور) لوجود ثلاثة أقانيم في الجوهر الإلهي الواحد. كلٌ منهم متمايز عن غيره، فالآب ليس هو الابن، والابن ليس هو الآب، والروح القدس ليس هو الآب، ولا هو الابن ..
وهكذا. فكل أقنوم متمايز عن غيره من الأقانيم، ومع هذا فهو يشارك غيره في كل شيء إلاَّ في الصفة الأقنومية أي أن الآب يشارك الابن كل شيء ما عدا البنوة، والابن يشارك الآب كل شيء ما عدا الأبوة.
مما لا شك فيه أن إعلان هذه العقيدة على النحو الذي ذكرناه في السطور السابقة ليس غريبًا ولا بعيدًا عن الخبرة التي تقدمها الحياة المسيحية؛ لأنه إذا كان الثالوث بعيدٌ جدًا عن مجال خبرتنا الروحية، فما هو الداعي لهذه العقيدة، وكيف هي أساس كل شيء ولا توجد ولو ملامح منها في الحياة المسيحية.
١- اختبار المعمودية:
إن الأمر بالتعميد باسم الآب والابن والروح القدس (متى ٢٨: 19) هو جوهر المعمودية، وهو ليس مجرد تلاوة لصيغة أو التمسك بوصية وإنما هو الحياة التي تقودنا إليها المعمودية.
لقد أعلن الآب عن ابنه الأزلي وقدّمه لنا كنموذج لما سنصل إليه. فالآب - وهذه هي صفة الأقنوم الأول - يقبلنا كبنين في ابنه يسوع المسيح، وهذه هي صفة الأقنوم الثاني. ولكن ما هو عمل الروح القدس؟ إن دور الآب ليس دورًا سلبيًا وهو مجرد القبول، بل هو دورٌ ايجابي لأنه في الابن يرسل لنا روحه صارخًا "أبا أيها الآب" (غلاطية ٤: 5-6) فالروح يشهد لنا عن الآب أي أننا لا نُترك لذواتنا، ولكن يظل الله في محبته يعطينا الكثير من إحساناته، فلا تصبح نعمة البنوة مجرد فكر وخيال، بل حقيقة يحملها لنا الروح من الآب في النموذج الأصلي الأزلي أي الابن. أو يعلنها لنا الابن في ذاته كعطية من الآب يحققها الروح القدس. فإذا بدأنا البنوة من الروح وصلنا للآب، وإذا بدأنا البنوة من الابن وصلنا للآب، وإذا بدأنا من الآب وصلنا للابن وللروح القدس.
ومع هذا يضيع اختبار المعمودية عند كثيرين بسبب الإهمال ولأنهم لم ينشأوا نشأة مسيحية سليمة.
٢- اختبار الإفخارستيا:
على مستويين هامين يختبر كل فردٍ وجود المسيح فيه ثم وجوده هو في المسيح. ولكنه يختبر أيضًا وجود كل المؤمنين في المسيح ووجود المسيح في كل المؤمنين. هذا التعدد قائم في حقيقة وجود المؤمنين. فكل منا ليس مثل الآخر ولن يكون، ولكن مجال الوحدة مفتوح بوجود المسيح في الكل ووجود الكل في المسيح.
في الإفخارستيا نحن نصطدم بعطاء المسيح ذاته لنا. وفي كل مرة نحاول أن نحصر شكل ونوع هذا العطاء نجد أنفسنا في فراغ. هذا الفراغ يسبب بعض التساؤلات والشك عن البعض. وعدم قابلية خضوع المسيح للفحص، ليس لأنه عطاء سري، بل لأن إدراك المسيح لا يتم فرديًا، بل جماعيًا؛ ولأننا نتحول إلى من يطلبون معرفة، لا إلى من يسعون بتواضع إلى قبول الوحدة. وكل مرة أغلق الرب أعيننا عن رؤيته في الآخرين أو رؤية الآخرين له فينا كانت بسبب شدة تمسكنا بحب الاستطلاع ومحاولتنا التسلق وليس مد أيدينا لتلقي الإحسان.
الإفخارستيا تمهد الطريق لتذوق الثالوث؛ لأننا نقبل سريًا شخصًا مختلفًا عنا، ولكننا نقبله كما هو ووفق شروطه الخاصة. ولكن هو أيضًا بدوره يقبلنا كما نحن. هذا القبول يفوق الاحتضان والقبلات وكل أشكال الترحيب والمحبة، إنه قبول السكنى والكينونة "من يأكل جسدي يكون فيَّ وأنا أكون فيه" (يوحنا ٦: 56).
والمسيح الذي يقبلنا لا يتحول ويصبح كأي واحدٍ منا، كما أننا رغم أننا نأخذ من طبيعة المسيح الكثير، إلاَّ أنه ولا واحد منا يتحول ويصبح مثل المسيح، أي يفقد مميزات شخصيته وكيانه.
هذه العلاقة مثل علاقة الأقانيم، فلا يفقد الآب أبوته رغم أنه في الابن، ولا يفقد الابن بنوته رغم أنه في الآب. يظل الآب هو الآب والابن هو الابن كلاهما متمايز عن الآخر "أنا في الآب والآب فيَّ" (يوحنا 14: 11)
ولكن عطاء الآب لذاته أو وجوده في الابن، ووجود الابن فيه هو تام وكامل لأنه مبني على وحدة الجوهر ووحدة الإرادة.
إن الخوف من الاستسلام والحرص على كياننا لئلا يصيبه شيء، يعطل اتحادنا بالمسيح. نحن نأخذه تحت تأثير الخوف من الموت، والخوف من الموت يولِّد فينا حرصًا على الحياة وتمسكًا بالبقاء كما نفهمه، وهذا يجعلنا غير قادرين على إدراك عمق اتحادنا بالمسيح.
٣- اختبار الزيجة:
"يترك الرجل أباه وأمه يلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا" (تك2 : 24). لا تلغي الزيجة بقاء الزوج كرجل وبقاء الزوجة كامرأة، وهذا هو التعدد أو الثنائية ولكنها تجعل الاثنين واحدًا. والإرادة الواحدة والفكر الواحد لا يوجدان إلاَّ في جسد واحد أي الشخص الواحد. إذا وجدت إرادتان في شخص واحد كان منقسمًا، وإذا وجدت إرادتان في شخصين كان هذا هو الوضع الطبيعي، ولكن عندما تصبح الإرادتان إرادة واحدة يصبح الشخصان واحدًا، وهو البقاء في عمل النعمة.
من المفروض أن يفهم المتزوجون الثالوث، أي التعدد والوحدانية بدون عناء، ذلك أنهم يختبرون وجود الآخر في شركة اتحاد عميق فيها تضحية، وبذلك تأخذ شكل محبة وبذل المسيح وخدمته للكنيسة.
لكن من الملاحظ أن ليس كل الذين يتزوجون في الكنيسة يختبرون عمق التعدد والوحدانية؛ لأن الشهوات والأوضاع المالية وغيرها تصبح هي محور الحياة، والأرضية الرخوة التي يقف عليها المتزوجون فيغوصون في رمال العالم ويصبحون أحيانًا أسوأ واقع للحياة الإنسانية المنتسبة إلى المسيح.
ويمر اختبار الوحدة عادًة في الزيجة بفترة شتاءٍ قاسٍ عندما تسود الشهوات، ويصبح كل طرف يريد الاستحواذ على الآخر. أو عندما يتحول الشريك إلى أداة، أو بلغة الثالوث يفقد وجوده كأقنوم (شخص) ويصبح مجرد متعة. وحقيقة الخطية (إذا كان في الخطية أي حقيقة)، هي انهيار العلاقات الشخصية ليس بين الإنسان والله فقط، بل أيضًا بين الإنسان والإنسان. فقد تسود الكبرياء وشهوة التسلط ويصبح الآخر مجرد متعة أو أداة تسلية. ويحدث هذا في حالات الغضب عندما يتحول الانفعال إلى رغبة في تحطيم الآخر معنويًا أو فكريًا أو ماديًا .. في مثل هذه اللحظات ينهار وجود الآخر تمامًا بالنسبة للمتكبر والغضوب، ولا يصبح الآخر شخصًا، بل يختفي تمامًا كشخص.
وهذا هو محور عقيدة الثالوث أن يظل الله ثلاثة أقانيم في الواحد لكي ينعكس هذا على حياة الإنسان ويصبح كل إنسان، أقنومًا له كيانه وصفاته، وأن يقبل الآخر في نعمة المسيح ومن أجل الوحدة.
ويعرف المتزوجون أيضًا أن لحظات المحبة القوية هي زوال "للأنا"، وقبولٌ مطلقٌ للآخر بدون قيود أو شروط، وعندما يصبح هذا القبول متبادلاً تتم الوحدة بشكل جارف. والمحبة هي دعامة الاتحاد في الزيجة، والمحبة هي من الله، بل هي إحدى مواهب الروح القدس (١ كورنثوس ١٣: 1-9) طلب الرسول منا أن نطلبها من الله.
ويتحقق في المحبة بقاء الآخر تمامًا، بل الحرص الشديد على بقائه وقبوله ولا يصبح بذلك أداًة تستهلك مثل رغيف الخبز أو قطعة حلوى يتمتع بها بل مقبولاً تمامًا وباقيًا في دائرة الوحدة.
والبقاء في دائرة الوحدة يعني أن يظل الشخص محتفظًا بكل ما يميزه (فيما عدا الخطية والقوة التي تصنع الانقسام). هذا الاختبار يقودنا مباشرة إلى تذوق حقيقة الثالوث، ولكنه أقل بقليل من معرفتنا بالآب والابن والروح القدس، ولكن جوهر الاختبار هو ناموس المحبة الذي يسمح بالحرية ويسمح بالوحدة دون أن يتحول الزوج والزوجة إلى سبيكة، وتصبح الطبيعة البشرية واحدة في الرجل والمرأة مع تمايز في الشخصية، وهذه هي انفراجة في الواقع تطل على عالم الآب والابن والروح القدس.
ولعل هذا يجعلنا ندرك أن وصية المحبة في المسيحية هي طريق للثالوث وجزء جوهري من نسيج هذه العقيدة.
الكنيسة هي صورة الثالوث على الأرض:
صلى الرب لأجلنا وطلب أن نكون "واحدًا" كما أنه هو والآب واحد (يو ١٧: 20) والذي يقرأ سفر الأعمال ويسمع عن "القلب الواحد والنفس الواحدة" (4: 32) يعرف أن خلف الحياة الروحية الممتازة التي تعيشها الكنيسة الرسولية يوجد النموذج الرائع الذي يعطي هذه الحياة ويشعل نار المحبة فتسير الكنيسة في نوره تهتدي به هو.
لقد جاء لكي يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد (يو11: 52) أي إليه هو، ولذلك كان أكبر عطاء للإنسانية هو تأسيس الكنيسة. وقد يبدو من الظاهر أن الكنيسة لا علاقة لها بالمرة باختبارنا للثالوث، ولكن الواقع الروحي يقول العكس. ففي الكنيسة يتم جمع أو ضم (أعمال 2) كل المتفرقين والمتباعدين إلى واحد. يصبح الكل جسدًا واحدًا هو جسد المسيح (أقرأ بعناية ١ كورنثوس ١٢: 1-13)
لقد كانت غاية التجسد، أن يضم الابن الوحيد أفراد الجنس البشري المتصارعين إلى شخصه الواحد. والجسد البشري هو العنصر المشترك الوحيد بين الإنسانية وبين الرب يسوع هذا العنصر هو حي بلا موت، بل بقوة القيامة في المسيح يسوع وحده بسبب اتحاد اللاهوت به. ولذلك، فإن كل من يتصل بالمسيح تسري فيه قوة القيامة من المسيح الواحد. ومن ناسوته تصل إلينا كل هبات اللاهوت، ولذلك تحتل علاقتنا بجسد المسيح كل شيء في الكنيسة. فنحن نُصلب معه ونموت معه وندفن معه (رومية ص ٦) من أجل القيامة.
والمعمودية هي سر الكنيسة الأولي لأنخا تدخل بنا إلى اتحاد بالمسيح. والإفخارستيا سر جسد المسيح أيضًا حيث نناله هو بذاته.
المسيح يوزع علينا جميعًا، فنصبح بالحق أعضاء جسده (أف4: 16) لا يصبح أيٌ منا جسد المسيح، ولكن نصبح نحن جميعًا جسد المسيح (1كورنثوس 12: 27) والعهد الجديد يؤكد على هذه التعبيرات الدقيقة إننا جميعًا أعضاء جسد المسيح، أو حجارة هيكل الله (1بط 2: 5) ليس أي منا هيكلاً، ولكن الكل معًا هو الهيكل.
ولا شيء يجعلنا جسد المسيح سوى جسد المسيح نفسه، وربما يندهش البعض من الحديث عن زواج الإنسانية بالمسيح في العهد الجديد (أف5: 22) ولكن كما يصبح الرجل والمرأة جسدًا واحدًا، كذلك يصبح كل البشر جسدًا واحدًا هو جسد المسيح "فكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وان جميع أعضاء الجسد مع كونها كثيرة هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضًا.
فإننا جميعًا قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد .. وسقينا جميعًا من روح واحد (1كورنثوس 12: 13). الوحدة هنا هي وحدة الجسد الواحد، والتعدد هنا هو تعدد في الوظائف وفي الأعضاء، وهو ما يؤكده الرسول في حديثه عن المواهب ذلك أن كل شخص منا لا يأخذ ذات المواهب التي يأخذها غيره من الناس (١ كورنثوس ١٢: 14-26). وصلة زواج المسيح بالكنيسة كما يعبر عنها الرسول بولس "يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم الخاصة من أحب امرأته أحب نفسه فإنه ما من أحد أبغض جسده الخاص بل إنما يغذيه ويعتني به كما يفعل المسيح بالكنيسة أو لسنا أعضاء جسده (اف5: 29-30). هذه العلاقة القوية سوف نؤجل الحديث عنها إلى حين، ولكن كما هو واضح نصبح في الكنيسة أعضاء جسد واحد ليس جسد الكاهن أو العلماني، بل جسد المسيح وتصبح الكثرة أو التعدد في الأعضاء هو تعدد في الوظائف، وتظل العين عينًا والقدم قدمًا أي لا تفقد وجودها وكيانها وتميزها ولكن تفقد استقلالها تمامًا؛ لأن الاستقلال هو انقسام والانقسام هو بتر العضو.
فإذا نشطت الكنيسة روحيًا أمكن لنا أن نرى في داخلها، أي داخلنا صورة عمل الثالوث، ولكن متى سادت روح الانقسام والسلطة وأصبح كل شيء قائم لمصلحة أفراد دون أفراد، وأصبح لكل عهد رجاله وأشخاصه المتميزون، وتحولت الكنيسة إلى أحزاب وفئات متصارعة، أصبحت الكنيسة غير قادرة على استيعاب عقيدة الثالوث، وتنشأ في الكنيسة أجيال ساقطة لم تختبر الوحدة، وتفقد الكنيسة رسالتها في عالم حسب كل شرائعه عالم منقسم.
فهل يمكن أن تحدث أجيالاً اختبرت العراك وصراعات اللجان ومشاجرات الكهنة، عن الثالوث الواحد وآذانهم وعيونهم لم تسمع ولم تر سوى صرخات اليأس من الوحدة والالتئام حول المسيح الواحد.
من أين يتذوق المؤمنون سر التعدد والوحدة؟ ليس من كتب اللاهوت، بل من الواقع الروحي الذي كلما ارتفع أصبح من الممكن أن نسمع عن عمل الأقانيم بدون أن يتولد فينا شعور بالغرابة أو عدم الفهم، وأن نسمع عن وحدة الآب والابن والروح القدس دون عناء ومشقة؛ لأن هذه الوحدة نابعة من فوق ومنسكبة فينا وهي سر وجود وبقاء كل شيء في الكنيسة.
كلما تحدثت الكنيسة عن الثالوث كلما أدركت بشاعة خطية الانقسام. وكلما حاولت التشبه بالثالوث كلما اختفت روح التحزب والرئاسة. ويوم تقترب كنيستنا من الثالوث وتحيا فيه يوم يصبح الحديث عن الثالوث على أفواه الأطفال.
يا ليت الآب والابن والروح القدس ينعم علينا بهذا قبل فوات الأوان.
يتبع>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات