[COLOR="rgb(139, 0, 0)"]بعض الباحثين البروستانت مثل أدولف هارناك يرفضون العقيدة المسيحية القديمة: "التأله"، على أنها غير كتابية ونتاج التأثير الهيلليني الوثني. لكن الباحثين المعاصرين أظهروا أن التأله – على الرغم من وجود بادرة هيللينية – عقيدة مسيحية بشكل كامل في فكر وتعليم الآباء الذين كتبوا باليونانية، ومتفقة جداً مع الكتاب المقدس.
كتب أثنين من الباحثين المعاصرين : " من السهل أن تشوش "التأله" المسيحي ببعض من الأفكار الوثنية التي سبقته، وبناءً على ذلك ترفض المعنى المسيحي بسبب الصفات السيئة التي للمعنى الوثني. لكن آباء الكنيسة الأولى لم يُشوشوا هكذا بكل سهولة، ربما لأنهم كانوا بالقرب من مصادر التشويش (معاصرين للوثنية)، وبالتالي كان لزاماً عليهم أن يبينوا التمايز والإختلاف بشكل واضح
يظهر الباحث جروس - عند مقارنة التأله المسيحي بما سبقه من فكر هيلليني وثني - أن آباء الكنيسة رأوا التأله كعقيدة مسيحية بلا جدال. عقيدة التأله ليست جزءاً مما دعاه هارناك : تحويل كلمات البشارة الأصلية إلى فلسفات يونانية وثنية، لكنها بالأحرى نمو متواصل نحو الحالة التي يجب أن نرجع إليها، الحالة التي " سلمها إلينا الكلمة (اللوغوس) في البداية" (بحسب كلمات القديس إيريناؤس). فآباء الكنيسة الأولى في الشرق لم يهيللينوا المسيحية بقدر ما نصَّروا الهيللينية.
يعلمنا علم اللاهوت الأرثوذكسي أن التأله ما هو إلا النمو والإزهار - الذي لا ينتهي - لصورة الله فينا، التي تنضح بجمالها من مجد إلى مجد.
التأله هو تحقيق الإمكانية التي زرعها الله فينا في المعمودية المقدسة. التأله هو تلك العملية التي تصير فيها الصورة – بنعمة الله – على مثال الله.
كتب الأب ستانيلوي أن " صورة الله لم تُفقد نتيجة للخطيئة لكن عملية التحول ليصير الإنسان على مثال الله توقفت". هذه العملية إستأنفت الآن في المسيح. لا يستطيع أحد أن يبلغ إلى هذا الإتحاد الباطني مع الله إلا في المسيح ومن خلال المسيح بقوة الروح القدس، فهو الطريق الوحيد وليس هناك غيره.
يمكن للطبيب النفسي أن يخبرنا ما هو الخطأ فينا، سواء من الناحية النفسية أو العاطفية، لكن السيد المسيح هو فقط الذي يستطيع أن يعطينا القوة للنهوض من الخطيئة والضعف، لكي نصير ما ينبغي علينا أن نكون عليه: أولاد الله وآلهة بالنعمة.
يكتب الأسقف مكسيموس أجيورجيوسيس : " يميز آباء الكنيسة بين صورة الله في الإنسان ومشابهته له أو المثال الصورة هي الإمكانية المعطاة للإنسان التي يمكنه بواسطتها الحصول على حياة التأله (الشركة مع الله)،
أما المثال فهو تحقيق هذه الإمكانية، أي أن تصبح أكثر فأكثر صورة الله، ومن ثم أكثر فأكثر مثل الله. بكلمات أخرى، التمييز بين الصورة والمثال هو التمييز بين ما نحن عليه (بإلإمكانية التي أعطاها لنا الله) وما نحن صائرون إليه
الخلاص وفقاً لعلم اللاهوت الأرثوذكسي ليس حالة وجود بل حالة تحول، حركة ثابتة نحو الإتحاد بالله (التأله)، الذي لا يمكن ان يتحقق بالتمام في هذه الحياة. هي عملية تبدأ هنا وتُحقَّق وتكمَّل في السماء. لم يقل قديسو الكنيسة قط: "أنا خلصت، أنا مُبرر، أنا وصلت"، بل كانوا دائماً في الطريق، لذلك استمروا في ترديد صلاة يسوع حتى نهاية حياتهم: "ياربي يسوع ابن الله أرحمني أنا الخاطئ". الحياة المسيحية هي حياة نمو مستمر، تحول مستمر، رحلة مستمرة من كون الإنسان على صورة الله إلى أن يصير على "مثال الله".
عملية التأله تبدأ بالمعمودية لكنها سوف تكتمل بكل بهاءها فقط في ملكوت الله أي في السماء. هناك اولاد الله لن يُنظروه فقط في مجده (يو 17: 24)، لكنهم برؤيتهم الله "كما هو" سوف يصيرون "مثله" (1 يو 3: 3-5). هناك سوف نشترك فيه بصورة أكثر كمالاً،
بحسب كلمات القديس يوحنا الدمشقي: " أيها المسيح – فصحنا العظيم المقدس – أيها الحكمة، كلمة وقوة الله، أمنحنا أن نشترك فيك بصورة أكثر كمالاً في يوم ملكوتك الذي لا يعرف غروب"، وكما يقول القديس أغناطيوس "هناك يكون الإتحاد النهائي والكامل مع الله، هذا الإتحاد الذي قد تشكل فقط في هذه الحياة الحاضرة سوف يُزهر ويتفتح بكل روعته هناك". ويقول أيضاً: "هناك بعد القيامة سيكون للمؤمنين شركة في المسيح وسوف يحوزون على عدم فساد وحياة أبدية".
يضيف القديس كيرلس السكندري أن فدائنا هو عملية متواصلة وديناميكية نحو التأله، والتي سوف تحقق كمالها النهائي في المجيء الثاني للمسيح. في الدهر الآتي، هبة التأله الممنوحة لنا في هذه الحياة بواسطة تشبهنا بالسيد المسيح وسكن الروح القدس سوف تُحقَّق في كمالها. إذ أننا ونحن لابسين الجسم الروحاني (1 كو 44:15) وصائرين في عدم فساد (1 كو 52:15) سوف نرى الله وجهاً لوجه (1 كو 12:13).[/COLOR]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات