باسم الآب والابن والروح القدس, إله واحد آمين


"خبزنا الجوهري أعطنا اليوم"

بركة الرب معكم جميعاً

أحبائي في الرب:
" أنتم المشكاة ونحن الفتيل"



مِنَصَّة الشهادة بامتياز اليوم!


الجسد مطرح يتجلّى فيه الإنسان. ومطرحُ التجلّي بامتياز لديه هو وجهه. لذلك الإنسان وجه. أنتَ لا تعرف الإنسان إلاّ إذا نظرتَ إلى وجهه، وفي الوجه إلى العينين. هوّية الإنسان تقفز إليك من عينيه. ما تبقّى من الجسد امتداد. الجسد كتلة لحمية إلى أن تتحدّد هوّيته في وجوه الناس.

ليس الإنسان جسداً بل في جسد. الجسد لغة. إذا لم يكن الهمُّ تواصلَ القلوب عبر الأجساد فقد أضحت الأجساد جملة ثرثرات.

فالجسد، بمعنى، بيت القلب. البيت، أيُّ بيت، ليست قيمته في عمارته بل في ساكنيه. هكذا الجسد. المهم أن يكون عامراً بالحبّ. لأنّ الحبّ معدن القلب. فيه عافيته أو يكون سقيماً.

لذا عافية القلب المحبّ تعبِّر عن ذاتها في الجسد بالعفّة.

الإنسان الذي لا يسلك في العفّة لا يمكنه أن يكون محبّاً، ولا يمكنه، تالياً، لا أن يعرف الناس ولا الله لأنّ الله محبّة.

في العفّة أنتَ لا تقف عند حدود الجسد. الجسد في العفّة شفّاف يصلك بالقلب. لا يستوقفك لأنّه ليست فيه كثافة. الجسد العفيف يتدبّر بالخفر، حييّاً. سعيه أن يتوارى، ألا يُثقّل ليُسمَع فيه صوتُ القلب رفيفاً. وصوت القلب همسٌ. ليس في القلب المحبّ ضجيج.

الجسد في العفّة ليس برسم الكشف. فقط الوجه ليكون به تواصل. مثال العفّة عندنا والدة الإله. كلّها وجه ويدان: إحداهما تحتضن السيّد والأخرى تمتد إليه مصلّية. هكذا يتكشّف فيها جسد المجد. ما تبقى من البدن يحتجب. ليس لأنّه دنس بل لأنّه بيت الله، هيكل الله. لا يتكلّم من ذاته بل يحتضن القدسات. هيكل الله لا يعود بعد تكريسه مجرّد جسد لحمي. لذلك لا دالة لأحد عليه ولا يقربه أحد إلاّ بالبركة. الجسد لله. "ليس الجسد للزنا بل للربّ والربّ للجسد" (1 كو 6: 13). في الجسد، إذاً، قدسية تفرضها الحضرة الإلهية. لا مجال فيه للابتذال. قدّيسو الله لا يتعاطون أجسادهم إلاّ بخفر كبير. يخشون الدالة عليها لئلا يبتذلوها فتصير لهم لا فخّاً وحسب بل لعنة أيضاً لأن "أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية. حاشا" (1 كو 6: 15).

ليس صحيحاً للمؤمن بالربّ يسوع، إذاً، أنّ جسده له. أنتم لستم لأنفسكم، كما يقول الكتاب العزيز، "لأنّكم قد اشتُريتم بثمن" (1 كو 6). نحن لا نتصرّف بأجسادنا على هوانا، بل كما نمجّد الله في أرواحنا نمجِّده في أجسادنا أيضاً (1 كو 6: 20). لذا نحن لا ننتمي إلى الكثير مما يُقال ويُسوَّق اليوم في أوساطنا:

·لا ننتمي إلى مَن يقولون بالحرّية الجنسيّة.
·ولا ننتمي إلى مَن يُشيِّعون أنّ إطلاق الجسد في الفسق والزنى يحرّرنا من العِقَد.
·ولا ننتمي إلى مَن يقولون بأنّ للإنسان الحقّ في التفلّت في الجسد قبل الزواج.
·ولا ننتمي إلى مَن يعتبرون الفسق والزنى من عمل الطبيعة.
·ولا ننتمي إلى مَن يعتبرون العفّة في الزمن الرديء مستحيلة.
·ولا ننتمي إلى مَن يبذلون أجسادهم في الفسق والزنى ليخفّفوا عن أنفسهم ضغوط الطبيعة.
·ولا ننتمي إلى مَن يُقبِلون على الفسق والزنى لأنّ كل الناس يفعلون ذلك.
·ولا ننتمي إلى مَن يتسامحون في شأن الفسق قبل الزواج ولو كانوا محسوبين منّا.

هذا:
·لأنّ الحرّية الحقّ لا تسوّغ لكَ الاستسلام لتوترات الجسد، بل بضبط النفس تصير حرّاً.
·ولأنّ إطلاق الجسد في الفسق والزنى يجعل الآخر في عينك جسداً ولا تعرفه، من بعد، حبيباً.
·ولأنّ الجسد قبل الزواج وفي الزواج وبعد الزواج هو بركة وقربان لأنّه أبداً للربّ.
·ولأنّ الفسق والزنى تَعدّ، بالنيّة، على الطبيعة لأنّ مآل الطبيعة عندنا أن يصير الرجل والمرأة واحداً على صورة المسيح والكنيسة (أف 5: 32).
·ولأنّ العفّة، في المسيح، حاصلة للمؤمنين بكل تأكيد، حتى في أردأ الأزمنة، طالما نحن بالنعمة مخلَّصون (أف 2: 5).
·ولأنّ مقاومة الفسق والزنى هو الذي يقينا من استبداد ضغوط الطبيعة ويحفظنا في النعمة.
·ولأنّه ولو أقبل أكثر الناس على الفسق والزنى لا يُقبِل المؤمن الحقّ لأنّ له كتاباً للحياة غير كتب الناس، وكل إناء ينضح بما فيه.
·ولأنّ مَن يسمحون بالفسق قبل الزواج لا يراعون الضعفاء بل يهدمونهم لأنّهم يشرِّعون ما لا تجيزه الشريعة. وهم يكرّسونهم في الضعف بدل أن يشدّدوهم بقوّة النعمة الإلهية.

لا شكّ أن هذا الزمان، زماننا، هو زمان الشهادة بامتياز. وجهاد العفّة المبارَكة هو الشهادة. قليل منّا يضطهده الآخرون جسدياً اليوم. لسنا، في أكثر الأحيان، عرضة للموت الجسدي اضطهاداً. ومع ذلك كل العالم يضطهدنا في عفّتنا. لذا نحن، في كل حين، عرضة لموت النفس. مستحيل على أي منّا أن يكون له نصيب مع الله طالما لم يذق، اليوم، جهاد العفّة. "لا زناة ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور... يرثون ملكوت الله" (1 كو 6). كل مَن قال لكم غير ذلك لا تصدّقوه. وإذا ما أقام أحد في النجاسة فلا شيء بعد ذلك يعوّض: لا صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولا حتى السلوك في فضائل أخرى لأنّ مَن أخطأ في فريضة واحدة فقد أخطأ في الشريعة برمّتها. عليه بالتوبة إذاً! العالم متخَم بالزنى ورموز الزنى، هذا صحيح! رموز الزنى تلاحقكَ حيثما حللت، هذا أيضاً صحيح! ولكنْ الصحيح أيضاً أنّه في زمن عزّت فيه العفّة، كلُّ مَن يجاهد في حفظها، في مصاف كبار القدّيسين، كأنطونيوس الكبير وسمعان العمودي وسابا الكبير، يُحصى! هذه اليوم هي مِنَصَّة الشهادة بامتياز!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

أختم مذكراً نفسي والمؤمنين قاطبة أن الرب يسوع المسيح هو الكاهن الأعظم, وأدعو أن يجمعنا سوية على مائدته المقدسة.

معاً , نحن ماضون إلى ملكوت الرب .

أغفروا لأخيكم الخاطئ
سليمان