[COLOR="rgb(160, 82, 45)"]يخبرنا الكتاب المقدس بأن الله هو الذي شكلنا في رحم أمنا، وعندما شكلنا وضع فينا أعلى إمكانية محتملة: التأله والإتحاد بالله. جزء من مأساة الإنسان أن هذه الإمكانية العظيمة تبقى فقط كإمكانية ولا تتحقق في ملؤها. الإنسان في الحقيقة هو مخلوق ضعيف لكنه وهب من الله إمكانية عظيمة رائعة. يقول الكاتب رالف والدو: "ما نخلفه ورائنا وما يمتد أمامنا يعتبر مسائل صغيرة مقارنة بما يكمن في داخلنا" . كلنا نولد متساويين. عملنا هو أن ننمو ونفوق المساواة بالإمتداد نحو تحقيق إمكانيتنا في السيد المسيح. هناك عظمة فينا،


قال العلامة أوريجانوس (184-254م): "كل كائن بشري هو بالطبيعة هيكل لله، مخلوق ليستقبل في نفسه مجد الله ذاته". بالرغم من أننا كبشر لن يكون لنا طبيعة إلهية مطلقاً، إلا أننا مدعوون لنصير شركاء الطبيعة الإلهية (2 بط 4:1).


علم اللاهوت الأرثوذكسي يسمي الإمكانية التي خلقنا الله من أجل تحقيقها : التأله، لا ترتعب من هذه الكلمة، فهي في الواقع مفهومها بسيط جداً، وهو أن جوهر البشارة الأرثوذكسية هو أننا مدعوون للأشتراك في حياة الله ذاتها. الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي معناه الإيجابي أكثر بكثير من معناه السلبي. الخلاص يعني ليس فقط التبرير وغفران الخطايا بل يعني أيضاً – ولدرجة أكبر – التجديد وإعادة إصلاح صورة الله فينا، ورفع البشرية الساقطة بواسطة السيد المسيح إلى حياة الله ذاتها. السيد المسيح يغفر لنا ويحررنا من الخطيئة والموت حتى يمكننا أن نتقدم نحو تحقيق الإمكانية التي فينا، وهي أن نصير مثل الله في المسيح وان نشترك في حياته. السيد المسيح جاء ليخلصنا من الخطيئة لكي نشارك في حياة الله. وبكلمات أخرى، نحن خلصنا من الخطيئة لهدف التأله الذي هو إمكانيتنا العظيمة.


التأله هو إشتراك شخصي في حياة الله من خلال الإيمان والصلاة والأسرار الكنسية.
التأله هو الإمكانية الغنية التي وضعها الله في كل إنسان مُعمد.
التأله هو اسم مسيرة الخلاص التي تبدأ بالمعمودية حيث نتحد بالمسيح ونتغير نحو شبهه.
التأله هو تغيير وتجلي أسلوب حياتنا، من حيث إهتمامنا بالقريب والمشاركة المتبادلة و المحبة، وتوظيف أنفسنا وأملاكنا والخيرات الأرضية لخدمة الله.

يكتب الأب جورج فلورفسكي ما يلي: معنى التأله هو الشركة الحميمية للبشر مع الله الحي لا أكثر. أن تكون مع الله معناه أن تسكن فيه وأن تشترك في كماله".

التأله هو "الحياة في المسيح". يقول بولس الرسول: "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في" (غلا 20:2). عندما يحيا المسيح فينا، تكون حياة الله فينا. عندما يحيا فينا، لا يكون المسيح مثل تمثال ميت في معبد بل يكون حياتنا ذاتها. تصير هناك شركة حقيقية بالطبيعة الإلهية والحياة الإلهية.

القديس بولس الرسول أستخدم هذا التعبير : "إلى أن يتصور المسيح فيهم" (غلا 19:4). مثل هذا الإتحاد مع المسيح يؤلهنا، مع ترك شخصيتنا كلياً بلا مساس. فهذا لا يستلزم على الإطلاق إمتصاص شخصية الإنسان بل الإزهار والتحقيق الكامل – بنعمة الله - لشخصية الإنسان الفريدة المعطاه له من الله.



لا عجب في أن الكنيسة الأرثوذكسية تعتبر هدفنا في الحياة هو الإتحاد بالله أو التأله! فنحن خلقنا للإشتراك في حياة الله. هذا ما يجعلنا مختلفين عن الحيوانات. نحن خلقنا لكي نكون أوعية لحياة الله، وبدون ذلك نتوقف على أن نكون حقاً كائنات بشرية. عندما سأل شخص يوماً ما كاهناً أرثوذكسياً عن إعتقاده في ما هو الشيء الذي تشدد عليه الكنيسة بشكل رئيسي في تعليمها الأرثوذكسي، أجابه بكلمة واحدة: "التأله"، وكان مُحقاً. ويقال أن أعظم تقدير قدمه الله للإنسان هو عندما قال له: "كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" (مت48:5).


التأله ليس فقط عقيدة، أو تعليم للكنيسة، لكننا نراه كحقيقة حية في والدة الإله وقديسي الكنيسة. التأله نراه حقيقي في القديسين الذين تبرروا وتقدسوا وصاروا أبناء وبنات القيامة.

القديسين هم آلهة بالنعمة والشركة، عاكسين نور ومحبة المسيح في حياتهم. حياة القديسين وأيقوناتهم تشرق بحضور الله، وتعمل على تذكيرنا بدعوتنا السامية: أن نصير آلهة بالنعمة، "لأن الخليقة نفسها أيضاً ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله" (رو21:8).

شرح تجسد السيد المسيح وعقيدة التأله عند الآباء يسيران جنباً إلى جنب. فالرب صار ما نحن عليه حتى يمكننا أن نصير على ما هو عليه. من خلال التأله، تحققت صلاة الرب يسوع الشفاعية: "ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا"

القديس غريغوريوس النزينزي يوضح كيف أن سر التجسد ونعمة التأله مرتبطين إرتباط وثيق بعضهم ببعض، عندما قال: "دعونا نعرف كرامتنا، دعونا نكرم نموذجنا الأصلي

دعونا نعرف قوة هذا السر ولماذا قبل السيد المسيح الموت، دعونا نصير مثل المسيح بما أن المسيح قد صار مثلنا.

دعونا نصبح آلهة لأجله بما أنه قد صار إنساناً لأجلنا.
هو قد أتخذ الأسوأ حتى يمكن أن يعطينا الأفضل. صار فقيراً حتى يمكننا بواسطة فقره أن نكون أغنياء. أتخذ لنفسه صورة عبد حتى يمكننا أن نُرفع. جُرِبَ حتى يمكننا أن نغلب. قبِل العار حتى يمكنه أن يمجدنا. مات حتى يمكنه أن يُخلصنا. صعد حتى يمكنه أن يجذبنا لنفسه، يجذب ذلك الإنسان الذي كان مذلولاً في سقوط الخطيئة. دعونا نعطي كل شيء، نقدم كل شيء لذلك الذي قدم ذاته فدية ومصالحة لأجلنا. لكن لا شيء يمكن أن يعطيه الشخص مثل أعطاءه لذاته، بتفهمه هذا السر، وصائراً إكراماً للمسيح كل ما صار هو إكراماً لنا"


أب آخر من آباء الكنيسة هو القديس إيرينيئوس يضيف الآتي: " أنه لهذه الغاية صار كلمة الله إنساناً ، وابن الله صار ابن الإنسان، حتى يمكن للإنسان بإتحاده بالكلمة وقبوله التبني أن يصير ابن الله. إذ لم تكن هناك أي وسيلة أخرى يمكننا بها أن نحقق عدم الفساد والخلود. إذ كيف يمكننا أن ننضم لعدم الفساد والخلود ما لم يصر الخلود وعدم الفساد على ما نحن عليه أولاً، حتى يمكن للفاسد أن يُبتلع من عدم الفساد، والمائت من الخلود ، حتى يمكننا الحصول على تبني الأبناء؟"[/COLOR]