السلّم الى الله
هذا الأحد الرابع من الصوم نقيم فيه ذكرى مَن سُمِّيَ القديس يوحنا السلّمي نسبةً الى كتاب له في الزهد يدعي "سلَّم الفضائل" من بعد تقشُّف طال اربعين سنة انتُخب رئيسا لدير جبل سيناء القائم الى اليوم، وتوفي حوالى السنة 600، وشَبَّهَ حياة الفضيلة بسلم من ثلاثين درجة يتسلقها القليلون الى آخرها الدرجات الثلاث الاولى تبحث في الاغتراب عن العالم الدرجات الأربع الأخيرة تبحث في الاتحاد بالله وتتوسطها 23 درجة، وأعلاها الوداعة والتواضع والتمييز
الكتاب في نَصِّه يخاطب الرهبان، وفي كثير من مواضعه شديد، ولكن في حقيقته يفيد منه العلمانيون ايضا، وقد عربه آباؤنا في دير مار جرجس الحرف ونشروه في منشورات النور كما في كل الكتب النسكية هناك أمور لا تتعلق بالمتزوجين وبالمنخرطين في الحياة الاجتماعية ولكن جوهر الفضائل يخاطب جميع الناس ونحن في الارثوذكسية ليس عندنا مبادئ روحية او قواعد تقشُّف مخصوصة بفئة من الناس من هذا القبيل وفي العمق كلنا رهبان دونكم هذا: "من هو يا ترى الراهب الأمين الحكيم؟ هو من يحفظ غيرته متَّقدة الى النهاية، ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همته ونشاطه نشاطا دون انقطاع"
من لم يقرأ هذا قد يظن ان العاشقين لله منطفئون او خامدون وليس عندهم إحساس قدّيسنا يقول: في طهارتِكَ انت نار، اي تطفئ نار الخطيئة فيك وتشتعل بالنار الإلهية تنزع عنك احساسا وتدخل في إحساس آخر فاذا كان الراهب ليس من هذا العالم، فأنت المتزوج والتاجر والمحامي لست من هذا العالم انك تخص الملكوت قلبك ليس في هذا العالم
للرجل كلمات تنم عن خبرة عظيمة لله دخل صغيرا الى الدير، ولا تفسير عندي لخبرته العميقة للإنسان الا انه استنار بالله ففهم كل شيء لقد عرف اللاهوى الذي يحرر جسده من الفساد ويرفع عقله فوق الخلائق ويوقف نفسه في حضرة ربه تمتد اليه بلا انقطاع اللاهوى عنده قيامة النفس منذ الآن حتى يصل الى التكلم عن العفة هكذا: "انها مقدمة القيامة العامة وبداية عدم الفساد" ويتساءل عما اذا وصل احدنا الى اللاهوى "قبل المجد المنتظر" وهنا يورد لنا قولا مذهلا لأفرام السرياني القائل لربه: "سَِّكْن عني امواجَ نعمتك" ان النعمة غمرته غمرا لا يسوغ النطق به
رأى يوحنا المحبة كما رآها القلائل فقال: "مغبوط من كان حبه لله كعشق المغروم الهائم بمعشوقه... مغبوط من صارت أمانته للسيد كأمانة العبد الأمين المتأهب على الدوام لخدمة سيده مغبوط من أضحت غيرته في الفضيلة كغيرة الأزواج الغيورين على زوجاتهم مغبوط من يقف في الصلاة امام الله وقوف الخََدم امام الملك"
يعطيك قديسنا ما لم تسمع به أذن اذا قال: "من اتَّحد بالله يلقِّنه الله أسرار أقواله" انت كنت تنتظر انك تتلقى اعماق الكلمة الإلهية اذا درست اللاهوت وتقضي حياتك بالعلوم الدينية بحثا عن المعرفة لأنها عندك معرفة العقل للنصوص واذا بيوحنا يقول: "الطهارة تفقه الإنسان في اللاهوت فيتيقن بنفسه عقيدة الثالوث" ليس في هذا تنكر للمدارس الدينية الصغيرة والكبيرة الطهارة انطلاقة المعرفة وبيئتها
لقد رتَّبْنا ذكرى هذا القديس بعد ان انعطفنا على القسم الثاني من الصوم لئلا نظن اننا بمجرد الإمساك عن الطعام نصل الى الرؤية لا، هناك ما ينزل عليك إِن تدرَّجْتَ على سلَّم الفضائل واقتنيتَها الواحدة بعد الأخرى فإن القلب الطاهر مسكن الثالوث عندما كان غريغوريوس اللاهوتي يقول: "الثالوث فرحي"، معنى ذلك انه تذوَّقَ ما كان اعمق بما كتبه عن الثالوث في خِطَبِهِ الخمس صار الله فيه طهارةً جعلت قلبه اسمى من المنطق إِن حاولنا هذا نشاهد الفصح
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات