ردّ على شهادة باطلة تتعرض للكتاب المقدَّس
"بكلمة الحقّ وقُدرة الله؛ بأسلحة البرّ عن اليمين وعن اليسار" (2 قورنتس 7:6)
"بسيف الروح، أي كلمة الله" (أفسس 17:6)
اليوم فتحتُ الرسالة أعلاه وآلمتني. فهنا فتاة نسيت تدبير الخلاص بمُجمله وعملت فيكسايشنfixation (تركيز مَرَضيّ) على نقطة واحدة لم يتركها الشيطان تحيد عنها.
هذه النقطة هي: لماذا لا نستطيع أن نقرأ سفر نشيد الأنشاد علَنًا في مكان عام؟ أليس هو كلام الله؟ وطبعًا المقصود الإحراج من تعابير الحبّ التي طالما فسَّرها آباء الكنيسة بمعانيها الروحيّة. والمؤسف أنّ هذه الفتاة تعرف تلك التفاسير جيّدًا، على ما قالت.
بعدها غامرت وقرأت ذلك السِّفر بمحضر من بعض الشبيبة غير المسيحيّة، فسمعت تعليقًا مُخجلاً من أحدهم. وسألت كاهنًا، وشخصًا مسئولاً عن موقع إنترنت عارفًا باللاهوت، ولم تكن راضية بأجوبتهما. فارتدَّت عن إيمانها (نفهم ذلك من بداية الشريط). وطبعًا لقيت حرارة واحتضانًا من أياد أخرى تلقّفتها. ولكي لا تكون "شهادتُها" المُضلِّلة سببًا لتشكيك آخَرين، نُحاول بنعمة الله الإجابة على السؤال الذي استعمله إبليس لتضليلها.
يقول عُلماء اللغويّات أنّ التواصُل بين البشر يحدث بين مُرسِل الرسالة، ومُتلقّي الرسالة. ولكي يحدث التواصُل يجب أن يكون عند الطَّرَفَين مفهوم واحد للكلمات والتعابير المُستعملة. عندها يفهم المُتلقّي الرسالة الواصلة إليه، فيستطيع أن يُجيب المُرسِل بتعابير يفهمُها، هو الآخَر، لأنّهُما كلاهُما يملكان المفاهيم عينها للتعابير عينها.
وهذا مبدأ أساسيّ في جميع حقول المعرفة، في الفلسفة كما في الفيزياء، أن يكون عند المُتواصلين مفهوم واحد للتعابير التي يستعملونها. ولا يكفي أن يستعمل الطرفان لغة واحدة من دون تحديد المفاهيم، لأنّ التواصُل يتشوّش أو ينعدم، ولن تصل الرسالة المقصودة إلى الطَّرف الآخَر مُطلَقًا.
فلو وقفتُ، أنا اللبنانيّ، أمام هرم خوفو ذاهلاً، ثم أمسكتُ مصريًّا وقُلتُ له: "يا زلمه، ضوّا راسي"، سوف يقول لي: "إنّك تشتمني. وكمان بتقول راسك بيضوّي؟ لازم ياخدوك المصحّة"!
ماذا حدَث؟ كُنتُ بحاجة إلى لبنانيّ آخَر، عنده المفاهيم نفسها للكلمات التي استعملتُها، لتصل الرسالة المقصودة، ومعناها: "يا رجُل، إنني شديد التعجُّب". فمع أنّني، والمصريّ، أستعمل اللغة عينها، إلاّ أنّ رسالتي المقصودة لم تصل، لأنّه، في تلك الرسالة بالتحديد، لم يكن عندنا المفاهيم نفسها للكلمات المُرسَلة.
ونأتي الآن إلى نشيد الأنشاد. تعترف هذه الفتاة أنّ لهذا النشيد، بمُجمله، معانٍ روحيّة سامية، تأمَّل فيها آباء وقدّيسون شرقًا وغربًا. فلماذا لا نتلوه علَنًا؟ ولماذا نُحرَج من ذلك؟
هذا القول يُشبه تمامًا قَولي، أنا اللبنانيّ: "أليست اللهجة اللبنانيّة جميلة وشرعيّة؟ لماذا أخجل بها؟ أريد أن أستعملها علَنًا في قلب القاهرة. لكن عليّ أن أُدرك، وعلى تلك الفتاة أن تُدرك، أنّه سوف يكون هناك محاذير من توجيه رسالة إلى آخَر ليس عندي وإياه المفاهيم عينها للرسالة المُرسَلة، وإنّ مُجرَّد استعمال اللغة الواحدة، لا يكفي. لكن لو أنا شرحتُ للمصريّ معاني كلماتي سلفًا، وتوصَّلتُ وإيّاه إلى مفهوم مُشترك لما سوف أقولُه، لما كان حصل الالتباس. وفي حالتها هي، لم تكن حصلت لها مُضاعفات لو أنها، مثلاً، علّمَت مُستمعيها المعاني الروحيّة لذلك السِّفر قبل تلاوته عليهم، أو، لو أنها قرأت أحد تفاسير ذلك السفر.
عندها لكانت الرسالة المقصودة وصلت إليهم من دون سوء فهم، ولكان التركيز على المعاني الحقيقيّة بدلاً من المعاني الظاهرة، لأنّه في تلك الحالة تكون هناك مفاهيم مُشترَكة للتعابير المُرسَلة.
ولأجل هذا لم يُقرأ سفر نشيد الأنشاد في الكنيسة علنًا، فالرسالة الروحيّة المقصودة منه ما كانت لتصل إلى المؤمنين العاديّين. أما لو تُلي على العالمين بمعانيه فلكانوا استمتعوا بمعانية الروحيّة من دون حرَج. لو كان هذا سفر الأنشاد "مُشينًا" لما سمح الربّ يسوع، ولا الآباء القديسون، أن يبقى ضمن الأسفار الكتابيّة، وقد قرأَتْه جحافل من القدّيسين واللاهوتيّين ومُعلّمي الكنيسة. لكن الواقع هو أنّ "الكتاب كلّه هو من وحي الله وهو يُفيد في التعليم والمُحاججة
والتقويم والتهذيب بالبرّ، ليكون رجُل الله كاملاً، مُتأهبًا لكلّ عمل صالح" (2 طيموتاوس 16:3-17) بما في ذلك سفر الأنشاد، الذي، بحسب كلام القديس بولس هذا، يصير بموازاة أيّ سفر آخر من الكتاب المُقدَّس، ويُسهم في تقديس النُفوس. والواقع أنّ العديد من عبارات هذا السِّفر تُستعمل في مدائح العذراء مريم!
وإنّنا نقول لهذه الفتاة، تعالي نقلب الآية: نحن نقرأ هذا السِّفر عليكِ بصوت مُرتفع، وأنتِ تعرفين معانيه الروحيّة، كما نحن. في هذه الحالة، المُرسل (نحن) والمُتلقّي (أنتِ) سيكون عندنا المفاهيم والمدلولات نفسها للتعابير المُستعملة، وبالتالي سوف تصلك الرسالة الروحيّة المقصودة، ولن يكون عندكِ مُشكلة أو إحراج! وهذا ينفي جميع المزاعم والمخاوف التي بنيتِ عليها قرارك بجحود المسيح.
واستطرادًا، أنتِ تتشكَّكين لأنّ الآخرين يجهلون كتابنا المُقدَّس ويفهمونه خطأ، ويتحيّنون الفُرَص للطعن به وبمن أوحى به!؟ بينما العكس هو المطلوب: أن نتألّم لأن كلام الله يُفهَم خطأ، ونُحاول بجميع الطُّرُق، بالتضرُّع والصلاة، أن نشرح الكلمة ونبشِّر بالأخبار السارة للقريب والبعيد، وخاصةً لمن يعيشون في بُقعة الموت وظلاله، وهم بأمسّ الحاجة لخلاص المسيح. وهل يشكّ أتباع الديانات الأخرى بديانتهم إذا نحن فهمنا كتبهم فهمًا خاطئًا!؟؟؟ وما أدراكِ أن يكون ذلك الشاب أحرجك عمدًا لأنّه عرف أنّك مسيحيّة وتقرئين الكتاب المُقدَّس، لأجل تذليلك وتشكيكك وتضليلك!؟
ما يُدمي قلوبنا، حقًا، أنّ هذه الفتاة عرفت معاني ذلك السفر الرائع، لكنّه لم يلمس قلبَها لتصير أكثر قُربًا من المسيح، بل اهتمَّت بالأكثر بتلاوته علَنًا، مُنساقة إلى تلك الرغبة بفعل مُمارسة فتيات أخريات من غير دينها، فأرادت التمثّل بهم. ولعلّها من النوع الذي يحبّ التحدّي ولا يقبل "الهزيمة"، أو لعلّ عندها شيئًا من الاستعراضيّة (حاولوا سماع الشريط).
والحقيقة هي إنّها تعرّضت لهجوم شيطانيّ من العيار الثقيل، غلبها وفصلها عن مسيحها وأهلها وكنيستها وخلاصها. ولعلّه كان الأولى بالذين سألتهم هذه الفتاة، أن يأخذوها بالحُسنى ويُحاولون تجنيبها رغبة التحدّي، وأن يستمهلوها ويُصلّوا لكي يُعطوها الجواب الوافي. مُذكِّرينها بأنّنا لا نُكبِّر بإنجيلنا من على منائر، بل إنجيلُنا يُكبِّرُنا فنكبُر به ويكبُر في نفوسنا وعُقولنا وقُلوبنا.
ومع تأكيدنا أنّ اختبار ومعيار كلام الله ليس إمكانيّة أو عدم إمكانيّة تلاوته علَنًا، بل الأهمّ، إيصال الرسالة الروحيّة الصحيحة المطلوبة من قراءته أو تلاوته، ولا يحصل ذلك إلاّ بوجود مفهوم مُشتَرَك لما يُتلى منه بين المُرسِل والمُتلقّي. وهذا الأمر يتطّلب، في أحيان كثيرة، تثقيفًا وعلمًا ومراسًا ويقظةً، ولا يتحقّق بين عشيّة وضُحاها.
بقلم الأب أنطونيوس لطوف

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات