هذا هو دخول السيد الأخير الى أورشليم "قاتلة الأنبياء والمرسَلين اليها"، والذي نقيم ذكراه غدًا. يسوع عالم بمكيدة اليهود، وهذا ذُكر غير مرة في الأناجيل. في إيماننا أن المعلّم تطوّع لموته وإن كان قتيلاً سياسيًا. أما قال قيافا: "أن يموت رجل واحد فدى الشعب خير لكم" (يوحنا 18: 14). هذا الدخول الى أورشليم، الذي بدا ظافرًا وموضع ترحاب من الأمة وأطفالها، كان طريقًاً إلى الموت. "ألا أشرب كأس الآلام التي جعلها لي الآب"؟ (يوحنا 18: 11).
يسوع الناصري على وداعته كان صداميا بامتياز. ومن درس الإنجيل جيدا يفهم أن هذا الصدام لا بدّ من أن ينتهي بكارثة. كيف انسان فقير أعزل لا يحميه أحد يقاوم رؤساء الكهنة والعلماء وحزب الفريسيين النافذ بكل هدأة فيه وشراسة عند الأعداء الذين أظهروا قدرتهم في تحدّي الوالي حتى أجبروه على قتل يسوع!
يدخل المدينة المقدسة عالمًا أنه يقدّم نفسه ذبيحة، ولكن عالمًا أيضًا أنه يطلق بهذا الانصلاب المحبة في العالم ونموذجًا لشهداء الله المسحوقين في كل الأرض، الفصيحة دماؤهم أبدًا.
دم الناصري قال لنا: "هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد". للمرة الأولى فهمت البشرية أن الله ليس إله جيوش ولو كانت جيوش الشعوب التي تحسب أنها خصيصة الله. عند الناصري دمه كان فقط لغة محبته للعالم. اقتضت المحبة أن ينزل ابن الله نفسه الى العالم ليقول للناس إن طبيعة إلهه تضطره إلى أن يبلغهم بالدم أنه يحبّهم.
ما ضاع وقت يسوع بين يوم الشعانين (عيده غدًا) ويوم ذبحه. لا مجال هنا لذكر كل ما صنع في هذه الفترة القصيرة، ولكنها مليئة بإطلالات له بليغة من أهمها أنه "طرد جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل. فقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام"، هؤلاء الذين يجعلون الهيكل مغارة لصوص. اللص ليس عنده مقدس. يأخذ مقاماً له في الكنيسة أو في الدولة. هل نطرد نحن اللصوص من كل مقاماتهم؟ هل نحن حريصون على قدسية الدنيا في كل مجالاتها أم استرخينا لاعتقادنا أن لا مجال لمكافحة الفساد؟
# #
إطلالة فريدة أخرى هي غسله أقدام تلاميذه في العشاء الأخير. هنا يضعنا يوحنا في السياق الفكري لهذا العمل: "وكان يسوع يعرف أن الآب جعل في يديه كلّ شيء وأنه جاء من عند الله والى الله يعود. فقام من العشاء وخلع ثوبه وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صبّ ماءً في مغسلة وبدأ يغسل أرجل التلاميذ". ثم فسّر لهم ذلك: "وإذا كنت أنا السيد والمعلم غسلت أرجلكم، فيجب عليكم أنتم أيضًا أن يغسل بعضكم أرجل بعض". معنى ذلك على الدوام أن كل كبير منا لا يكتمل كبره إلا إذا أحسّ بنفسه أنه على مستوى أقدام البشر جميعا، لأن الكل بلا استثناء أفضل منه، واذا لم يشعر بذلك ليس خصيص المسيح. ذلك لأننا وجدنا لنخدم كل انسان حولنا خدمة كاملة حتى منتهى الحب. هذا وحده ينجينا من كبريائنا.
لعل أفصح إطلالة ليسوع الباقية في الكنيسة الى الأبد والمتخذة معناها من موته وقيامته إطلالة العشاء السرّيّ التي يرويها لوقا هكذا: "وأخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم، وقال: هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري". وكذلك الكأس ايضًا بعد العشاء، فقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم". هذا صار، عند المسيحيين، القداس. لقد أراد يسوع أن يعقل فاعليّة موته وقيامته بهذه الصورة. ومعنى كلامه الذي لا يحتمل معنى آخر أنكم اذا أتممتم هذه الرتبة في اجتماعكم يوم الأحد تصيرونني وأصيركم. هذا يفهمه من يستطيع القول: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا".
ما يبرر هذه القراءة أن الجسد في الحضارة العبرية يدلّ على الشخصيّة ذاتها. أن تأكلوا جسدي يعني أن تأكلوني أنا، أن تستدخلوني ذواتكم فلا يبقى من مسافة بيني وبينكم. لا مجال هنا للرمزية أو الاستعارة ولدلالة للجسد ليست دلالته العبرية. أنتم في القداس الإلهي تأخذونني كليًا.
وإذا قال دمي، فالدم عندهم هو الحياة. المعنى أن حياتي كلها تصبح حياتكم وحياتكم حياتي. هذه تبدو مائدة على الأرض إلا أنه هو القائل: "وأنا أعطيكم ملكوتًا كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي".
إطلالة المسيح بالقرابين المقدسة هذه لا يستنفذ معناها إلا في خطبة الوداع التي تبدأ من الإصحاح (أو الفصل) 14، الآية 31 عند يوحنا حتى نهاية الإصحاح السابع عشر، وهي تتحدث مليًّا عن علاقة يسوع بالآب والروح القدس كما تتحدث عن علاقته بالمؤمنين به. أظن أني لا أتجنّى على العهد الجديد إن قلت إن خطبة الوداع ذروته، ولو كان هو كله فيها. هنا تقرأ قوله: "أنا هو الطريق والحق والحياة". هنا تفهم طبيعة المسيح: "من رآني رأى الآب"، ولا معنى تاليًا للجدل حول الطبيعة والطبيعتين. هذا السجال عرفناه اليوم أنه جدل لفظي فقط، إذ ما من مسيحي لا يؤمن أن من رأى المسيح فهو يرى الآب، أي ليس من مسيحيّ لا يؤمن أن مسيحه إله تام وإنسان تام.
الى هذا كلام صعب على السلوك: "إذا كنتم تحبوني عملتم بوصاياي". ويتردد هذا الكلام بصيغة أو بأخرى. كل معنى القرابين المقدسة في قوله: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم". هذا يتضمّن ردا على كل من حسب أن المسيحية روحانية فقط ولا تتعلق بهذه الأرض. سؤالي: هل الأرض تتعلق بالأرض أم أن الأرض تأتي بها السماء؟ ما السلوك سوى إسقاط السماء على الأرض؟ إن لم تصل إلى اعتماد خطبة الوداع تكون أنت المسيحي مقيمًا طقوسًا وبانيًا أبنية كنائس ويكون كهنتك لابسين لباسًا خاصًا، وببساطة تكون على ديانة شكلية لا علاقة لها بالأنوار الساطعة من الله والحب النازل عليك من قلب المسيح. إذا غدوت ساعيًا إلى المسيحية في دسمها، فهذا هو الدسم.
# #
كل آلام المسيح، التي لن أتكلّم عليها اليوم، مرتبطة بهذه الخطبة. ما حدث للسيّد متصل بما قاله. وما قاله يكشف معنى الأحداث التي شاءها لنفسه. كل حنان خطبة الوداع سيظهر في عذابه وصبره وانخطافه الدائم الى الآب قبل انخطافه الأخير وفي انخطافه.
هنا أفهم ما قاله بولس لإحدى الكنائس: "لست أعرف بينكم إلا المسيح وإياه مصلوبًا" (1كورنثوس 2: 2). حدث الصلب إن لم تجعله معنى فيك يبقى ضعيفًا. كل شيء عندنا معنى إلا وهو انكشاف الله في الإنسان المسمّى يسوع الناصري. به تظهر الألوهة غير نظرية، قائمة فينا على تعاليمها وضامنة لفصحيتنا.
الفصح هو هذا العبور الدائم من عثراتنا الى وجه الله، ذلك العبور الذي كان محققه في التاريخ المسيح في جسده وفي كلامه. قيامته هي التعبير الفصيح عن أنه قام حيًا من بين الأموات لكي لا يبقى للموت فاعلية في الوجود البشري، لكي نصبح نورًا والكون من بعدنا نورًا.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات