هزتني هذه المقالة من أعماقي، شعرت بأن الورقة قد ابتلت بدموع أبونا توما وهو يكتب .. أحببت ان أسرع بنقلها لكم
تجاوزتْ السادسة والتسعين. ولا زالت في وصال ومَن حولها. نعمة عظيمة تشملها! لا مرض يضنيها. أوجاع قليلة وحسب. لكنّها في قعودها المتواتر إلى ذاتها تعظم الأوجاع لديها وتشتدّ بالوهم حتى الدموع. متى بلغ الانغلاق الذاتيّ حدّه عندها ارتجّ داخلها واحتاجت إلى مسكّن! وخير المسكّن، في الأحوال العاديّة، أن تتكلّم وأن يكون لها عزيز يجالسها ويسمعها باهتمام. ومتى أُخذت بحضرة مَن تحبّ ارتاحت نفسها وانفرجت أساريرها واستكانت ضيقاتها. لذا تنتظر زيارتي لها بشغف لأنّي صغيرها في إخوتي وأكثر مَن تعلّقت به. ومتى تأخّرتُ عن المجيء إليها لسبب قاهر أو غير متوقّع استسلمتْ للسؤال والاضطراب، تماماً كما كانت تفعل عندما كنت فتى يافعاً. آخرو العنقود، في عيون أمّهاتهم، لا يكبرون!
تطالعني، دائماً، بالأدعية وتودّعني بالأدعية. وأنا، لطمعي بصلاتها، أضمّها، يميناً ويساراً لا مرّة واثنتين وثلاث بل عشر مرّات، لأنّها عند كلّ ضمّة تبثّني دعاء غير الذي سبقه وغير الذي سيلحقه. وأدعيتها صافية كدموع العين، تخرج من قلبها في تنهّد يشدّ كيانها كلّه إلى فوق ويُنزل عليك ماء رقراقاً من عند أبي الأنوار.
لم تتعلّم القراءة ولا الكتابة، لكنّها تصلّي مما جادت به نعمة الله عليها، بضع مرّات في اليوم. كيف تصلّين يا أمّاه؟ سألتها، فأجابت، وهذا بعض ما أجابت به دوَّنته لئلا يضيع:
"يا ربّ تسامحني. يا ربّ تغفر لي أنا الخاطية. تقول الأبانا ثلاثاً. تصلّي من أجل أحبّتها وأهل بيتها. ثمّ تنتقل إلى صلاة للعالم. يا ربّ تشفق على عبيدك وعلى جميع الناس وتشفي المرضى وتمرّ يمينك على جميع المؤمنين وتمرّ يمينك على المحبّين وعلى المخطيّين وتفرّج كلّ منضاق وكلّ مظلوم وتصلح الحال وتقدّم اللي فيه خير وتهدي الحكّام عالخير. وتمرّ يمينك على الرهبان والراهبات والخوارنة والمطارنة...".
قلت لها، مرّة، يا أمّاه تصلّين من أجل المحبّين، عليكِ أيضاً أن تصلّي من أجل المبغِضين. فاستغربت وقالت: أهؤلاء أيضاً علينا أن نصلّي من أجلهم؟ ومرّة أخرى عندما أعدت عليها اعتراضي أجابتني: الله يتكفّل بالمبغِضين!
مرّة أخذتْ تحكي ما يسيء إلى إحدى قريباتها، فأوقفتُها بلهجة صارمة قائلاً لها: هذا لا يرضي الله، لا تقولي شيئاً ضدّ أحد! وإذ فوجئَتْ بما أبديتُ وقفت ومدّت كفّيها مصلَّبتين لتأخذ البرَكَة قائلة لي: "سامحني، أخطأت!"
كانت، أحياناً، تقول وتكرّر وتشدِّد: "خطئتُ كثيراً في حياتي!" "كيف خطئتِ يا أمّاه!" "كنتُ أمرض كثيراً ولا يتسنّى لي أن أذهب إلى الكنيسة!!!"
رغم ذلك، رغم التماسها وجه العليّ كانت تستسلم، أحياناً، للتذمّر، ولكن متى قالت معاناتها وسمعت كلاماً إلهيّاً، كثيراً ما كانت تهدأ وتصير في سلام.
لا شكّ أنّ الشيخوخة نسكٌ عظيم والمعرفةَ التي يقتنيها المسنّ متى رفع نفسه إلى فوق أعظم، بما لا يقاس، من معرفة كلّ ما في الكتب! اسمعوا هذه البادرة من خالة لأمّي، وأمّي لا شكّ من أرومتها الروحيّة. عندما كانت خالتها في الثمانينات كانوا يتركونها وحيدة ويذهبون كلٌّ إلى عمله.
وحدها كنّتها كانت تبقى معها ترتّب البيت وتعدّ الطعام. مرّة نادت خالةُ أمّي كنّتها: "هاتِ يا ماري كتاب الصلاة"، فأتتها ماري به! فتصفّحته بحنان كمَن يشتاق إلى كلّ كلمة فيه أو كمَن يتبنّاه برمّته، ثمّ رفعت عينيها إلى وجه السيّد مقابلها وقالت له: "يا معلّم! لا أحد علّمني القراءة والكتابة، لكنّي أُصلّي لكَ كلّ ما في هذا الكتاب!" بحركة قلب بسيطة متواضعة اختصرت الطريق إلى الملكوت. كثرة الكلام لا تعبِّد الطريق إلى الإله الكلمة بل طفرة القلب إليه!
كلّما قَدِمتُ لتفقّد والدتي جعلتني أحسّ بأنّ مَقدمي هو أدنى إلى الضوء آتياً إليها وهي جالسة في عتمة النفس. كأنّ الزمن بين اللقاء واللقاء يغيب لتعود الساعة إلى تكتكاتها متى حضرتُ إليها وطالعتني بوجه مشرق والدعاء.
هذه لحظات كيانيّة ولا أثمن. كلّ مرّة آتيها أعود محمَّلاً بالأفراح والبركات. أشعر، في قرارة نفسي، بأنّ المعلّم، لطفاً بها وإكراماً لها، يواكبني ويعزّيني بروحه. لكنّي أفارقها كلّما جئتُها وفي النفس مهابة أن يكون هذا آخر لقاء لي بها. أشعر بها دائماً وكأنّها في رحيل وهي تمدّ اليد لتبارك بضمّ الأصابع الثلاثة ورسم إشارة الصليب!
لقد علّمَتها الآلام نسكاً عظيماً وكانت أبداً إلى ربّها رغم قصورها. وكانت تشرد أحياناً ولكن باللسان فقط. لا شكّ أنّ مَن تعلّم ضبط اللسان تعلّم فضيلة عظيمة، لا بل، ربما، أعظم الفضائل. أيسر الخطايا خطايا اللسان وأبرز الفضائل فضائل اللسان أيضاً.
لا زالت والدتي كثيراً ما تنسى نفسها فلا تفطن إلى أنّ قواها البدنيّة باتت عائقاً لديها دون ما اعتادت عليه سنين طوالاً. كانت دائماً مَن يبثّ الحبّ ويؤتي الخدمة في البيت.
خدمت الجميع حتّى في أمراضها ولمّا تعرف الاتكال على الآخرين ليخدموها. لذا تلقاها تنتصب اليوم راغبة في الإتيان بغرض يخصّنا وتسأل عن طعامنا وشرابنا وتهتمّ بتأمين كلّ حاجة من حاجاتنا، عن بُعد بكلّ أسف، لأنّ مَن حولها يخاف عليها أن تهوي في مشيتها لضعف الاتّزان في أوصالها. الروح نشيط وأما الجسد فضعيف!
هذه امرأة باتت تتحرّك بالبَرَكة. أُكلُها كأُكل العصفور. أَنظرُ أصابعها فألقاهم قد استطالوا ورقّوا. لم يعد فيها لحم وشحم، باتت في عين مَن يبصر أيقونة. الأيقونات مأخوذة لا من مخيّلة الرسّامين بل من واقع المرتحلين أبداً إلى وجه ربّهم!
اليوم أو غداً أو بعد حين تغادر. أعرف من عينيها أنّها راغبة في الرحيل وفي مهابة بإزائه في آن، ويزعجها الشرّير ونفسُها في لحظات الضعف، رجائي أن تبقى ما سمح السيّد بالبقاء لتبثّنا البَرَكة والسلام وإلاّ أن يأخذها في سلام. عليكِ السلام يا صانعة الأجيال ومُنزِلة البركات... إلينا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس




المفضلات