الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء.. يتبع حوار عن الثالوث

  1. #1
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء.. يتبع حوار عن الثالوث

    دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء


    ثلاث مقالات نشرت بمجلة مرقس بمناسبة عيد الغطاس
    في أعداد فبرایر ومارس وابریل ١٩٧٦ م.
    دكتور
    جورج حبيب بباوي
    ٢٠٠٦
    لقراءة الكتاب كاملاً قبل نقله إلى المنتدى راجع الرابط التالي:
    http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?t=2646

    المقالة الأولى
    أو ً لا: لماذا نواجه صعوبات في موضوع الثالوث؟
    ثانيًا: المناسبات التي ُأعلن فيها عن الثالوث
    ثالثًا: الصعوبات التي تقف ضد فهم الإنسان للثالوث
    ١- مشكلة الخيال:
    ٢- مشكلة الخبرة اليومية
    رابعًا: الثالوث ومجالات الخبرة الإنسانية:
    ١- خبرة التعدد:
    ٢- خبرة الوحدة:
    هل هناك شوق حقيقي للوحدة؟
    خامسًا: مجالات اختبار التعدد والوحدة في الحياة الروحية
    ١- اختبار المعمودية:
    ٢- اختبار الإفخارستيا
    ٣- اختبار الزيجة:
    الكنيسة هي صورة الثالوث على الأرض:

    المقالة الثانية: المشاكل الفكرية:
    أو ً لا: مشكلة اللغة:
    كلمة "واحد"
    الجانب السلبي لكلمة واحد:
    ما قبل السقوط:
    ما بعد السقوط:
    الموت ووحدانية الله:

    المقالة الثالثة: مشكلة الموت واختبار الله
    السقوط والموت في سفر التكوين:
    المحدود وغير المحدود:
    الموت ومشكلة اللغة
    محاولات الإنسان لاختبار الله





    المقالة الأولى
    عيد الغطاس المجيد، هو العيد الوحيد الذي يخص الآب والابن والروح القدس. هو عيد الثالوث وهذا هو معنى الاسم القديم "الثيئوفانيا". ويا ليت هذه المناسبة الوحيدة التي ظهر فيها الثالوث بشكل واضح لم يسبق لها مثيل أن تصبح عيد الثالوث عندنا وفرصة لتجديد ما استقر في عقولنا عن الآب والابن الروح القدس.


    أولاً: لماذا نواجه صعوبات في موضوع الثالوث؟
    مما لا شك فيه أن كل تقديم عقلي في كتب اللاهوت لموضوع الثالوث عزل الثالوث عن باقي موضوعات العقيدة ففي معظم كتب اللاهوت حتى الغربية يقع موضوع الثالوث بعد موضوع وجود الله وكجزء من البحث في طبيعة الله والجوهر الإلهي. والكلام في هذا الموضوع وهذا الشكل لا يخلو من جفاف وصعوبات. جفاف يشمل تحديد معاني المصطلحات التي لا يلبث القارئ أن ينساها وصعوبات ناتجة عن الخوض في موضوع طبيعة الله بطريقة فكرية مجردة.

    ثانيًا: المناسبات التي أُعلن فيها عن الثالوث
    في الكتاب المقدس - لا سيما العهد الجديد - لا نجد فصلاً خاصًا عن عقيدة الثالوث ولا شرحًا مستقلاً لها. بل إذا حصرنا عدد مرات ظهور الثالوث بشكل واضح مباشر أو غير مباشر، فإن هذه المناسبات كانت إعلانات مرتبطة بوقائع الخلاص.
    1. ظهر الثالوث بشكل مستتر في بشارة العذراء (لوقا ١: ٣٥)
    2. وظهر بشكل واضح في معمودية المسيح في الأردن (متى ٣: 16-17، مرقس1: 9-11)
    3. وظهر بشكل رمزي في التجلي (9: 2-8)
    وكل مناسبة من هذه المناسبات الثلاث تُعد أحد أركان علاقة الله الجديدة بنا.

    فالثالوث مرتبط بالتجسد في المناسبة الأولى، ثم هو دعامة المعمودية في المناسبة الثانية، أما في المناسبة الثالثة فهو مرتبط بخيرات الدهر الآتي (ملكوت الله في قوته وبهائه) (مرقس9: 2، لوقا9: 27)

    في المناسبة الأولى يصبح من المؤكد أن كل حديث عن التجسد لا يضع في الاعتبار، ليس لاهوت الابن الوحيد فقط، بل علاقة الآب بالابن المتجسد، وعلاقة الروح القدس بالابن المتجسد، يجعل التجسد قضية نظرية بحتة.
    لقد جاء ابن الله في الجسد لا لكي يعلن لنا ذاته فقط، بل ليعلن لنا الآب أيضًا "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤: 9). ولذلك، التجسد هو مرآة الثالوث، ففي الجسد يظهر لنا الابن الوحيد الذي وحده تجسد، ولكن في ذات الجسد يعلن لنا الابن محبة الآب ويعطي لنا الروح القدس الذي أخذه في بشريته والذي به مُسح لأجلنا.
    ونحن لا نستطيع أن نتذوق ثمار عمل المسيح الابن الوحيد في عزلة عن الآب والروح القدس، وعمل المسيح الأساسي أن يردنا إلى الآب لكي يهبنا الآب الروح القدس (غلاطية ٤: 4-6)

    والمناسبة الثانية وهي مرتبطة بالأولى، تؤكد لنا العلاقة القوية بين الثالوث والمعمودية.
    حقيقي أن الرب اعتمد، ولكن معموديته كانت مثالاً لمعمودية الكنيسة. ذلك أننا مثل الرب نعتمد فيه وباسم الآب والابن والروح القدس، وهم شهود الأردن. ومثله نُمسح بالميرون بعد خروجنا من الماء مباشرة. ومثله تُعلن بنوتنا في المعمودية. ولكن على أساس بنوة الابن الأزلي أي أن بنوتنا تأخذ وجودها من بنوة الرب وفيه وحده نصبح أبناء للآب، ولكن على مثال بنوته وكشبهه (١يوحنا ٣: 2-3). فإذا تسربت عقيدة الثالوث من بين أيدينا ضاع موضوع البنوة تمامًا للأسباب الآتية:

    أولاً: لأنه فقد المثال الذي يتطلع إليه وهو الابن الوحيد.
    وثانياً: لأنه فقد الآب الذي يمنح هذا التبني.
    وثالثًا: لأن حضور الروح القدس في حياتنا لا يمكن أن نفهمه إلاَّ في ضوء عمل المسيح، وكعطية الآب السماوي.

    والمناسبة الثالثة لا يمكن أن نتحدث عنها الآن، ولكنها كما نعرف كانت إعلانات الدهر الآتي لنا في تجلي الرب على الجبل أمام تلاميذه وهناك نادى الآب وجاء الروح القدس في شكل سحابة وسطع نور اللاهوت حتى من ثياب المسيح، وهي حالة البهاء الذي سوف نناله لأنه "سيغير شكل جسد تواضعنا على صورة جسد مجده" (فيلبي ٣: 21)
    ولذلك، فكل تذوّق لخيرات الدهر الآتي هو تذوّق للحياة في الثالوث، وتكفينا كلمات الرب نفسه عندما عرف الحياة الأبدية بأنها معرفة الثالوث (يوحنا ١٧: 1-3)
    وكأننا هنا نجد نسيج الحياة المسيحية معتمدًا تمامًا على الثالوث فهو السُدى والُلحمة لكل علاقتنا بالله، ولا نستطيع أن نفهم شيئًا أو نتذوق شيئًا بدون الثالوث. ولكن لماذا يبدو موضوع الثالوث صعبًا؟

    ثالثًا: الصعوبات التي تقف ضد فهم الإنسان للثالوث؟
    ١- مشكلة الخيال:
    كل من يُخضع الثالوث للخيال يعجز تمامًا عن فهم أبسط الإعلانات عن الثالوث. ذلك أنه لا يوجد في الواقع شيء ما يشبه الثالوث من قريب أو من بعيد. وكل محاولات تصوير الثالوث أو رسم صورة له هي خاطئة تمامًا وتزيد تعقيدات الفكر وتقود إلى اليأس. والخيال عاجز عن تصور ثلاثًة كلٍ منهم مثل الآخر تمامًا، والكل معًا يشترك في طبيعة واحدة.

    ٢- مشكلة الخبرة اليومية:
    ١- العقل مدرَّب على الدراسة عن طريق المقارنات؛ لأن المقارنات هي أفضل الطرق لاكتشاف التشابه والاختلاف، كما أن العقل أيضًا تدرب على دراسة كل ما يحيط به عن طريق العلاقات، فهو لا يدرك ولا يفهم أي شيء كما هو، بل يدرك مثلاً الهواء من خلال علاقته بغيره من عناصر الكون. وحتى المنهج العلمي التحليلي هو دراسة العلاقات أيضًا ولا يصبح لأي شيء معنى إلاَّ من خلال علاقاته بغيره. وقد أثر هذا على حياة الإنسان وعلى سلوكه لا سيما في هذا القرن حيث أصبح الإنسان ميالاً إلى الأسلوب التجريبي وحده الذي لا يمكن استخدامه في مجالات اللاهوت والفلسفة علم النفس.
    ٢- ومن خلال علاقة كل إنسان بغيره في المجتمع يأخذ عن غيره - بحكم النشأة والتعليم - الأفكار والتصورات التي يقدمها له المجتمع، وهذه تساهم في خلق فكرة الإنسان عن نفسه وتساهم في تشكيل خيالات الإنسان. وقد بدأت جامعة جون هوبكتر John’s Hopkins في أمريكا في بداية هذا القرن في دراسة تاريخ الأفكار البشرية وخصصت مجلة علمية معروفة باسم Journal of the History of Ideas وجاءت النتيجة بأن كل ما وصل إليه الإنسان من أفكار كان مستوحى من الذين سبقوه أو ساعدت عليه أفكار أخرى، وإن هذا ينطبق على كل ما في الحياة.

    ومما لا شك فيه أن الأفكار السائدة في مجتمعٍ ما تخلق أحيانًا عائقًا يحول دون فهم أو تصور فكرة غريبة على هذا المجتمع. ولو نشأ إنسانٌ ما في مجتمعٍ يقدِّس العبودية ويحارب الحرية، فإن أقصى ما يصل إليه الإنسان هو تصور الحرية كنقيض للعبودية، وهذا في حد ذاته تصور خاطئ مبني على تجربة شخصية فيها قدر ضئيل من الموضوعية. وإذا طبقنا ما نقول على اللاهوت، فإننا كثيرًا ما نجد أن الأفكار الموروثة هي أكبر معطلات الفهم الصحيح، وان العودة إلى المصادر الأولى والينابيع التي أعطت العقيدة وشرحتها هو السبيل الوحيد لفهم أصيل وتذوق روحي سليم. ولعل أحد الأمثلة على ما نقول هو فكرة المجتمع المصري عن المرأة حيث تسود الفكرة القائلة بأن المرأة أقل من الرجل في كل شيء، وان الرجل أفضل من المرأة في كل شيء، وفي هذا الجو اكتسبت قصة "ضلع آدم" (تك ٢: 21) معنى غير المعنى الحقيقي، وكذلك النصوص التي تتحدث عن الرجل كرأس للمرأة حيث سادت معاني الرأس كسيادة الرجل وسلطانه الذي لا تجرؤ المرأة على تحديه، بينما في العهد الجديد الرأس تعني الأصل أو البداية ولا تعني السيادة، وإنما أسقط المفسرون المعنى الأصلي لأنه يتعارض مع الفكر السائد.


    رابعًا: الثالوث ومجالات الخبرة الإنسانية:إذا كان الإنسان هو محصلة المجتمع بكل ما فيه، فما هي الأفكار والاختبارات السائدة التي تغلق وتسد طريق التصور الصحيح لوجود ثلاثة أقانيم في جوهر واحد.

    ١- خبرة التعدد:
    وهي أول ما يتلقاه الإنسان منذ طفولته، ويكفي أن يفتح أي إنسان عينيه ليجد "كثرة" من البشر تسير في الشوارع، ويلاحظ الطفل دون عناء وجود اختلافات في الشكل والأحجام والأسماء، وفي البلوغ يدرك الفوارق في الطبع .. كل هذا يطبع في عقل الإنسان شعورًا عميقًا واضحًا بالتعدد.

    ٢- خبرة الوحدة:
    والبشرية منذ فجر الحضارة تسعى إلى أشكال من الوحدة؛ لأن الإنسان يخاف من الصراعات بكل أشكالها، فهي تقود إلى الدم وإلى ضياع السلام والاستقرار، وما القانون والبوليس والجيش ثم المحاكم بكل أشكالها، ثم عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة إلاَّ مظاهر متعددة لحقيقة واحدة، وهي محاولات إبعاد الخلافات والسعي إلى الوحدة مع مراعاة مصالح الأطراف المتعددة. ومع هذا فقد حاول الإنسان جاهدًا الوصول إلى نوع من الوحدة، ولكنه اختبر مرارة الفشل. وعكست القوميات والنظريات والمذاهب بكل أشكالها فشل الإنسان.

    ورغم تقدم البشرية الهائل - لا سيما - في هذا القرن إلاَّ أن هناك حدود ورايات وجنسيات تفصل بين بلدان العالم، بل أحيانًا يرى الإنسان الحدود في داخل البلد الواحد، وهي الحدود الاقتصادية التي تفصل بين الأغنياء وأشقياء الأرض.

    فماذا عرف الإنسان عبر تاريخه الطويل؟ وما الذي ترسّب في وجدانه سوى الصراع ومحاولات الوصول إلى الاتفاق في وجه أخطار التعدد.
    ورغم أن الإنسان أقام اتحادات ونقابات وجمعيات إلاَّ إنها تطفح بالصراعات على مختلف أنواعها وتولد وتموت ليولد غيرها.

    هل هناك شوق حقيقي للوحدة؟

    إن تاريخ الإنسان يؤكد لنا وجود شوق عميق للوحدة والالتئام، وأبسط مظاهر هذا الشوق الإنساني هو عاطفة الحب التي تجعل الإنسان يضحي بجانب من حريته وأنانيته لكي يتزوج رغم ما في الزواج من متاعب وأعباء.
    ونظرة فاحصة على التاريخ السياسي تكشف نزوع الإنسان الدائم وشوقه الشديد إلى تكوين الجمعيات والأحزاب والمعاهدات والتحالفات، وهو وضع لا يمكن فهمه إلاَّ على أساس أن الإنسان ميال للاشتراك مع غيره من الناس في البحث عن حلول جماعية لكل مشاكله، وبالتالي فالإنسان يترع إلى الوحدة. وحتى الذين يدعون إلى التمسك بالفرد وحده، يضطرون إلى تنظيم جماعات خاصة بهم حتى لا تضيع دعوتهم في نهاية الأمر. فالإنسان ميال إلى الوحدة.

    لكن الإنسان رغم تفاؤله الشديد بما يمكن أن تأتي به المعرفة العلمية من تقارب وائتلاف بل ووحدة، يجد نفسه في النهاية عاجزًا أمام مشاكل الجشع والأنانية والتطرف في تطبيق السلطة، بل والتطرف في الوصول إلى الحرية. كما أن الإنسان عاجز رغم كل ذكائه على الوقوف أمام شهواته التي تمزق كل محاولات الوحدة وتقود إلى انقسامات.


    خامسًا: مجالات اختبار التعدد والوحدة في الحياة الروحية:
    إذا كانت نتيجة كل صراعات الإنسان في تاريخه الطويل هي مرارة الفشل في إدراك الوحدة، فما هي المجالات والفرص التي تقدمها المسيحية لك تهيئ الفرصة أمام الإنسان للوصول إلى رؤيا سليمة (وليس تصور) لوجود ثلاثة أقانيم في الجوهر الإلهي الواحد. كلٌ منهم متمايز عن غيره، فالآب ليس هو الابن، والابن ليس هو الآب، والروح القدس ليس هو الآب، ولا هو الابن ..
    وهكذا. فكل أقنوم متمايز عن غيره من الأقانيم، ومع هذا فهو يشارك غيره في كل شيء إلاَّ في الصفة الأقنومية أي أن الآب يشارك الابن كل شيء ما عدا البنوة، والابن يشارك الآب كل شيء ما عدا الأبوة.

    مما لا شك فيه أن إعلان هذه العقيدة على النحو الذي ذكرناه في السطور السابقة ليس غريبًا ولا بعيدًا عن الخبرة التي تقدمها الحياة المسيحية؛ لأنه إذا كان الثالوث بعيدٌ جدًا عن مجال خبرتنا الروحية، فما هو الداعي لهذه العقيدة، وكيف هي أساس كل شيء ولا توجد ولو ملامح منها في الحياة المسيحية.

    ١- اختبار المعمودية:
    إن الأمر بالتعميد باسم الآب والابن والروح القدس (متى ٢٨: 19) هو جوهر المعمودية، وهو ليس مجرد تلاوة لصيغة أو التمسك بوصية وإنما هو الحياة التي تقودنا إليها المعمودية.
    لقد أعلن الآب عن ابنه الأزلي وقدّمه لنا كنموذج لما سنصل إليه. فالآب - وهذه هي صفة الأقنوم الأول - يقبلنا كبنين في ابنه يسوع المسيح، وهذه هي صفة الأقنوم الثاني. ولكن ما هو عمل الروح القدس؟ إن دور الآب ليس دورًا سلبيًا وهو مجرد القبول، بل هو دورٌ ايجابي لأنه في الابن يرسل لنا روحه صارخًا "أبا أيها الآب" (غلاطية ٤: 5-6) فالروح يشهد لنا عن الآب أي أننا لا نُترك لذواتنا، ولكن يظل الله في محبته يعطينا الكثير من إحساناته، فلا تصبح نعمة البنوة مجرد فكر وخيال، بل حقيقة يحملها لنا الروح من الآب في النموذج الأصلي الأزلي أي الابن. أو يعلنها لنا الابن في ذاته كعطية من الآب يحققها الروح القدس. فإذا بدأنا البنوة من الروح وصلنا للآب، وإذا بدأنا البنوة من الابن وصلنا للآب، وإذا بدأنا من الآب وصلنا للابن وللروح القدس.
    ومع هذا يضيع اختبار المعمودية عند كثيرين بسبب الإهمال ولأنهم لم ينشأوا نشأة مسيحية سليمة.

    ٢- اختبار الإفخارستيا:
    على مستويين هامين يختبر كل فردٍ وجود المسيح فيه ثم وجوده هو في المسيح. ولكنه يختبر أيضًا وجود كل المؤمنين في المسيح ووجود المسيح في كل المؤمنين. هذا التعدد قائم في حقيقة وجود المؤمنين. فكل منا ليس مثل الآخر ولن يكون، ولكن مجال الوحدة مفتوح بوجود المسيح في الكل ووجود الكل في المسيح.
    في الإفخارستيا نحن نصطدم بعطاء المسيح ذاته لنا. وفي كل مرة نحاول أن نحصر شكل ونوع هذا العطاء نجد أنفسنا في فراغ. هذا الفراغ يسبب بعض التساؤلات والشك عن البعض. وعدم قابلية خضوع المسيح للفحص، ليس لأنه عطاء سري، بل لأن إدراك المسيح لا يتم فرديًا، بل جماعيًا؛ ولأننا نتحول إلى من يطلبون معرفة، لا إلى من يسعون بتواضع إلى قبول الوحدة. وكل مرة أغلق الرب أعيننا عن رؤيته في الآخرين أو رؤية الآخرين له فينا كانت بسبب شدة تمسكنا بحب الاستطلاع ومحاولتنا التسلق وليس مد أيدينا لتلقي الإحسان.
    الإفخارستيا تمهد الطريق لتذوق الثالوث؛ لأننا نقبل سريًا شخصًا مختلفًا عنا، ولكننا نقبله كما هو ووفق شروطه الخاصة. ولكن هو أيضًا بدوره يقبلنا كما نحن. هذا القبول يفوق الاحتضان والقبلات وكل أشكال الترحيب والمحبة، إنه قبول السكنى والكينونة "من يأكل جسدي يكون فيَّ وأنا أكون فيه" (يوحنا ٦: 56).
    والمسيح الذي يقبلنا لا يتحول ويصبح كأي واحدٍ منا، كما أننا رغم أننا نأخذ من طبيعة المسيح الكثير، إلاَّ أنه ولا واحد منا يتحول ويصبح مثل المسيح، أي يفقد مميزات شخصيته وكيانه.
    هذه العلاقة مثل علاقة الأقانيم، فلا يفقد الآب أبوته رغم أنه في الابن، ولا يفقد الابن بنوته رغم أنه في الآب. يظل الآب هو الآب والابن هو الابن كلاهما متمايز عن الآخر "أنا في الآب والآب فيَّ" (يوحنا 14: 11)
    ولكن عطاء الآب لذاته أو وجوده في الابن، ووجود الابن فيه هو تام وكامل لأنه مبني على وحدة الجوهر ووحدة الإرادة.
    إن الخوف من الاستسلام والحرص على كياننا لئلا يصيبه شيء، يعطل اتحادنا بالمسيح. نحن نأخذه تحت تأثير الخوف من الموت، والخوف من الموت يولِّد فينا حرصًا على الحياة وتمسكًا بالبقاء كما نفهمه، وهذا يجعلنا غير قادرين على إدراك عمق اتحادنا بالمسيح.

    ٣- اختبار الزيجة:
    "يترك الرجل أباه وأمه يلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا" (تك2 : 24). لا تلغي الزيجة بقاء الزوج كرجل وبقاء الزوجة كامرأة، وهذا هو التعدد أو الثنائية ولكنها تجعل الاثنين واحدًا. والإرادة الواحدة والفكر الواحد لا يوجدان إلاَّ في جسد واحد أي الشخص الواحد. إذا وجدت إرادتان في شخص واحد كان منقسمًا، وإذا وجدت إرادتان في شخصين كان هذا هو الوضع الطبيعي، ولكن عندما تصبح الإرادتان إرادة واحدة يصبح الشخصان واحدًا، وهو البقاء في عمل النعمة.
    من المفروض أن يفهم المتزوجون الثالوث، أي التعدد والوحدانية بدون عناء، ذلك أنهم يختبرون وجود الآخر في شركة اتحاد عميق فيها تضحية، وبذلك تأخذ شكل محبة وبذل المسيح وخدمته للكنيسة.

    لكن من الملاحظ أن ليس كل الذين يتزوجون في الكنيسة يختبرون عمق التعدد والوحدانية؛ لأن الشهوات والأوضاع المالية وغيرها تصبح هي محور الحياة، والأرضية الرخوة التي يقف عليها المتزوجون فيغوصون في رمال العالم ويصبحون أحيانًا أسوأ واقع للحياة الإنسانية المنتسبة إلى المسيح.
    ويمر اختبار الوحدة عادًة في الزيجة بفترة شتاءٍ قاسٍ عندما تسود الشهوات، ويصبح كل طرف يريد الاستحواذ على الآخر. أو عندما يتحول الشريك إلى أداة، أو بلغة الثالوث يفقد وجوده كأقنوم (شخص) ويصبح مجرد متعة. وحقيقة الخطية (إذا كان في الخطية أي حقيقة)، هي انهيار العلاقات الشخصية ليس بين الإنسان والله فقط، بل أيضًا بين الإنسان والإنسان. فقد تسود الكبرياء وشهوة التسلط ويصبح الآخر مجرد متعة أو أداة تسلية. ويحدث هذا في حالات الغضب عندما يتحول الانفعال إلى رغبة في تحطيم الآخر معنويًا أو فكريًا أو ماديًا .. في مثل هذه اللحظات ينهار وجود الآخر تمامًا بالنسبة للمتكبر والغضوب، ولا يصبح الآخر شخصًا، بل يختفي تمامًا كشخص.

    وهذا هو محور عقيدة الثالوث أن يظل الله ثلاثة أقانيم في الواحد لكي ينعكس هذا على حياة الإنسان ويصبح كل إنسان، أقنومًا له كيانه وصفاته، وأن يقبل الآخر في نعمة المسيح ومن أجل الوحدة.
    ويعرف المتزوجون أيضًا أن لحظات المحبة القوية هي زوال "للأنا"، وقبولٌ مطلقٌ للآخر بدون قيود أو شروط، وعندما يصبح هذا القبول متبادلاً تتم الوحدة بشكل جارف. والمحبة هي دعامة الاتحاد في الزيجة، والمحبة هي من الله، بل هي إحدى مواهب الروح القدس (١ كورنثوس ١٣: 1-9) طلب الرسول منا أن نطلبها من الله.
    ويتحقق في المحبة بقاء الآخر تمامًا، بل الحرص الشديد على بقائه وقبوله ولا يصبح بذلك أداًة تستهلك مثل رغيف الخبز أو قطعة حلوى يتمتع بها بل مقبولاً تمامًا وباقيًا في دائرة الوحدة.
    والبقاء في دائرة الوحدة يعني أن يظل الشخص محتفظًا بكل ما يميزه (فيما عدا الخطية والقوة التي تصنع الانقسام). هذا الاختبار يقودنا مباشرة إلى تذوق حقيقة الثالوث، ولكنه أقل بقليل من معرفتنا بالآب والابن والروح القدس، ولكن جوهر الاختبار هو ناموس المحبة الذي يسمح بالحرية ويسمح بالوحدة دون أن يتحول الزوج والزوجة إلى سبيكة، وتصبح الطبيعة البشرية واحدة في الرجل والمرأة مع تمايز في الشخصية، وهذه هي انفراجة في الواقع تطل على عالم الآب والابن والروح القدس.
    ولعل هذا يجعلنا ندرك أن وصية المحبة في المسيحية هي طريق للثالوث وجزء جوهري من نسيج هذه العقيدة.


    الكنيسة هي صورة الثالوث على الأرض:
    صلى الرب لأجلنا وطلب أن نكون "واحدًا" كما أنه هو والآب واحد (يو ١٧: 20) والذي يقرأ سفر الأعمال ويسمع عن "القلب الواحد والنفس الواحدة" (4: 32) يعرف أن خلف الحياة الروحية الممتازة التي تعيشها الكنيسة الرسولية يوجد النموذج الرائع الذي يعطي هذه الحياة ويشعل نار المحبة فتسير الكنيسة في نوره تهتدي به هو.
    لقد جاء لكي يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد (يو11: 52) أي إليه هو، ولذلك كان أكبر عطاء للإنسانية هو تأسيس الكنيسة. وقد يبدو من الظاهر أن الكنيسة لا علاقة لها بالمرة باختبارنا للثالوث، ولكن الواقع الروحي يقول العكس. ففي الكنيسة يتم جمع أو ضم (أعمال 2) كل المتفرقين والمتباعدين إلى واحد. يصبح الكل جسدًا واحدًا هو جسد المسيح (أقرأ بعناية ١ كورنثوس ١٢: 1-13)
    لقد كانت غاية التجسد، أن يضم الابن الوحيد أفراد الجنس البشري المتصارعين إلى شخصه الواحد. والجسد البشري هو العنصر المشترك الوحيد بين الإنسانية وبين الرب يسوع هذا العنصر هو حي بلا موت، بل بقوة القيامة في المسيح يسوع وحده بسبب اتحاد اللاهوت به. ولذلك، فإن كل من يتصل بالمسيح تسري فيه قوة القيامة من المسيح الواحد. ومن ناسوته تصل إلينا كل هبات اللاهوت، ولذلك تحتل علاقتنا بجسد المسيح كل شيء في الكنيسة. فنحن نُصلب معه ونموت معه وندفن معه (رومية ص ٦) من أجل القيامة.

    والمعمودية هي سر الكنيسة الأولي لأنخا تدخل بنا إلى اتحاد بالمسيح. والإفخارستيا سر جسد المسيح أيضًا حيث نناله هو بذاته.
    المسيح يوزع علينا جميعًا، فنصبح بالحق أعضاء جسده (أف4: 16) لا يصبح أيٌ منا جسد المسيح، ولكن نصبح نحن جميعًا جسد المسيح (1كورنثوس 12: 27) والعهد الجديد يؤكد على هذه التعبيرات الدقيقة إننا جميعًا أعضاء جسد المسيح، أو حجارة هيكل الله (1بط 2: 5) ليس أي منا هيكلاً، ولكن الكل معًا هو الهيكل.

    ولا شيء يجعلنا جسد المسيح سوى جسد المسيح نفسه، وربما يندهش البعض من الحديث عن زواج الإنسانية بالمسيح في العهد الجديد (أف5: 22) ولكن كما يصبح الرجل والمرأة جسدًا واحدًا، كذلك يصبح كل البشر جسدًا واحدًا هو جسد المسيح "فكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وان جميع أعضاء الجسد مع كونها كثيرة هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضًا.
    فإننا جميعًا قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد .. وسقينا جميعًا من روح واحد (1كورنثوس 12: 13). الوحدة هنا هي وحدة الجسد الواحد، والتعدد هنا هو تعدد في الوظائف وفي الأعضاء، وهو ما يؤكده الرسول في حديثه عن المواهب ذلك أن كل شخص منا لا يأخذ ذات المواهب التي يأخذها غيره من الناس (١ كورنثوس ١٢: 14-26). وصلة زواج المسيح بالكنيسة كما يعبر عنها الرسول بولس "يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم الخاصة من أحب امرأته أحب نفسه فإنه ما من أحد أبغض جسده الخاص بل إنما يغذيه ويعتني به كما يفعل المسيح بالكنيسة أو لسنا أعضاء جسده (اف5: 29-30). هذه العلاقة القوية سوف نؤجل الحديث عنها إلى حين، ولكن كما هو واضح نصبح في الكنيسة أعضاء جسد واحد ليس جسد الكاهن أو العلماني، بل جسد المسيح وتصبح الكثرة أو التعدد في الأعضاء هو تعدد في الوظائف، وتظل العين عينًا والقدم قدمًا أي لا تفقد وجودها وكيانها وتميزها ولكن تفقد استقلالها تمامًا؛ لأن الاستقلال هو انقسام والانقسام هو بتر العضو.
    فإذا نشطت الكنيسة روحيًا أمكن لنا أن نرى في داخلها، أي داخلنا صورة عمل الثالوث، ولكن متى سادت روح الانقسام والسلطة وأصبح كل شيء قائم لمصلحة أفراد دون أفراد، وأصبح لكل عهد رجاله وأشخاصه المتميزون، وتحولت الكنيسة إلى أحزاب وفئات متصارعة، أصبحت الكنيسة غير قادرة على استيعاب عقيدة الثالوث، وتنشأ في الكنيسة أجيال ساقطة لم تختبر الوحدة، وتفقد الكنيسة رسالتها في عالم حسب كل شرائعه عالم منقسم.

    فهل يمكن أن تحدث أجيالاً اختبرت العراك وصراعات اللجان ومشاجرات الكهنة، عن الثالوث الواحد وآذانهم وعيونهم لم تسمع ولم تر سوى صرخات اليأس من الوحدة والالتئام حول المسيح الواحد.
    من أين يتذوق المؤمنون سر التعدد والوحدة؟ ليس من كتب اللاهوت، بل من الواقع الروحي الذي كلما ارتفع أصبح من الممكن أن نسمع عن عمل الأقانيم بدون أن يتولد فينا شعور بالغرابة أو عدم الفهم، وأن نسمع عن وحدة الآب والابن والروح القدس دون عناء ومشقة؛ لأن هذه الوحدة نابعة من فوق ومنسكبة فينا وهي سر وجود وبقاء كل شيء في الكنيسة.

    كلما تحدثت الكنيسة عن الثالوث كلما أدركت بشاعة خطية الانقسام. وكلما حاولت التشبه بالثالوث كلما اختفت روح التحزب والرئاسة. ويوم تقترب كنيستنا من الثالوث وتحيا فيه يوم يصبح الحديث عن الثالوث على أفواه الأطفال.

    يا ليت الآب والابن والروح القدس ينعم علينا بهذا قبل فوات الأوان.


    يتبع>>

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  2. #2
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي المشاكل الفكرية في التوحيد.. اللغة، واحد، الجانب السلبي لكلمة واحد، قبل وبعد السقوط

    المقالة الثانية

    في المقالة السابقة حاولنا قدر الإمكان أن نفهم معًا المصاعب التي تقف في طريق اختبار الثالوث. على المستوى الفردي كانت الصعوبة الأولى هي فصل عقيدة الثالوث عن الحياة الروحية وعن البناء اللاهوتي العقيدي، وقد أدى هذا الفصل إلى انعزال عقيدة الثالوث عن باقي العقائد.

    على المستوى الجماعي يُعد ضعف اختبار الكنيسة للوحدة والتعدد هو المشكلة الأولى التي تقف في سبيل تذوق حقيقة تعدد الأفراد ووحدم، وهو الطريق الروحي السليم والوحيد لتذوق الثلاثة في الواحد.

    المشاكل الفكرية:
    يهمنا أن نطرح إحدى المشاكل الأساسية، وهي مشكلة عقلية بحتة لا علاقة لها بموضوع الثالوث ولكنها مرتبطة ذا الموضوع بشكل واضح معروف لنا.


    أو لاً: مشكلة اللغة:
    على الرغم مما قيل وما سيقال عن أصل اللغة عند الإنسان، سواء أكان أصلها مادي بحت (5) حسب اعتقاد برتراند رسل Russell الذي دافع عن فكرة واحدة، وهي نشوء كل الألفاظ والمفردات من واقع خبرة الإنسان اليومية وعلاقته بالطبيعة المادية فقط. وهو بالطبع ما يجعل أي فيلسوف عاجز عن شرح أسباب تطور الفكر البشري إلى نظريات وقضايا فكرية مجردة، ذلك أن نشوء اللغة وارتباطها بالواقع المادي فقط يجعل تطور الفكر محصورًا في الواقع المادي فقط، وهو ما أكدت عكسه توالد النظريات الفلسفية والسياسية معتمدة على أبعاد المعنى المادي للكلمات وإدخال معنى جديد، بل وإخراج كلمات جديدة ( ٦). ونحن لا يجب أن نناقش معنى اللغة وأصلها، فذلك موضوع بعيد تمامًا عن الموضوع الذي نحن بصدده.


    ولكن لا يمكن أن نغفل عن حقيقتين أساسيتين:
    1. ١- إن اللغة مرتبطة تمامًا بالواقع المادي، وإلاَّ عجز الإنسان عن التعامل تمامًا مع ما يحيط به من بشر وأشياء مادية.
    2. إن اللغة مرتبطة أيضًا بالفكر البشري، وتتطور مع تطور الفكر، فليس لدينا لغة واحدة غير متطورة تخترع الكلمات الجديدة وتطور الكلمات القديمة.
    وهذا يعني في النهاية أن أصل اللغة المادي لا يمنع من تطور كلمة مادية بحتة ويضفي عليها معنى غير مادي عندما يتطور وجدان وعقل الإنسان ويصبح قادرًا على فهم وتقبل هذه الحقيقة الجديدة.

    مثال: مما لا شك فيه أن كلمة "بيت" تعني أصلاً المكان الذي يعيش فيه الإنسان وهي تعني بالدرجة الأولى البناء المكون من عدد من الحجرات، وقد جاء هذا المعنى بكل وضوح في (التكوين ٥: 11). ولكن على الرغم من ارتباط فعل بنى ويبني بالبناء وبالبيوت، إلاَّ أن الفعل خرج عن معنى بناء البيت المادي إلى معنى غير مادي وهو معنى بنيان وبناء الكنيسة الروحي "حتى تنال الكنيسة بنيانًا" (١ كورنثوس ١٤: 5) أو "ليكن كل شيء للبنيان" (١ كورنثوس ١٤ : ٢٦)، ومما لا شك فيه أن البنيان هنا = الصلاح والخير للكل.

    وتحول الفعل أيضًا للحديث عن الخدمة وجاء التعبير "بنيان جسد المسيح" (أف ٤:١٢) ومن الواضح أن جسد المسيح لا يُبنى مثل البيوت أو المباني وهذه حقيقة، لكن جسد المسيح يتسع وتضاف إليه ليس حجرات، بل أعضاء جديدة.

    وعلى الرغم من ارتباط البناء باستخدام الحجارة إلا أن النبي حينما يقول "اسمعوا هذا يا رؤساء بيت يعقوب .. الذين يبنون صهيون بالدماء وأورشليم بالظلم" (ميخا ٣: 9-10)، ففي هذا النص الفريد نرى أن كلمة بيت اتسعت وأصبحت تعني كل أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وبهذا خرجت الكلمة تمامًا من واقعها المادي وأصبحت تعني الأفراد لا الحجارة، كذلك أصبح فعل يبني لا يعني البناء وصف الحجارة، بل استخدام العنف والظلم أي إرساء قاعدة للعدوان والاستغلال.

    هكذا تتطور اللغة مفسحة المجال للاختبار الجديد وهو اتساع البيت غير المادي ونموه في عدد الأفراد لا في عدد الحجرات ليصبح بيت يعقوب بالمعنى الإنساني لا المعنى المادي القديم.

    إذا طبقنا هذا على اللاهوت، فإن خير مثال هو الحديث عن وحدانية الله من الجانب اللغوي المحض.

    كلمة "واحد"
    مما لا شك فيه أن كلمة "واحد" مرتبطة بالخبرة الحسابية عند الإنسان، ولعل هذا هو أقدم استخدام لها في اللغة البشرية، ذلك أن الإنسان وإن كان قد عرف الأرقام بعدما عرف الكلمات على اعتبار أن الكلمات تسبق العملية الحسابية، وهي أكثر تعقيدًا من مجرد الفكر إلا أن أسماء الأرقام واحد - اثنين - ثلاثة سبقت الأرقام نفسها، وهذه مسألة بديهية. لكن الأرقام لم تكن مرتبطة بالمرة بخبرة مادية، وعملية الإحصاء والترتيب تستند على الواقع المادي في الزراعة والتجارة، فالإنسان محتاج إلى أن يرتب ويرقم كل ممتلكاته.


    ولذلك وحده وكما يعرف علماء الرياضة أن واحد = رقم محدود القيمة. وبالتالي لا يمكن أن نصف الله بأنه "واحد" من الناحية الحسابية. لأن هذا إهانة للقدير الذي لا حدود بالمرة لقدرته وقوته. الله لا يمكن أن يكون واحدًا، أي حتمية حسابية، ولكن في دنيا الأشخاص تكتسب كلمة واحد معنى آخر غير حسابي بالمرة فيه نوع من الغموض وعدم التحديد. ونلمح هذا في حديث الرب "واحد منكم يسلمني" (متى ٢٦: ٢١). وعلى الرغم من أن هذه العبارة فيها تحديد عددي أي أن عدد الذين سيسلمون الرب = ١ إلاَّ أنه من الواضح أن العبارة تحمل رغبة القائل في إخفاء هوية واسم هذا الواحد، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك إذ بدأ التلاميذ في التساؤل عن شخصية الخائن. هنا أصبحت كلمة واحد، رغم أصلها العددي ورغم قيمتها الحسابية = شخصًا مجهولاً غير معروف. وهذا واضح أيضًا "واحد من الذين مع يسوع ضرب عبد .. وقطع أذنه" (متى ٢٦: 51).

    وقد خرجت كلمة واحد تمامًا عن معناها الحسابي عندما تطورت حياة الإنسان. لاحظ كيف يستخدم عزرا كلمة واحد "اجتمع الشعب كرجل واحد" (عز ٣: ١) أو في العهد الجديد "وصنع من دم واحد كل الساكنين على الأرض" (أع ١٧: ٢٦). وفي كلا النصين أصبحت كلمة واحد تفيد الوحدة بدون تحديد للقيمة الحسابية المحدودة. ومما لا شك فيه أن اجتماع الشعب كرجل واحد يعني أن كثرة من البشر صار لها رأيٌ واحد بدون افتراق أو منازعة، أو صارت له كلمة واحدة مثل العبارة الدارجة في مصر لا سيما في الصعيد "كلام واحد". وهذا المعنى نراه في عبارة "الدم الواحد" وفيه ليس الوحدة فقط، بل المساواة أي انه لا يوجد فرق بين الناس في اللغة أو الشكل أو القومية لا يوجد إنسان أفضل من إنسان آخر.

    وفي رؤيا حزقيال يقول النبي "ونظرت وإذا أربع بكرات بجانب الكروبيم .. ومنظرهن شكل واحد للأربع" ( ١٠: 9-١٠). والشكل الواحد للأربع يعني هنا بلا شك تعدد الشكل من الناحية الحسابية، ذلك أن وجود أربع أشياء مثل بعضها في الشكل يعني وحدة الشكل وتعدد في الوجود - شكل البكرات واحد ولكن البكرات أربعة. الشكل يتعدد نظرًا لتعدد الأشياء التي تحمله، ولكن يظل الشكل واحدًا لا اختلاف في تعدده.

    لنتصور وجود أربعة من البشر كل منهم مثل الآخر تمامًا، أو أربع قطع من عملة واحدة مثل الخمس قروش. كيف يصف الإنسان لغويًا هذه الظاهرة؟ يمكنه أن يقول "نسخ مكررة" ويمكنه أن يقول "أربعة في بعض" ويمكنه أن يقول "الأربعة شكلهم واحد" ويمكنه أن يقول أيضًا "واحد مكرر" ولكن في كل هذه التعبيرات رغم اختلاف تركيبها اللفظي تحمل للعقل البشري إدراك وجود أكثر من شيء واشتراك هذه الأشياء في عنصر واحد يجمعها هو الشكل أو الجوهر. وفي هذا الإطار يجب أن نفهم هذه العبارة "وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا" (تك ١١: ١) ورغم أن اللسان الواحد يجعل الإنسان يفكر فعلاً في ذلك العضو الموجود في كل فم إلا أن كلمة لسان = لغة وهذا يؤكد ما قلناه عن تطور معاني الكلمات، لكن بالأكثر نجد في اللغة الواحدة ليس كمًا حسابيًا، بل الوحدة أو العنصر الذي يجمع البشر معًا بدون وجود تقدير حسابي.

    وفي نفس المجال يتحدث الرب يسوع عن جماعة التلاميذ ويطلب من الآب "ليكونوا واحدًا" (يو ١٧: ١١ و ٢١ ). وهنا التقدير لكلمة واحد ظاهر في وجود الفعل يكونوا وهو دلالة للجماعة وليس للفرد، ومع هذا هؤلاء جميعًا سيصبحون واحدًا، وهي وحدة لا يمكن أن تختفي منها الأشكال والأسماء وإنما يختفي منها الانقسام والانعزالية والتشبث بالرأي من أجل الأنانية، وبذلك يصبح الكل معًا واحدًا رغم التعدد.

    وفي مواجهة الخطر يصف نحميا ما كان يحدث عند بناء السور "البانون على السور بنوا، وحاملوا الأحمال حملوا. باليد الواحدة يعملون العمل وبالأخرى يمسكون السلاح" (نحميا ٤: 17). واليد الواحدة تعني اتساق ونظام العمل في البناء، لكن تعني أيضًا توزيع العمل بين اليد التي تعمل واليد الأخرى التي تمسك بالسلاح. وقد دخل هذا التعبير في كل أناشيد الثورات من الثورة الأمريكية إلى الثورة المصرية، ولعل القارئ يعرف الأغنية المصرية المشهورة "بأيد نبني وأيد ندافع .." وبالطبع لا يمكن هنا أن نتصور أن أيادي أي شعب قد تحولت إلى يد واحدة فهذا لا يحدث في الواقع المادي، لكن على مستوى الاختبار الجماعي يشعر كل فرد انه يعمل مع غيره وان اليد واحدة فعلاً رغم تعدد الأيادي، ولكن علينا أن ندرك أن اليد الواحدة للشعب تعني ضرورة وجود التعدد وضرورة وجود الأفراد، ولكن بجانب ذلك يجب أن تكون الوحدة موجودة فعلاً وإلا استحال وجود اليد الواحدة حتى كتعبير.

    وكأن كلمة واحد هنا خرجت تمامًا عن معناها الحسابي ودخلت مجال العلاقات البشرية والثورات وأصبحت تعني المسئولية المباشرة للجميع، وبذلك تحولت كلمة واحد إلى مضمون آخر غير مادي بالمرة وهو الجميع أو الجماعة المتضامنة وصار مدلول كلمة واحد هنا الوحدة ( ٧) النفس الواحدة في (أعمال ٢: 25 و46، 15: 25).

    الجانب السلبي لكلمة واحد:
    غير أن لكل كلمة من كلمات أي لغة جانب سلبي قد يكون في بقاء أصل الكلمة المادي وقد يكون في شدة ارتباط الكلمة بالخبرة الحسابية. وفي الحقيقة أن الإنسان أينما كان ورث شيئًا هامًا يُعرف في الفلسفة وعلم النفس باسم Negation أي الإنكار - النفي - السلب - النقيض.


    ورغم أن النظريات تتضارب في أصل هذه القوة وسبب وجودها في حياة الإنسان إلاَّ أنها موجودة فعلاً ويلجأ إليها الإنسان في لحظات الصفاء وفي لحظات الخوف. وقدرة الإنسان على النفي أو الإنكار أو السلب أو خلق النقيض هائلة ولا حدود لها. وليس هذا هو المجال للحديث عن أشكال وصور Negation ولكن في الخبرة الإنسانية وبالذات في المجال الديني يحتاج الإنسان إلى النفي في مواجهة الأفكار والعادات التي تتعارض مع إيمانه وقد يكتفي الإنسان بمجرد النفي وقد يتطور النفي ويصبح خلق النقيض على شكل فكرة أو مبدأ. ولعل أفضل مثال للعلاقة بين الفكرة ونفيها أو نقيضها هو التوحيد والشرك والتوحيد هو الاعتراف باله واحد. أمّا الشرك فهو الاعتراف بعدد من الآلهة - أو واحد من الآلهة يشارك الله.

    ويختلف علماء تاريخ الأديان حول تفسير ظاهرة الشرك أو تعدد الآلهة وهل سبق التوحيد الشرك أم سبق الشرك التوحيد؟ وهذا السؤال على قدر كبير من الأهمية ذلك أن صيغة الاعتراف باله واحد هي صيغة نفي وبالتالي فهي ترفض الشرك ووجود مثل هذه الصيغة يعني أن الشرك سبق التوحيد أو على الأقل سار معه منذ البداية.
    وإذا سبق التوحيد الشرك أصبحت صيغ الاعتراف بالتوحيد مرتبطة بالاعتراف بشكل مباشر بالتوحيد من جانبه الايجابي.

    ولكي لا يصعب الموضوع يمكننا أن نلجأ إلى الكتاب المقدس مباشرة لكي نفهم ماذا تعني عبارة "إله واحد" وكيف يمكن أن تتطور صيغة الاعتراف باله واحد من الناحية الايجابية إلى النواحي السلبية.

    ما قبل السقوط:
    تاريخيًا كانت علاقة الله بالإنسان على أفضل وضع إلى أن حدث السقوط. هنا في هذه المرحلة أي ما قبل السقوط لم يكن لعبارة إله واحد أي مدلول أو معنى لأن الإنسان كان يدرك الله بطريقة سليمة لا انحراف فيها وكان الله هو كل شيء بالنسبة للإنسان في هذه المرحلة بالذات جاء الاسم العبراني "ألوهيم" ويمكن ترجمتها إلى "الآلهة" حيث أن الياء والميم هي صيغة الجمع المذكر السالم في العبرانية. ولكن "ألوهيم" في سفر التكوين وهو سفر بداية الخليقة وبداية الحياة الإنسانية هو مفرد. حيث يجيء الفعل في تكوين ١: ١ "خلق" وليس "خلقوا" "في البدء خلق ألوهيم السماء والأرض".


    ومن هنا ندرك حتمية السؤال عن علاقة الشرك بالتوحيد، لأن عددًا لا يستهان به من علماء العهد القديم واللغة العبرانية تمسكوا بالقول بأن "ألوهيم" تعبر عن مرحلة الشرك التي مر بها بنو إسرائيل. غير أن هؤلاء عجزوا عن شرح أسباب وجود كل الأفعال الخاصة بألوهيم بصيغة المفرد مثل خلق - قال - رأى.

    والتفسير المسيحي كما تعرف للنصوص الخاصة بصيغة الجمع لا سيما "هوذا الإنسان قدصار كواحد منا" (تك ٣: ٢٢) تشير بشكل مباشر للثالوث الآب والابن والروح القدس. وهو تفسير صحيح يمكننا أن نراه على مستوى واقعي، بل وفلسفي أيضًا.

    كانت معرفة آدم بالله هي معرفٌة به على أنه "ألوهيم" وليس بذات الشكل الذي نتصور به الوحدانية اليوم. فمن المستحيل أن تنشأ كلمة "واحد" في عقل لم يتلوث بالشرك، ولذلك، تأكيد الاعتراف بالواحد هو متكرر في مرحلة الأنبياء لا سيما في الاعتراف المشهور "الرب إلهنا رب واحد" (تثنية ٦: ٤) لأن الكلام عن وحدانية الله في هذه المرحلة ضروري وأساسي حيث أحاطت الوثنية وتعدد الآلهة بكل شيء.

    لكن قبل السقوط؟ ماذا كانت نظرة آدم لله؟

    لم يعرف آدم الله كإله واحد لأنه لم يكن محتاجًا لأن يقارن بينه وبين آلهة أخرى ثم يصفه "بالواحد".
    ولم يعرف آدم الله كإله بالمعنى الحسابي، أي قيمة محدودة، ذلك أن الله كان كل شيء في حياة آدم ولم يكن محدودًا في نظر آدم بالمرة.

    فإذا تصورنا انعدام وجود الوثنية تمامًا.
    وإذا تصورنا انعدام الشرك.


    استطعنا أن نصل إلى حقيقة هامة، وهي أن كلمة واحد لم يكن لها ذات المعنى الذي نعرفه اليوم والذي نقرأه عند اشعياء مثلاً "ليس آخر سواه" (أش ٤٥: ٥)، أو كما يقول هوشع "لست تعرف ولا مخلص غيري" (هو ١٢: ١١ )، أو كما يقول سفر الأعمال "ليس اسم آخر تحت السماء" (أع ٤: ١٢ ) ذلك انه في وجود "الآخر" فقط تصبح كلمة "الواحد" أساسية وهامة، وهذا هو الجانب السلبي في التوحيد. أي انه نفي للتعدد والشرك. غير أن الله وهو يُظهر نفسه لآدم ويُعلن له عن ذاته لا يًظهر نفسه كواحد، أو الواحد. وهذا هو معنى كلام الله لموسى النبي انه لم يكن معروفًا للبطاركة باسم "يهوه" أي "الذي هو كائن". حقيقي أن الله عُرِفَ باسم "أيل" وأسماء أخرى مثل "فنوئيل". إلا أن مرحلة المعرفة المباشرة بالله تتعدى كل الأسماء والتحديدات، وهي مرحلة سابقة على النطق بأي شيء عن الله، وهي مرحلة نمر بها أحيانًا في الصلاة عندما تصبح الكلمات والأسماء مجرد إشارات إلى ما هو وراء الكلمات والأسماء، وهي مرحلة آدم قبل السقوط.

    كان آدم يعرف الله كما يعرف أي إنسان صديقه، وكان حديث الله مع آدم حديثًا مباشرًا لا نعرف عنه إلا القليل لأنه فوق إدراكنا.

    ما بعد السقوط:
    وسقط آدم وأصبحت ذاته ونفسه هي كل شيء، وأصبح يحتاج إلى ذاكرته لكي تسعفه وتجعله يذكر الله وأصبح يحتاج إلى اسم وإلى إعلانات عن الله؛ لأن آدم حجب وجهه عن الله وأصبح راغبًا في الألوهة وأن يكون مثل الله (تك ٣: ٥) فأصبح منقسمًا على ذاته لا يدري ماذا يقول على الله وكيف يعبر عنه، ولكنه احتاج إلى أن يتذكر - لا سيما - بعد طرده من الفردوس أن الله آخر مختلف عنه تمامًا، وأنه مع محبته ورحمته شديد وقوي. كانت قوة الله في سلطانه على الخليقة، ولكن الآن صارت قوة الله مختلطة بالذنب وتوقع العقاب، فتحولت إلى قوة مخيفة واهتزت كل الاختبارات الحلوة المفرحة القديمة وأصبحت ذكريات لا علاقة لها بالواقع الذي يحياه آدم الآن خارج الفردوس.


    كيف فكر آدم بعد السقوط في الله؟ ربما كما نفكر نحن بعد عشرة حلوة مع الله ينسكب فيها الفرح والسلام وعذوبة حضور الله ثم نسقط أو تتوه عقولنا ويتعب فكرنا فنخرج خارج الفردوس ونعود نسأل أين الأيام الحلوة الجميلة "متى أجيء وأتراءى قدام الله. صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك" (مز ٤٢: 2-3). ولكن الذكريات الحلوة في الأردن وحرمون وجبل مصعر (مز ٤٢: ٦) يتهيأ الإنسان لانسكاب الله في موجات وموجات متدافعة تجعل المزمور يقول "لججك طمّت عليّ" (مز ٤٢: 7).

    نحن ندرك في مرحلة السقوط كم هو هام وضروري أن يصبح الله "واحدًا" وأن يصبح "لا إله غيره" ولا "آخر سواه" كل هذه التعبيرات أساسية في مواجهة انقسام الإنسان وتشتته وضعفه وهي مظاهر لشيء رهيب "لججك طمّت عليّ" (مز ٤٢: 7).

    الموت ووحدانية الله:
    لعل اختبار الموت هو أقسى ما يمر به الإنسان، إنه حسب شرح العلامة أوريجينوس "الموت = انفصال عن الله". وحقيقة انفصال الإنسان عن الله ظاهرة في كل يوم في جهل الإنسان بالله وعجزه عن إدراك أي شيء عنه مات الإنسان وأصبح بذلك محتاجًا لأن يصف الله بالواحد، بل "الواحد الذي لا يموت" كما نقول في التقديسات الثلاثة.




    الحواشي:
    (٥) An outline of Philosophy, London, 1927. p. 46-60
    (٦) W.M. Urban “Language and Reality”, London, 1939, p.306.

    (٧) راجع مقالة "الكنيسة واحدة دائمًا" مجلة مرقس، إصدار دير القديس مكاريوس الكبير-مصر، عدد نوفمبر ١٩٧٥.


    يتبع>>

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  3. #3
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي السقوط والموت، المحدود وغير المحدود، الموت ومشكلة اللغة، محاولات الإنسان لاختبار الله

    المقالة الثالثة

    مشكلة الموت واختبار الله
    اللهُ حقيقًة فوق الإدراك. ولا يختلف معنا أي إنسان على صحة هذه العبارة لكن مشكلة بقاء الله فوق الإدراك لها جذور في الطبيعة الإنسانية نفسها ذلك أن الطبيعة الإنسانية أصيبت وحلت بها نكبة "الموت".


    السقوط والموت في سفر التكوين:
    الموت ليس هو توقف القلب عن الحركة. هو انقطاع تدفق الحياة الإلهية في الإنسان. هو توقف علاقة الإنسان بالله أو هو موت هذه العلاقة. وقد عبّر سفر التكوين عن هذه المأساة بقصة، ذلك أن المأساة لا يمكن أن تكتب إلا بطريقة قصصية.


    كانت إحدى نتائج السقوط هو شعور آدم وحواء بما تعبّر عنه هذه الكلمات "وانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان" (تك ٣:٧). وانفتاح العين هي حالة إدراكٍ داخلي رافقها شعورٌ انعكس على الجسد. والشعور بالعري هو إدراك العجز والضعف، هو شعور بالعدم Nothingness وهو يختفي وراء الرغبة في الملابس، أي البحث عن رمز أو شيء يجعل الإنسان يشعر بالحياة وبأنه على ما يرام.

    لكن من زاوية أخرى، فَقَدَ آدم علاقته بالله، ولذلك ما أن سمع صوته حتى اختبأ في وسط شجر الجنة (تك ٣: ٨) وهنا الشعور بالضعف والعدم يرتبط بالشعور بالخجل. كان آدم يخجل من ذاته لأنه وصل إلى تلك الحالة. وكان يخجل من الله لأنه رفض الله. وفي أعمق الشعور بالذنب بَحَثَ عن مكان يختبئ فيه. وبدت الحياة غريبة بعد السقوط، بدت غريبة بسبب الموت. والشعور بالغربة عن الوجود هو من علامات الموت.

    والموت هو ضياع العلاقة مع الله، وهو أيضًا ضياع الهدف من الوجود. ولذلك يسأل الإنسان نفسه في كل زمان ومكان: مَن أنا؟ والسؤال عن هوية الإنسان هو سؤال نابع من الشعور بالعدم. والسؤال: مَن هو الله؟ هو سؤال مَن اغترب عن الله. هو سؤال من يموت عن سبب الحياة. وهكذا بدأت أزمة الإنسان الرهيبة. كل شيء حوله غريب، وحقيقة الحياة تبدو لا طعم لها ولا هدف. في هذه الحالة وحدها يبدأ وضع التعريفات Definitions أي الانطلاق من الغرابة أو محاولة الخروج من الظلام.

    يقول القديس باسيليوس "لم يكن آدم محتاجًا لتعريف الله، كان يعرف الله ولم يكن محتاجًا لأن يتحدث مع نفسه أو مع غيره عن الله لأنه كان يتأمل الله بدون عناء" (عظة ١٣٨: ١١). لكن بعد السقوط كان اختباره القديم محتاجًا لمراجعة، وكان آدم محتاجًا لأن يتحدث مع نفسه عن الله في ضوء الواقع الجديد.

    و"الحديث مع النفس" هو حوار الإنسان مع نفسه، وهو حوار يحمل علامة أكيدة على انقطاع العلاقة مع الله.

    كان الإنسان يشتهي أن يكون مثل الله في المعرفة، وهو ما قصده سفر التكوين بهذا التعبير"معرفة الخير والشر" (تك ٣: 9) (8) لكن آدم طلب هذه المعرفة المطلقة عن طريق آخر غير طريق الله.

    هنا انفصل الإنسان وأصبح يعيش لذاته التي تسد عليه كل وسيلة لرؤية الله أو تأمل أي حقيقة من الحقائق .. بدأ الإنسان يشعر بذاته كمصدر للمعرفة وأصبحت كل معرفة تمتزج بما في ذات الإنسان وتتحول إلى معرفة ذاتية، أي تفقد موضوعيتها.

    منذ السقوط صارت كل حقائق الحياة ذاتية. وفقدت الإنسانية إمكانية الوصول إلى معرفة موضوعية للحقيقة، لأي حقيقة.

    أصبح الإنسان يقيس الخير والشر بمقياس ذاته، وأصبحت ذات الإنسان هي ركيزة كل شيء .. حتى في الكلام عن الله؟ نعم وبكل تأكيد. أصبح كل ما يخص الله بسبب الانفصال أو الموت ذاتيًا ينطلق من مفاهيم الإنسان وتعاريفه.

    المحدود وغير المحدود:
    لقد انتهت قصة السقوط بطرد آدم من الفردوس. وتقول القصة أن الله منع عنه الأكل من شجرة الحياة. أي أنه لم يستطع أن يأخذ الحياة من الله. وصارت حياته ذاتية تعتمد على ما في ذات الإنسان من قدرات وإمكانيات.


    إننا كثيرًا ما نخطئ عندما نتصور أن مأساة الإنسان مع الله هي صراع المحدود مع غير المحدود وعجز المحدود عن رؤية غير المحدود. لكن الحقيقة هي غير ذلك تمامًا. إننا نستطيع أن نتصور غير المحدود وان نضع له هذا الرمز الحسابي. ولكن عمق المشكلة ليس هو العجز، وإنما إذا ملأ غير المحدود العقل البشري عجز العقل عن رؤية أي شيء آخر. وقد عبر الأديب الكبير "توفيق الحكيم" عن هذا العجز في قصته المشهورة "أرني الله" عن إنسان سعى إلى رؤية الله، ففقد كل إحساس بالحياة. لكن الذي لم يكتشفه الأديب الكبير، أو ربما لم يعبّر عنه هو أن رؤية الله غير المحدود عند الإنسان بسبب انفصاله عن الله هي رؤية وليدة الصراع وليست رؤية وليدة الصفاء. ذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يعبر الفجوة التي تفصل بينه وبين الله. هذه الفجوة هي ذات الإنسان. هي نفس الإنسان. فليس من مانع أو عائق يحول دون رؤيتنا لله سوى ذواتنا. وقد أدرك أفلاطون هذه الحقيقة لكنه رأى أن محدودية الإنسان وعجزه سببها الجسد وليس الموت أو انفصال الإنسان. لكن آباء الكنيسة أدركوا أن رؤية غير المحدود ممكنة مع عدم فقدان رؤية العالم عندما يعود الإنسان إلى الله وعندما تتم المصالحة في المسيح.

    بعد السقوط صارت قضية معرفة الله على هذا النحو: "إمّا الله أو العالم". وأصبح حذف كل شيء في سبيل الوصول إلى الله هام جدًا لأن هذا الخوف هو دواء لذات الإنسان التي تسد عليه طريق معرفة الله.

    الموت ومشكلة اللغة:
    بعد انفصال الإنسان عن الله أصبحت معرفة الإنسان ذاتية، وأصبح الحوار بالكلمات والمفردات والبحث عن التعاريف أساسيًا. وأصبحت معرفة الإنسان بالله إنسانية تمامًا وتعتمد على ما في الإنسان وعلى ما خلقه الإنسان لذاته.

    تحول الله من "سر" Mystery إلى كلمة، إلى عبارة، أو عبارات. وأصبح الإنسان محتاجًا إلى وضع عبارات عن الله، ولكن كل عبارات الإنسان مهما كانت، عاجزة عن الإمساك أو القبض على "السر"، أي سر الحياة والوجود.

    لقد أصبحت كل كلمات الإنسان محدودة وعاجزة عن شرح اللاهوت. وأصبحت قضية الله كلمة يقولها الإنسان مثل "الله واحد"، وهنا فقد "السر" جماله.

    في الكنيسة "الرمز" يقودنا إلى السر. والكلمة تقودنا إلى ما وراء الكلمة، ولذلك تصرخ الكنيسة دائمًا بأن الإنسان محتاج إلى "العبور" إلى ما وراء الكلمات. أي عدم الوقوف أمام المصطلحات والمفردات لأنها تؤدي إلى تحجّر الفكر وتوقف النمو. الكلمة هنا مهما كانت تدخل عقل الإنسان وتموت فيه ويصبح العقل مقبرة وليس بؤرة حياة. وكم من مرات كان كلامنا عن الله ميتًا يحمل المصطلحات والحروف وليس المعاني والحقائق.

    مات الإنسان وجاءت كلماته تحمل الموت في ثناياها. وفي كلمات الإنسان كل تناقض الفكر وتضارب النظريات والعداوة والبغضة والعجز واليأس والقسوة، وهذه كلها ملامح الموت.

    لذلك لم يكن غريبًا أن يُدعى المسيح بالكلمة، لأنه هو "الكلمة الذي كان في البدء" (يوحنا ١: 1) والذي جاء لكي يحيي الإنسان ويحيي كلماته ويعطي له "كلمة حياة" (يوحنا ٦: 63).

    واللغة تنمو معنا، ولذلك يجد كل جيل مصطلحاته الخاصة ومفرداته الجديدة وتعريفاته، وكما تولد كلمات جديدة تموت الكلمات القديمة وتندثر، ومع ذلك تبقى اللغة في كل مكان وزمان تحمل الرؤية الذاتية بكل ما فيها من قصور.

    محاولات الإنسان لاختبار الله:
    على قدر ما يحدد الإنسان شكل الله وصفاته على قدر ما يحدد دون أن يدري مستقبل العلاقة مع الله. فإذا اكتفى الإنسان بالكلام عن "الله الواحد" أصبح مستقبل علاقة الإنسان مع هذا "الواحد" معروف. أصبحت العلاقة غامضة غير متداخلة مع الإنسان. وأصبح الله موضوعًا ميتًا لا يُلهم الإنسان بشيء. وفي ظل اعتناق وحدانية مطلقة غامضة تتحلل الحياة الروحية للإنسان، فلا ينعكس أي شيء من حياة الله على حياة الإنسان؛ لأن الله بكل ما فيه حُشِر في كلمةٍ واحدةٍ لا مدلول لها بالمرة سوى نفي التعدد والشرك. وهل يستطيع الإنسان أن يحصل على شيء ايجابي من شيء سلبي؟ وهل كان نفي قضية من القضايا لا يجنب الخطأ؟


    ومن ناحية أخرى سقط الإنسان في محاولة تصور الله كنقيض تام للإنسان وحاول الإنسان في هذه المحاولة أن يسلب من الصفات الإنسانية صفة المحدودية ويجمع هذه الصفات لتصبح الله.

    لقد سخر الفيلسوف الألماني فيورباخ Feurbach من هذه المحاولة في كتابه المشهور The Essence of Religion والذي نُشر في سنة ١٨٥١ وحاول فيه بكل أمانة أن يرد الإنسان إلى إنسانيته، أي أن يحذف هذه الصورة الإنسانية عن الله لكي يدرك الإنسان انه لا يفكر في الله، وإنما يفكر في ذاته.
    ومع أهمية ما يقوله فيورباخ نحتاج هنا إلى أن نؤكد:
    • (أ) أن صورة الله حينما يرسمها عقل الإنسان هي صورة ذاتية للإنسان.
    • (ب) أن صورة الله هذه في عقل الإنسان تحمل ما في الإنسان من صراع مع الموت وشعور بالغربة وانفصال عن الله.

    إنها "بديلٌ" لله الحقيقي، وهذا "البديل" هو الإنسان نفسه. وليس هذا سوى عودة إلى ما ذكره سفر التكوين عن السقوط والانفصال عن الله.

    لكن الذي لم يحاول فيورباخ أن يفهمه أو حتى يقترب منه، هو أن العلاقة بين الأصل والصورة. وقد أعلن الكتاب المقدس عن العلاقة بين الأصل والصورة يوم قال سفر التكوين "وخلق الله الإنسان على صورته" (تك ١: ٢٦).

    والعلاقة بين الأصل والصورة في دنيا الإنسان دائمًا متداخلة، لكن ليس إلى حد انعدام التمييز بين الأصل والصورة. ولكن كل ما في الصورة هو موجود في الأصل، والأصل وحده هو الذي يشرح حقيقة الصورة.

    ولم يحاول فيورباخ حتى في كتابه الآخر The Essence of Christianity أن يشرح سر وجود هذا السؤال الدائم عند الإنسان: من أنا؟ أليس هو سؤال عدم الاكتفاء بما بناه الإنسان من تصورات صائبة أو خاطئة.

    إن ظاهرة التدين عبر العصور محصورة في هذه النقطة التي لا يمكن الهروب منها وهي العلاقة بين الأصل الله، وبين الصورة الإنسان. بل إن أي حديث عن الله أو عن الإنسان لا يمكن بالمرة أن يفلت من هذه النقطة أو يتعداها، بوعي أو بدون وعي. وكيف يمكن أن يحدث هذا والإنسان مشغول بذاته وبالله.




    الحواشي
    (٨) وهو تعبير يعني معرفة كل شيء ونراه بكل وضوح في قول الجارية لداود الملك "سيدي الملك إنما هو مثل ملاك الله يفهم الخير والشر" ( ٢ صموئيل ١٤:١٧) أي أن داود يفهم كل شيء ويعبر برزلاي عن نفس الحقيقة "أنا ابن ثمانين سنة هل أميز بين الطيب والردئ" ( ٢ صموئيل ١٩: 35) أي عاجز تمامًا عن معرفة أي شيء راجع (تكوين ٣١: 24 و29، 2صموئيل 13: 22، تثنية 1: 39، صفنيا 1: 21). وسقوط الإنسان بطلب المعرفة الكاملة عن طريق آخر غير طريق الله يلغي تمامًا الرأي الفاسد الذي يشرح سقوط آدم وحواء بأنها كانت خبرة جنسية.



    انتهى
    الحوار عن الثالوث مع شخص،" وهمي"، غير مؤمن يتبع في موضوع مستقل...

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  4. #4
    أخ/ت جديد/ة الصورة الرمزية Bahej
    التسجيل: Nov 2007
    العضوية: 1659
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الكمبيوتر والنت
    الحالة: Bahej غير متواجد حالياً
    المشاركات: 14

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء.. يتبع حوار عن الثالوث

    مشكور اخ اليكسيوس على هذا الموضوع الهام جدا
    الله يكون مع الجميع


    مشكور اخ اليكسيوس على الموضوع بس عندي مشكلة ماعم اقدر انسخ الموضوع ممكن اعرف ليش

المواضيع المتشابهه

  1. الثالوث القدوس
    بواسطة اوريجانوس المصري في المنتدى أسئلة حول الإيمان المسيحي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-03-10, 05:10 PM
  2. سر الثالوث الأقدس..تأمل لاهوتي في ضوء أيقونة الثالوث الأقدس
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى الفن الكنسي البيزنطي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2008-12-06, 08:12 PM
  3. حوارٌ عن الثالوث مع دراسة لعقيدة الثالوث في الكتاب المقدس والآباء للدكتور جورج بباوي
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2008-01-06, 09:18 PM
  4. الصلاة إلى الثالوث ..
    بواسطة Mayda في المنتدى الصلاة والصوم
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2007-11-03, 11:24 AM
  5. تعليم القديس اغريغوريوس النزينزى عن الثالوث المقدس
    بواسطة Fadie في المنتدى الله في المفهوم المسيحي الأورثوذكسي
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 2007-02-04, 03:58 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •