كثيرون هم الذين يعتقدون أن الخطيئة هي كل مخالفة لنصوص الشرائع الإلهية وأحكامها التي حددها الكتاب المقدس , وكل تدنيس للنفس والجسد بالمآكل المحرمة أو بإهمال أعمال الطهارة الشخصية . لا شك أن هذا المفهوم صحيح نسبياً , لكنه منقوص لأنه لا يحيط بجوانب الخطيئة كاملة .
وقد أعطى الرب أمثلة كثيرة عن خطايا أولئك الذين يتباهون ببرهم وشدة حرصهم على الالتزام بأدق وصايا الناموس . الرب وبّخ الفريسيين الذين كانوا يظهرون للناس في أعلى قمم القداسة والبر بينما هم ممتلئون رياء وكراهية للآخرين , بلغ بهم حرصهم على طهارتهم ( المزعومة ) أنهم لم يدخلوا دار الولاية الرومانية لكي لا يتنجسوا في الفصح بينما كانوا يهتفون خارجاً مطالبين بموت المسيح ظلماً وبالبراءة للص و قاطع الطريق .
الخطيئة في المفهوم المسيحي هي إذاً أشمل من مجرد تجاوز الوصايا المنصوص عليها , هي تغرب عن حضرة الله وضياع إلفة الإنسان والله وشركته معه . فعندما فصل الإنسان قراره عن إرادة خالقه أدرك أنه عار وقزم أمام الله فخجل واختبأ من وجه الرب بعد أن كان يحيا في حضرته ويعاين مجده .
قصة البشرية المتمردة تحدث عنها يسوع في حكاية الابن الأصغر الذي أخذ نصيبه من ثروة أبيه ثم ترك فردوس هذا الوالد وآثر الحياة في أرض غريبة ليتمتع بحياته مستقلا عن سيطرة أبيه الحنون الذي احترم بدوره (حرية) ابنه و ( استقلالية) قراره
اعتقد الابن أن المال سيوفر له أسباب السعادة فعاش أسير شهوته وخدعته تلك السعادة المزيفة التي تؤمنها له حياته الماجنة في ملذات العالم المادي حتى إذا ما فقد كل شيء أدرك أن حياة الخطيئة قادته إلى جوع روحي رهيب جعله يرى البهائم تحيا أفضل منه فحسدها على سعادتها . عندئذٍ فقط عرف هذا الابن المغرور أنه فرط بالفردوس الذي كان ينعم به في أحضان أبيه .
عندما يقطع الإنسان صلته بمحبة أبيه السماوي عبر التغرب عنه في هذا العالم , والانغماس في ملذاته وشهواته , ويؤثر على الله عبادة المال والجاه والسلطان فتتحكم الفردية والأنانية والمصلحة في علاقته بالإنسان الآخر يبتعد عن نبع الحياة الحقيقي فيختنق روحياً ويصبح في عداد الأموات وهو على قيد الحياة .
وإن من يعتقد أنه سيملك المطلق عبر لجوئه إلى الانحراف والسقوط في التيار الذي يسلكه الكثير من البشر هرباً من مواجهة البؤس أو الفقر أو سعياً وراء مجد ارضي باطل سيجد نفسه حياً بجسده لكنه ميت بروحه .. والإنسان الذي يعتقد أن الكمال وإرضاء الله يكون في المواظبة على الأصوام والصلوات , وإن كان يحس في داخله بأنه يتميز عن سواه فيحتقر ويزدري من يعتقد أنهم خطأة , يتحول إلى فريسي تختلف صورته الخارجية عن صورته الداخلية .
خلاصة القول أن الله اراد من علاقتنا كبشر بعضنا مع بعض صورة تجسد علاقتنا معه , فعلاقة الانسان بأخيه الانسان هي التي تجسد علاقته بإلهه , أما المواظبة على الأصوام والصلوات وحدها فإنها لم تجعل المسيح يرضى عن الفريسيين لأنهم ميزوا أنفسهم عن سائر الناس واحتقروهم واعتبروهم خطأة فانتفخوا بالأنانية والكراهية والحقد ولم يشفع لهم برهم المزعوم , حتى أن السيد اعتبرهم من غير الكرمة التي غرسها أبوه السماوي وتوقع لهم أن يسقطوا في الحفرة .
المؤمن بالمسيح يحيا كما كان معلمه وكما أراد له ربه وإلهه : يبارك لاعنيه , يصلي من أجل مبغضيه , ويقرض وهو لا يرجو شيئاً بالمقابل.
منقول عن نشرة مطرانية الروم الأرثوذكس في حمص
صوم مبارك للجميع... صلواتكم

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات