باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

(تتمة المقابلة)


هناك أشخاص كثيرون في الغرب يحاولون أن يأتوا بأفكار علم النفس الغربي لتطبيقها على الطريقة الروحية. بالواقع، يبدو وكأن صار تطوير أنا قوية وحسّاً قوياً بالذات أمراً متفقاً عليه للصمود في وجه صعوبات الطريق الروحية. تنتشر عبارة "عليك أن تصير أحداً ما قبل أن تصير لا أحد" حتى صارت عقيدة في الكثير من الدوائر الروحية. ما قولكم في هذه الفكرة؟

إنها كالقول: "عليّ أن أكون أولاً رأساً للمافيا حتى أصير رئيساً للبلاد"، أو "سوف أعمل أولاً مع الشيطان، وأكون رفيقه ليعطيني كل ما أريد، وكوني أكثر ذكاءً منه، فسوف أستعمل قواي للخير". من النافع أن نرسل الأولاد ليدرسوا ويتعلّموا الغناء والرياضة ويصيروا مثقفين ويكتسبوا أساساً اقتصادياً ليباشروا حياتهم. ولكن ألسنا في كثير من الأوقات نرى أن أحلام الأغنياء وأولادهم تتحطّم؟ يقول الإنجيل "إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناءون".

الأنا هي الإله المعاصر في القرنين العشرين والحادي والعشرين. والفكرة التي أشرت إليها في سؤالك هي الدين الحديث. لكن نعرف هذه التجربة. الأنا تعني "أنا لا أؤمن بوجود الروح القدس. إنه غير موجود". لكن هذا كذب. الروح القدس يقود العالم ومباركون هم الذين يطلبونه، يرونه، يتنفسونه، يتحرّكون فيه، يلهمهم، يحبونه، ويتّحدون به.

هناك كثيرون ممن يصرّون على أن الأنا هي حقيقة متأصلة ولا يمكن إلغاؤها في البشرية، وكل محاولة للتخلي عنها أو لتخطي طبيعتنا الدنيا سعياً إلى الكمال، هي بحد ذاتها تعبير عن أهم hubris. عالم النفس اليونغي ماريون وودمن يذهب إلى حدّ القول بأن مفهوم الكمال بحد ذاته هو "اغتصاب للنفس". كيف تجيب على الذين يؤكّدون أننا بالطبيعة متصدّعون وعاجزون عن بلوغ الكمال؟

قال المسيح "كونوا كاملين"، وعلّمنا أننا متى صرنا كاملين وعملنا كل شيء بشكل كامل فيما نحن نفكّر ونعتقد بأننا بائسون وخطأة وخاسرون وعبيد، عندها نجد التواضع والمجد. الكمال ممكن لأنه هو كامل، وهو قد اتّخذ طبيعتنا. لذا يمكننا أن نكون مثله ومعه. الكمال ممكن بسبب هذه الموهبة. وممكن ألا نكون كاملين لأننا أحرار في رفضها، أي في رفض المحبة. وعندما نرفضها، نصير بحاجة للاهوت وللفلسفة ولتأليف الكتب ووضع النظريات التي تقول باستحالة تخطي الأنا.

ممكن التحرر من الأنا وضروري، ولازم. فقط لأن الناس لا يعرفون أن هذا ممكن، فهم لا يريدون هذه الإمكانية، ولا يسمحون بوجودها، فيحتاجون لخلق هذه الأفكار. لكنهم لا يعرفون أنهم يكذبون، وهذا أكثر الأمور التي نسمعها جنوناً. ما الذي يقوله الطبيب للمريض "أنظر، المرض جزء من طبيعتنا. علينا أن نتعايش معه. فلا ينبغي أن نقلّم أظافرنا، إذ إننا سوف نموت غداً أو الذي بعده! أي تعليم هو هذا؟ نعم ممكن تحرير الأنا لكن هذا سر.

الممارسات النسكية في الأرثوذكسية تشدد كثيراً على الحاجة لقمع حوافزناالغريزية. النزوات، كالشهوة الجنسية والجوع والعطش وحتى الرغبة بالنوم، غالباً ما تكون مكتومة في ممارسة نكران الذات. ما هو دور الممارسة النسكية في البلوغ إلى التحرر من الأنا؟

النسك هو وسيلة لبلوغ حيث نريد أن نصل. إنه سكة الحديد التي عليها يسير القطار. كثيرون يشعرون أن النسك يعني اتّباع مجموعة من القوانين، لكنه ليس ناموساً مفروضاً علينا. في كرة القدم مثلاً، قوانين اللعبة موجودة لا لجعل اللعبة صعبة، بل للإسهام في إخراج اللعبة بشكل كامل. كذلك الأمر بالنسبة للحياة الروحية. الفترات الخاصة وقوانين الصيام والسهرانيات والصلوات تساعد كطرق وأدوات سرية. نحن نتبع هذه الطرقات الأسرار، هذه الارتباطات المقدّسة وهذه الأوامر الإلهية. وخارج القوانين العامة، هناك القوانين الشخصية التي تُعطى في العلاقة بين الأب والابن الروحيين، كمهمة خاصة بكل شخص. نرى القديسين الذين قضوا وقتاً طويلاً في الكهوف أو الغابات أو الصحراء. هم لا يذهبون إلى هناك حاملين مشاريع للعودة. عندما يذهبون إلى هناك فإلى الأبد والرب يهديهم.

المسيح ذهب إلى الصحراء بعد معموديته ليواجه الشيطان. لم يكن في فكره "بعد أربعين يوماً سوف أعود". فقط مضى إلى هناك. خرج من الأردن معتمداً من القديس يوحنا المعمدان ومضى إلى الصحراء. من وجهة نظر أولى، خسر الوقت في كونه وحيداً هناك. لم يمضِ إلى أهله ليعطيهم الطعام ويباركهم ويقودهم ويعطيهم الروح القدس. لا. لقد مضى إلى الصحرا وقال للشيطان "يا صديقي، انظْر، لقد كنتَ إلى الآن تتلاعب بالناس. بدأتَ بحواء في الفردوس، والآن أن تنتهي معي. أنا هنا لوحدي، منقطع عن الأكل، والبرد في عظامي في ليلاً في الصحراء أمر مريع. أنا أتألّم. لكني لا ألعب. أنا هنا وحيد وأنت تأتي إليّ وتقول بأن أحوّل الحجارة إلى خبز. أنت تقول لي بأن أنحني أمامك؟ أنت؟ ألأعطيك سلطة على شعبي؟ اذهبَ الآن. لقد رأينا بعضنا. أعرف مَن تكون وتعرف مَن أكون." في تلك اللحظة تخلّى الشيطان عن كل شيء.
إذاً الحياة النسكية ضرورية. أن يكون الإنسان مستعداً في أي لحظة للموت أمام كل الناس، هذه هي الصحراء وهذه هي الحياة النسكية التي تجلب الروح القدس. وإذا ذهبنا إليها، الروح القدس يقودنا.


مقابلة مع قداسة الأب الأرشمندريت
ديونيسيوس كالامبوكاس
+++
رئيس دير بترا،
كارديتسا، اليونان
نقلها إلى العربية قداسة
الأب أنطوان ملكي
+++

مغفرتكم لي هي رجاء
وصلواتكم رحمة
أخيكم الخاطئ
سليمان