انتهى هذا الكتاب، الذي هو عبارة عن مقالات تم تجميعها من هنا وهناك.
وحقيقةً هذا البحث، بوضح الكثير من الأمور الكثيرين لا يعلمونها لأنه دائماً ما يتم عرض إيمان نسطوريوس بشكل عابر، وهي أن نسطوريوس يقول في المسيح:
طبيعتين، أقنومين، شخص واحد!
هذا الإيمان للمفارقة هو نفسه إيمان الكنائس التي تؤمن بأن للمسيح طبيعة واحدة:
![]()
مصدر من الكنائس الأُخرى: رسالة البطريرك ساويرس الإنطاكي الثَّانية "إلى أُكمينيوس"
سأستخدم قِصر الخِطاب لأجل حكمتك و معرفتك، و سأسئلك سؤالاً سهلاً، هل تدعو الجسد ذو النفس العاقلة -الذي وحَّده الله الكلمة أقنوميَّاً مع نفسه طوعاً بلا تغيير- هل تدعوه عيِّنة خاصة أم عامة، هل هو أقنوم واحد ذو نفس أم هو كل الكيان الإنساني العام ؟.
من الواضح أنه إن أردت أن تُعطي إجابة عقليَّة صحيحة ستقول جسد واحد ذو نفس، و نحن نقول أنَّه منه (من الجسد ذو النفس العاقلة) و من أقنوم الله الكلمة حدث إتحاد لا يُنطق به. كمال اللاهوت و كمال البشريَّة عامة لم يتحدا بإتحاد طبيعي فقط بل في أقنوم خاص.
وهنا يرفض ساويروس الأنطاكي رفضاً قاطعاً، أن يكون الأقنوم الإلهي هو نفسه أقنوم الطبيعة البشرية، ويرفض اتحاد الطبائع في أقنوم واحد، ويقول أنه اتحاد أقنومي بمعن أن الأقنوم الإلهي اتحد بالأقنوم البشري فنتج شخص المسيح:
![]()
مصدر من الكنائس الأُخرى: رسائل البطريرك ساويرس الإنطاكي "إلى مارون القارئ"، رسالة (6) كتبت حوالي سنة (513 - 518 م)
أيضاً ندعو الثَّالوث القُدُّوس طبيعة واحدة، و نستخدم (تعبير) الطبيعة في إشارة عامة للجوهر، كما يقول القدِّيس غريغوريوس الأسقُف النزيانزي في عظة عن يوم الخمسين "إعترفوا يا أصدقائي أن الثَّالوث واحد اللاهوت، أو إن أردتُم واحد في الطبيعة، و سنصلي أن يعطيكم الرُّوح (أن تقولوا عن الثَّالوث) كلمة«الله»[1]". و لكن حينما نقول طبيعة واحدة لله الكلمة المُتجسِّد، كما يقول القدِّيس أثناسيوس عمود الحق و الإيمان الرسوليّ في الكتب عن تجسُّد الكلمة، نستخدم (تعبير) طبيعة -في محل الإشارة الفرديَّة- للدلالة على الأقنوم الواحد الذي للكلمة نفسه، كما لبطرس أيضاً أو لبولس أو أي إنسان آخر. لهذا، حينما نقول "الطبيعة الواحدة التي تجسَّدت" لا نقصدها كليّاً، بل بإضافة (معنى) طبيعة الكلمة الواحدة نفسه، الذي تجسَّد، إشارة للأقنوم الواحد، و لكن هؤلاء الذين بلا تقوى يُنادون المسيح الواحد بطبيعتين، يستخدمون إسم "طبيعة" محل الإشارة الفرديَّة، بالقول أن كلمة الله طبيعة واحدة و الإنسان الذي من العذراء -بحسب قولهم- طبيعة أُخرى. لأنهم لا يصلون إلى الإرتفاع بهذه الحماقة، إذ يقولون أنهم يستخدمون إسم "طبائع" في محل التسمية العامة، أقصد بنفس معنى«الجوهر»، لأنه إن كان الثَّالوث طبيعة واحدةٍ و الجنس البشريّ طبيعة واحدة، بنفس معنى هو ظاهر من هذا المبدأ (الذي يُنادون به) أن الثَّالوث سيوجد مُتجسِّداً في كل الجنس البشريّ، الذي هو الإنسانيَّة كلّها.
تنبيه
أعتذر لعدم وضع مرجع رسائل البطريرك ساويروس الأنطاكي وذلك بسبب الملل الذي أصابني خلال قراءة وإعداد الموضوع، وأما المصادر التي وضعتها لاحقاً فيه موجود سابقاً ومرتبة ولذلك وضعت المصدر.. لمراجعة رسائل البطريرك ساويروس الأنطاكي، يمكن زيارة مدونة التدبير الإلهي ![]()
كما هو واضح من الأعلى، القول بأن الطبائع اتحدوا، يعني أن كل الطبيعة الإلهية اتحدت بكل الطبيعة البشرية، ولذلك يرى ساويروس أنه فقط الأقنوم الإلهي اتحد فقط بأقنوم بشري ولهذا لا يكون الإتحاد عاماً، بل فقط بين أقنومين!!
أما كنستنا متسلحة بتعليم الرسل، والآباء القديسين تقول مع القديس كيرلس: إنه سر عظيم، سر التجسد. ويكفينا فقط أن نذكر هنا المصالحة بين كيرلس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي والنص الذي صدر عنهما.
وهذا القول ليس فقط قول البطريرك ساويروس الأنطاكي، بل يعيده الأبنا ايسذوروس، وليتورجية الكنيسة القبطية أيضاً في نص وضعه أحد الأصدقاء، ولكن للأسف عندما أردت العودة لاقتباسه وحفظه، كان قد حذف النوت من على فيسبوك بسبب الجدل الذي أثاره وجود تعليم بالأقنومين في المسيح الواحد.
ومن أقوال الأنبا ايسذوروس:
![]()
مصدر من الكنائس الأُخرى: البينات الوافية والبراهين الثاقبة - الانبا ايسوذورس
صفحة 83: المسيح واحد من اثني، جوهر من جوهرين، اقنوم من اقنومين طبيعة من طبيعتين، كيان من كيانين، وحقيقة من حقيتين، إله متأنس.
صفحة 84: المسيح واحد بالجوهر.
لو كان هذا القول [طبيعتي في المسيح] حقاً، لكان يظهر وقت الولادة الغير مدركة، لأن على حسب هذا الراي أن الولادة ناسوتية للناسوت لا للاهوت، وعلى هذا كان يلزم حل ختوم البتولية الطاهرة، وهذا باطل، وكذا دخول المسيح على التلاميذ والابواب مغلقة، وقيامته من القبر والأكفارن موضوعة مثل ما وضعت والحجر موضوع على باب القبر. [هنا ينفي نهائياً فعل الطبيعة البشرية، ويجعلها موجودة دون أي أي وهو أقرب لتعليم أوطيخا الذي جعل الطبيعة البشرية تذوب في الطبيعة البشرية]
صفحة 85: إذا كان في المسيح طبيعتين فيكون ذا اقنومان، لأن المسيح اقنوم إلهي واقنوم ناسوتي، وذو الطبيعتين ينكرون وجود أقنومين ويعترفون بأقنوم، فكيف يجردون الاقنوم من الإنسان ويقولون أن الإله الكلمة أخذ الجسد دون اقنوم. وقد هتفت بيعة الله من مشارق الشمس إلى مغاربها، أن الابن الكلمة أخذ كل ما للبشر ما عدا الخطيئة.
"الله الكلمة هو كامل غاية الكمال مثل ما يعلمنا الإيمان المستقيم، وأنه أخذ إنساناً كاملاً بجميع ما يختص بالطبيعة الإنسانية، ولا ينقصه شيء مما هو منسوب إلى تصور الإنسية كما يجب علينا أن نقر بذلك". فهذا الاعتراف الحسن يلزم المعترف به، ان يعترف بأقنومية المسيح من جهة الناس.
كما قال كيرلس البطريرك مطرقة الهراطقة وعامود الدين: "من فرق من بعد الاتحاد المسيح الواحد إلى اقنومين، وطابقهما في بعضهما بعض بالمصاحبة فقط، ام بالعظمة، أم بالقدرة، أم بالسلطان، وليس يوحدهما بوحدانية طبيعة، فليكن محروماً". فهو لم ينكر أقنومية المسيح من جهة الناسوت. فيتضح أن المسيح من اقنومين وبالاتحاد الطبيعي صار اقنوماً واحداً، فكذلك المسيح من طبيعتين وبالاتحاد الطبيعي صار طبيعة واحدة.
صفحة 87: الجوهر يتقدم الأقنوم ولا يعكس، ومن المحال أن تصير الأقانيم واحداً من دون الجواهر. فإن كان الاقنومان اتحدا مع بعضهما وصار اقنوماً واحداً، وكل اقنوم منها هو الجوهر بخاصة، فيجب أن تصير الجواهر واحدة.
صفحة 87: الواحد [أي المسيح] يجب أن يكون هو أزلي وزمني اي من اثنين، فيكون جوهر من جوهرين.
صفحة 88: المسيح طبيعتان إله وإنسان: الإله ابن الله بالطبع وابن مريم بالنعمة، والإنسان ابن الله بالنعمة وابن مريم بالطبيعة، وهذا مذكور في مجمع أفسس
صفحة 91: إن اتحاد الذوات هو غير مستطاع، وقد صار من المستطاع في شخص السيد المسيح، فالمسيح من بعد الاتحاد واحد بالجوهر لا بالعرض.
صفحة 121: المسيح جوهر من جوهرين، وبالتالي اقنوم من اقنومين.
الجوهر ينقسم إلى:
جوهر عمومي: ذا أقانيم كثيرة
جوهر خصوصي: ذا أقنوم واحد.
وجوه المسيح الإلهي هو جوهر خصوصي، وإلا فيكون الاتحاد طرأ على الثالوث القدوس وذلك منكر.
فتعليم وجود أقنوم بشري في شخص المسيح، هو تعليم بدأ منذ عصر ساويروس وحتى اليوم. ولكن قبل ساويروس لم تكن الكنائس التي تؤمن بالطبيعة الواحدة تعتقد بوجود أقنومين، أو لم تكن تتكلم عن وجود أقنومين. وهنا أقتبس التالي:
![]()
مصدر من الكنائس الأُخرى: القمص تادرس يعقوب ملطي، الاصطلاحان الطبيعة والاقنوم في الكنيسة الأولى، ص 43
تيموثاوس خليفة ديسقوروس: لا توجد طبيعة دون أقنوم لها، ولا يوجد أقنوم دون بروسوبون، فان وجدت طبيعتان وجد بالضرورة بروسوبونان، وبالتالي وجد ايضا مسيحان كما نادى هؤلاء المعلمون الجدد.
واستخدم فيلوكسينوس ذات الدليل قائلاً: لا توجد طبيعة بدون شخص، ولا شخص بدون طبيعة، فإن وجدت طبيعتان فبالضرورة يوجد شخصان وابنان.
هذا يعكس أن الكنيسة التي تؤمن بالطبيعة الواحدة، لم تكن تعتقد بوجود أقنومين، لأنه بالنسبة لآبائها في ذلك الحين، وجود أقنومين يعني بالضرورة وجود شخصين. ولكن بعد مدة 200 سنة، واثبات وجود الطبيعتين في تعليم القديس كيرلس الكبير، وجدوا أنفسهم أمام عثرة لا بد من تجاوزها، فنادى ساويروس بوجود طبيعتين وبدورهما يستدعيان وجود أقنومين، لكنه شذّ عن نسطوريوس بأن جعل الأقنومين مندمجين في أقنوم واحد، أما نسطوريوس فجعلهما مترابطين.
حاول التوفيق بين الطبيعة الواحدة التي يؤمن بها، وبين تعليم القديس كيرلس الذي أقرّ بوجود طبيعتين في المسيح.
لكن تزداد الغرابة عندما يقول شخص بمكانة الأنبا غريغوريوس أسقف التعليم، التالي:
![]()
مصدر من الكنائس الأُخرى: الأنبا غريغوريوس أسقف عام للدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، موسوعة الأنبا غريغوريوس، المجلد الأول، اللاهوت المقارن، ص 195
إن النساطرة يقولون بالجمع بين اللوغوس وإنسان في ثنائية صريحة، وهم على قول الباب كيرليس يقولون بأقنومين وبابنين في مركب هو أقرب إلى مزيج أي خليط منه إلى اتحاد بالمعنى الدقيق. بينما ينكر الأرثوذكسيون [ويقصد فيها أصحاب الطبيعة الواحدة، لأنهم يسمون نفسهم أرثوذكسيين] هذه الثنائية وينادون بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت في أقنوم واحد وطبيعة واحدة جمعت بين صفات وخصائص اللاهوت والناسوت معاً على أن مركز الشخصية أو الأقنومية في الكلمة الذي كان هو الله وصار إنساناً هو في اللاهوت، لأن الناسوت غير مشخص، وعلى ذلك فالأقنوم الذي اتخذ أحوال الحياة الإنسانية وقبل الحد من حياته الإلهية لسبب تلك الأحوال الإنسانية، هو أقنوم اللاهوت الذي اتخذ الأحوال والخبرات والصفات الإنسانية فصارت أيضاً أحواله وخبراته وصفاته.
هذا اعتراف من أحد أهم لاهوتيي الكنيسة القبطية في القرن العشرين، مع القمص متى المسكين، يقول وجود أقنومين في المسيح هو تعليم نسطوري بشهادة القديس كيرلس.
لم يفهم ساويروس الأنطاكي، ولا الأنبا ايسذوروس لاهوت القديس كيرلس، كما فهمه الأبنا غريغورويوس، وإن ظلّ الأخير أيضاً بعيداً قليلاً عن لاهوت القديس كيرلس الكبير.
فالمفارقة العجيبة هنا، أن الكنائس التي تؤمن بالطبيعة الواحدة تشترك مع النسطورية بالإيمان بوجود أقنومين في المسيح يسوع.
وهنا سأقتبس كلام الشماس اسبيرو جبور وأنهي كلامي:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الشماس اسبيرو جبور، سألتني فأجبتك
فالأقنومان أي الشخصان لا يصيران واحداً. النسطوريون يقولون بأقنومين منفصلين. غير الخلقيدونيين يقولون بأقنومين قبل الإتحاد صاراً أقنوماً واحداً بعده.
فكيرلس واضح: يسوع أخذ طبيعة بشرية لا شخصاً بشرياً كما يقول خصمه نسطوريوس. وينسب الآلام إلى الرب بسبب الإتحاد الأقنومي. فكيف يقولون أقنوم من أقنومين وشخص من شخصين؟ كيرلس حريص على وجود الفرق بين الطبيعتين.
كان كيرلس يستعمل طبيعة وأقنوم مترادفتين في أمر ربنا يسوع المسيح ومختلفتين في سر الثالوث القدوس. ثيئوذوريتوس قاده إلى تعبير غريغوريوس اللاهوتي: أقنوم واحد وطبيعتان. بعد ذلك تراجع كيرلس عن عبارته القديمة. كيرلس فهمها فهماً أرثوذكسياً لأن لفظة طبيعة لديه مرادفة للفظة أقنوم. في سر الثالوث استعمل "أقنوم" للشخص و"طبيعة" للجوهر. هنا كان فضل ثيئوذوريتوس عليه: قاده إلى التفريق بينهما في سرّ التجسد على غرار التفريق بينهما في سر الثالوث.
الأقنوم هو الشخص. لا يمكن دمج شخصين في شخص واحد. والطبيعتان غير متزامنتين. الطبيعة الإلهية سرمدية. الطبيعة البشرية مأخوذة في الزمن من والدة الإله مريم العذراء. والطبيعة البشرية ليست أقنوماً؛ إن كانت اقنوماً كما في تعليم نسطوريوس استحال الإتحاد. لذلك قال نسطوريوس بوجود شخص إلهي وشخص بشري وشخص اتحاد في يسوع يجمع الشخصين. لماذ؟ لتجنّب صعوبة القول إن الشخصين صارا شخصاً واحداً.
في عبارتهم غموضاً. يقولون بأقنومين، هذا تعبير نسطوري. ويقولون بطبيعة واحدة، وهذا تعبير أبوليناريوس. ويقولون بعدم امتزاج الطبيعتين، وهذا تعبير كيرلسي. كيف مزجوا الثلاثة؟ عليهم تجنب تعبير أبوليناريوس ونسطوريوس. متى خرج من المعركة تمّ الوفاق.
راجع: : بين أفسس، واللصوصي، وخلقيدونية
وللاستزادة والوقوف على كل هذه الأمور لاهوتياً قبل الوقوف عليها تاريخياً، راجع كتاب: سر التدبير الإلهي
وما أوقفني في البحث الملحق أعلاه -الذي قرأته منذ فترة فقد أرسله لي من سنتين أو أكثر قدس الأب فادي هلسا-، هو استشهاد النساطرة لأول مرة في تاريخهم بـ بطريرك كنيسة تؤمن بالطبيعة الواحدة، ولكن بعد أن قراءة موضوع الأقنومين في الكنائس التي تؤمن بالبطبيعة الواحدة، يتضح على أي سند استند البابا شنوده الثالث في قوله المذكور أعلاه.
ولذلك نستطيع الآن أن نفهم أن أي توقيع بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية هو باطل، بكل أسف، لأنهم لم يكونوا -الطرفين- جديّين بما فيه الكفاية للبحث في لاهوت كل منهما. فهل تؤمن كنيستنا بوجود أقنومين في المسيح، حتى نقول الخلاف لفظي؟!
وأستغرب عدم توجه كنيستنا نحو كنيسة المشرق الأشورية، لمحاولة جذبهم تجاه الأرثوذكسية.. أم هم ليسوا بشراً؟ وخلاصهم لا يهمنا؟نصيحة - إرشاد
هل تؤيد نقل هذه المشاركة إلى موضوع مستقل، الرجاء وضع هذا الأمر في تعقيبك ![]()

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس



المفضلات