سر القلب
بقلم / الأرشمندريت سلوان أونر
"القلب صغير ومع ذلك يوجد فيه تنانين وأسود ووحوش سامة وكل ينابيع الشر إلى جانب المهالك والطرقات الوعرة الخشنة، وفي نفس الوقت يوجد فيه الله نفسه، والملائكة والرسل، ويوجد فيه الحياة والملكوت والنور، كذلك المدن السماوية وكنوز النعمة كل هذه توجد فيه". (عظات القديس مكاريوس الكبير: العظة 43 المقطع 7).
هكذا يتحدث القديس مكاريوس الكبير عن القلب، وبهذا الكلام يُدخلنا إلى ما يسمى "سر القلب" ولكنه لا يشرحه بشكل مفصّل، فالقلب يملك قدرة هائلة على احتواء الكثير، حتى الأمور المتعاكسة، فمن الممكن أن يكون مليئاً بملائكة الله أو شياطين كثيرة. بمراقبتنا لأنفسنا وطريقة حياتنا ونمط تصرفاتنا نستطيع أن نعرف بماذا يمتلئ قلبنا. فإذا كنّا من الذين يتكلمون عن الأمور السيئة في حياتنا وحياة الآخرين ونبحث من هنا وهناك لتجد ضعفات الآخرين وسيئاتهم لنتحدث عنها وننتقدهم بها، فيزداد الشقاق بين الإخوة، عندها نتأكد أن قلبنا لم يتنّقى كفاية بل فيه من الكراهية والحقد والأنانية القليل، أو الكثير، وهذا يفسّر تصرّفاتنا.
يحتاج الأمر إلى تربية بيتية حقيقية أو توعية ذاتية، لمن لم تسنح له الفرصة أن يحصل عليها في البيت، فإذا اعتاد الإنسان أن يتعامل مع الأمور بغضب وأنانية وكبرياء فهذا يملئ قلبه بالقساوة التي تُقصي المحبة فيظلم قلبه بشكل تدريجي، ليصبح صعباً مع الوقت تنقيته إلا بمعجزة من الروح القدس، أما إذا اعتاد أن يتعامل مع مجريات الأمور بصبر وتعقّل وتواضع فهذا يُملئ قلبه بالحب ويجعله يتصرف بكل حياته على هذه المبادئ الأساسية فيصبر ويتعقّل ويتواضع لأنه حقيقة يُحب، ويُدرك أن الكمال لله.
البعض يضعون أنفسهم في موضع الحق والحقيقة وبحجة الدفاع عنها وعن الكنيسة والمسيح يستخدمون أسلحة شيطانية لمحاولة تدمير وتشويه الأخ الذي لا يوافقهم الرأي أو ينسجم معهم بنفس الأسلوب في العمل، حتى ولو كان الآخر هو ممن يعمل في مضمار الخدمة الكنسية والمسيح. يظنون أنهم يدافعون عن الكنيسة ولكن ألا يقرؤون الكتب المقدسة: " فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ" (متى 34:12)، فاحذر كيف تتعامل مع أخاك لأن الطريقة تكشف ما في قلبك: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْبِ يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (متى 35:12). أخي ازرع في قلبك الحب.
كل الأطباء النفسيون والجسديون لا يركزّون على القلب في شفاء مرضاهم مكتفين بالأسباب العصبية أو العضوية، أما أنا ككاهن فأركّز على القلب، والشفاء يكون بتعلم الصلاة النقية.
بالصلاة يتطهّر القلب ويتحرر من الشهوات، وتهرب قوات الشر، فاسم يسوع يطهّر ويقدّس، هذا الشفاء لا يقتصر على الفرد الذي يُصلِّي، لكنه يتصل بمَن حوله كمثل رائحة الطيب الذكية. يقول الأب صفرونيوس تلميذ القديس سلوان: "افتحوا قلوبكم حتى يرسم فيها الروح القدس صورة المسيح"، نحن نصلي بالروح وفي الروح نصل لمشابهة المسيح، وحينئذ تفيض ثمار الروح. نحن مدعوُّون، إذن، للحياة في المسيح لنكون مسوقين بالروح، وليمتلئ قلبنا من الروح، وأخيراً لنصير نحن بدورنا ينابيع للروح، حسب كلمات الرب: "إن عطش أحدٌ فليُقبل إليَّ ويشرب، مَن آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مُزمعين أن يقبلوه" (يو37:7-39).
لنفهم جيداً أن الجحيم ليس فقط مكاناً للهلاك والعذاب الأبدي، إنه ليس أقل من حالة قلب الإنسان عندما يصير مرتعاً للحزن واليأس والكراهية، فليتعلم الإنسان، وهو في أعماق اليأس، أن يكون - وهو في هذه الحالة - حاملاً المسيح في قلبه بدون يأس، كما يقول القديس سلوان الآثوسي: "احفظ ذهنك في الجحيم، ولا تيأس". فلا تتصرف وكأنك من أهل الجحيم بل من أهل ملكوت السموات وزِن كل تصرفاتك وأقوالك، لترى إلى أيِّ أهلٍ تنتمي؟؟. ملكوت السموات يدعو لإخلاء الذات ومحبة الآخر، القلب يحقق ذاته عندما يُخلي ذاته.
على مر الزمان وخلال تجارب الحياة يمتلئ القلب بالحب أو بالكراهية (التي ليست واضحة للجميع)، ومقدار الامتلاء من الأمرين يحدده كيف نحيا ونتجاوب مع تجارب الحياة ونتصرف إزاء مواقف الحياة أو الآخرين، لا تترك الشيطان يُملئ قلبك بالكراهية بحجج واهية كبناء الآخر أو كأنك تحارب الفكر الخاطئ وليس الشخص الذي يحمل هذا الفكر، إلخ... بل دعِ الصلاة النقية باسم الرب يسوع تقودك أنت وفكرك ولسانك وتصرفاتك، المسيح أحب حتى الذين صلبوه وسامحهم، وأنت يجب أن تتعلم من معلمك المسيح أن تفعل المثل حتى مع الذين يختلفون معك حول فكرة ما، وليكن ميزاننا الوحيد الصحيح أننا أبناء الملكوت وكأبناء الملكوت يجب أن نتصرف
الحياة الرهبانيه الأرثوذكسية

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات