الغضب، في الفردوس، كان مبارَكاً. زَرَعَه الربّ الإله في الإنسان ليعطيه له أداة يردّ بها عن نفسه، بعنف، كلّ حيلة شيطانيّة ترمي إلى فصله عن الإله الحقّ وصرفه عن حفظ الأمانة لله. آدم وحوّاء احتال عليهما الشيطان ولم يستعملا القوّة الغضبيّة فيهما لردعه، ولو فعلا لنجحا وحفظا نفسيهما مما لحقهما من أذى. وإذ انطلت عليهما الحيلة سقطا في ما كان الشيطان ساقطاً فيه وهو عبادة الذات. بقبول الإنسان نصيحة الشيطان خرج من فَلَك الله ودخل في فَلَك الشيطان. مذ ذاك أخذ يتخلّق، بصورة تلقائيّة، بأخلاق الشيطان. أما الغضب، في الحالة التي آلَ إليها آدم وحوّاء، فتحوّل إلى أداة للقمع والتخريب وتسلّط الإنسان على الإنسان والموت. هكذا أخذت عبادة الإنسان لذاته تعبِّر عن نفسها. صار الغضب قوّة مدمّرة لخليقة الله بعدما كان قوّة مبارَكة للمحافظة عليها. لم يعد أداة للدفاع عن الحقّ بل تحوّل إلى سلاح للباطل. الربّ يسوع، كانت طبيعته البشريّة هي إيّاها طبيعة الإنسان في الفردوس قبل السقوط. لذا تركّزت قوّته الغضبيّة في الغيرة لله. فلمّا قدم إلى الهيكل وعاين الناس يبيعون ويشترون وأدرك كيف حوّلوا بيت الله إلى سوق تجاري، غضب غضباً شديداً، غيرةً للحقّ، وصنع سوطاً وضرب مَن كانوا هناك وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وهو يقول لهم: "بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (مر11). إلى أن يعود الإنسان إلى عبادة الله بالروح والحقّ من خلال حفظ الوصيّة الإلهيّة، ليس مأذوناً، لمَن يحسبون أنفسهم لله، أن يلجأوا إلى العنف. الوصيّة لهم هي: "كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام" (مت 10: 16). وإلى أن يبلغ الإنسان الوداعة التي شاءه الربّ الإله أن يقتدي به في شأنها، لا تعود القوى الغضبيّة فيه إلى استقامتها، ولا تستعيد دورها الإلهي في الدفاع عن الحقّ وحفظ خليقة الله. حتى ذلك الحين العنف باق شرّاً وأداة بيد الشيطان. وذروة الاحتيال الشيطاني وخداع إبليس للإنسان، في إطار هذا الواقع، هو أن يدفع إبليس الناس إلى ممارسة العنف والقتل باسم الله. إلى هذا الأمر أشار يسوع لما قال لتلاميذه: "تأتي ساعة فيها يظنّ كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدّم عبادة لله. وسيفعلون هذا بكم لأنّهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني" (يو 16: 2 – 3). الشيطان، أحياناً، يقول الصدق. فإنّه صدق، مثلاً، لمّا أسمى السيّد، ذات مرّة، "يسوع ابن الله" (مت 8: 29). ليس كلّ ما يقوله الشيطان كذباً. ومع ذلك يبقى الكذّاب وأبا الكذّاب (يو 8: 44) لأنّه يروم خداع الناس في كلّ حال، سواء تكلّم بالصدق أم بالكذب. هدفه، أوّلاً وأخيراً، ليس الشهادة للحقّ بل إيقاع الإنسان في الضلال. يتحرّك، أبداً، بروح الكذب. لذا، إن قال الصدق ففي معرض الكذب. هذه صناعته وهذه خباثته. ولو كان ليقول الكذب كلّ حين لما عاد أحد يصدّقه ولانصرف عنه الجميع. لذا ينسج الصدق بالكذب والكذب بالصدق. مستحيل على الإنسان أن يعرف حقيقة الشيطان بحسب الظاهر. فقط بروح الله يُفتَضح أمره. لنفهم: للشيطان هدف واحد في تعامله مع الناس وهو إبعادهم عن الله. لبلوغ هذا الهدف، يعمل على جعل الناس يفكّرون كما يفكّر هو. لا يهمّه أن يسيطر علينا من الخارج بقدر ما يهمّه أن يسيطر علينا من الداخل، بجعل فكره فينا. يوهمنا أنّ ما يريده لنا هو، تماماً، ما نشتهيه نحن لأنفسنا. شعاره لنا هو هذا: "حقِّق ذاتك واعمل ما ترغب به نفسك". يبثّ في الناس فكره ويتوارى. هكذا يجعلنا على مثاله ويحوّلنا إلى عملاء له. وينجح الشيطان متى تبنّى الإنسانُ طريقة تفكيره وقال: "هذا فكري أنا. هكذا أنا اُفكِّر!"، أو متى بلغ الإنسان حدّاً من عمى القلب اعتبر معه أنّ فكره، الآتي من الشيطان، هو من الله! هذا هو منطق عبادة الذات، وتالياً منطق السلطة الأخبث بين الناس. كلّما بَعُدَ الإنسان عن الله كلّما أوغل في هذا الاتجاه للسلطة في هذا الدهر. يسوع حذّرنا من تعاطي السلطة، عموماً، على الأرض، لأنّه مستحيل علينا أن نتعاطاها ولا نؤخذ بالفكر الذي عرضناه أعلاه. مستحيل على الإنسان أن يتعاطى السلطة بحسب هذا الدهر من غير أن يتبنّى فكر الشيطان. السلطة هي المدى الأوّل لعمل الشيطان والمجال الأمثل لتحقيق فكره ومخطّطه. بعدما سقط الإنسان في عبادة الذات صار تعاطي السلطة، وفق هذا الدهر، تلقائيّاً، أكثر ما تشتهيه نفسُه. هذا ما بات الإنسان يولد مائلاً إليه بقوّة، كلُّ إنسان. لذا كان للمؤمنين بيسوع قول آخر ووصيّة أخرى ومنطق آخر. هكذا تكلّم يسوع: "أنتم تعلمون أنّ الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وأنّ عظماءهم يتسلّطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم. بل مَن أراد أن يصير فيكم عظيماً يكون لكم خادماً. ومَن أراد أن يصير فيكم أوّلاً يكون للجميع عبداً، لأنّ ابن الإنسان أيضاً لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر 10). التجربة الكبرى لكلّ الناس، مؤمنين بيسوع أو غير مؤمنين به، إذاً، لا سيما لمَن يُعتبَرون خُدَّاماً للمسيح – ونحن ليست عندنا سلطة كنسيّة بالمعنى الصارم للكلمة بل خدّام – أقول التجربة الكبرى لكلّ الناس هي تجربة السلطة. وهذه لخدّام المسيح أقسى وأحدّ لأنّهم، باعتبار موقعهم، معرَّضون لا فقط لتعاطي السلطة بحسب هذا الدهر، بل لممارسة السلطة باسم الله، أي لإعطاء السلطة، التي هي من روح الشيطان، بُعداً إلهيّاً أيضاً. لذلك خدّام المسيح، إن لم يكونوا في الحقّ، هم، بين أبناء إبليس، عملاؤه بامتياز، دروا أو لم يدروا، لأنّهم يختلسون ما لله، عن قصد شرّير أو عن غباء، ويجيِّرونه للشيطان. مشكلتهم، وما يجعلهم يقعون في فخّ إبليس، في هذا السياق، ليس أنّهم لا يقولون بالإنجيل، بل أنّهم "يقولون ولا يفعلون" (مت 23: 3). وبتغاضيهم المتمادي عن الفعل يفقدون الإحساس بالإلهيّات. ظاهرهم يدلّ على أنّهم رجال الله، وباطنهم يترسّخ في خدمة إبليس. وهذا وضع مثالي لعمل الشيطان. لذلك يدّعون الخدمة ويتغنّون بأنّهم خدّام الله، فيما يتعاطون السلطة بروح العالم. يقولون بالمحبّة المسيحيّة ولا يحبّون. ولهم دائماً تبريراتهم. يقولون برعاية خراف المسيح ولا يرعون إلاّ أفكارهم وأهواءهم. يقولون بالمسامحة ويحقدون وينتقمون. يقولون بالحرص على الخروف الضائع ويُلغون الناس. يقولون بعبادة الله ولا يطلبون، في عمق أنفسهم، إلاّ التبجيل والتعظيم والكلام الملق. يغارون، كلاميّاً، للإنجيل، ولا يغارون، في سرّهم، إلاّ لما لهم. كرامتهم فوق كرامة المسيح! يخالفون بيسر ما للشرع الكنسي لمكاسب رخيصة ويعتبرون ذلك رعاية وتدبيراً! يتعاطون الطقوس ولا يعبدون إلاّ ذواتهم وما لهم: مظهرهم وصوتهم ولباسهم وموعظتهم... همّهم أن يتعلّق الناس بهم لا بالله وأن يقولوا فيهم حسناً. ومتى صدقوا جيَّروا صدقهم للباطل الذي فيهم لأنّ قلوبهم ليست لله. ليسوا في الحقّ! مثل هذه التجربة الشيطانيّة، وهذا المناخ الداخلي الموبوء الذي يملك، بصورة شبه معمّمة وتلقائيّة، في الحقيقة، على معظم العامة في الكنيسة عندنا، ولا سيما على الرعاة، لا يمكن التصدّي له بالمعرفة النظريّة بل بروح الربّ والتمرّس في السلوك في حفظ الوصيّة الإلهيّة ومسرى القداسة. العارف بالله، أي مَن يحببه، يقتاد الجاهل به إليه. أما إذا قاد أعمى أعمى مثله فإنّهما يسقطان كلاهما في حفرة الشيطان. لذا كانت الكنيسة، تراثيّاً، تُولِي اختيار رعاتها اهتماماً بالغاً. من بين القدّيسين، العارفين والمتمرّسين في أصول الحياة الروحيّة. ما ليس لك، في كنيسة المسيح، لا يمكنك أن تعطيه. فقط مَن يخاف الله بإمكانه أن يرعى خراف المسيح على مخافة الله. فقط التائب بإمكانه أن يرعى خراف المسيح على التوبة. فقط محبّ الله بإمكانه أن يرعى خراف الله على محبّة الله. فقط خادم المسيح بإمكانه أن يرعى على خدمة المسيح. الحافظ الصوم والصلاة والسهر على الصوم والصلاة والسهر. السالك في القداسة على القداسة. وحده مَن عنده روح الربّ بإمكانه أن يقتاد خراف المسيح إلى روح الربّ. هذا هو العِلم العملاني الحقّ عندنا والفلسفة الإلهيّة. النظريّات والمعلومات، في هذا الشأن، لا قيمة لها في ذاتها إلاّ كأدب، لكنّها لا تصنع قدّيسين. الخبرة تدلّ على أنّ مَن لا يعرف يغالي في صياغة النظريّات وجمع المعلومات، ومَن يعرف لا يقيم وزناً للنظريّات ولا يحتاج إلاّ للقليل من المعلومات النظريّة. معظم معرفته عمليّة لذلك ما يتعلّمه يتعلّمه بالخبرة من فوق. مَن يسلك في القداسة هو العالِم عندنا، ولو لم ينل الشهادة الابتدائيّة، ومَن لا يسلك في القداسة يبقى جاهلاً ولو حفظ كلّ كتب الأرض! المقاييس، اليوم، بكلّ أسف، تغيَّرت وتبدّلت. لم تعد القداسة، بعامة، هي المناخ والمدرسة والهمّ لا بالنسبة لأكثر خراف المسيح ولا بالنسبة لأكثر الرعاة. القداسة في الوجدان، في كلّ حال، لم تعد لعامة المؤمنين، بل لصانعي العجائب! لم نعد نتشدّد في الطلب أن يكون الراعي قدّيساً. في كلّ حال لم يعد هناك قدّيسون كثر. المناخ الذي ارتضيناه لأنفسنا ليس مؤاتياً لتنشئة قدّيسين. نكتفي، اليوم، في أكثر الحالات، بأصحاب الأخلاق العامة المقبولة. وقليلاً ما ندقّق في الحال الداخليّة للمرشّحين للرعاية أو حتى في تاريخهم الأخلاقي. الموضوع متروك بالكامل لاستنساب الأسقف، وفي أكثر الأحيان للارتجال. هذا يجعل إمكان الوقوع في خطأ التقدير غير قليل، ويُوقع الكنيسة، أحياناً، في الإحراج، إذ يُكتَشف، بعد فوات الأوان، أنّ بعض مَن يُسامون لهم تاريخ من المعايب يندى له الجبين. وبعض الأساقفة، أحياناً أخرى، يضعون أيديهم على أشخاص يعرفون، قليلاً أو كثيراً، أنّهم ليسوا أهلاً للخدمة ومع ذلك لا يجدون في الأمر غضاضة ولو أعثروا! الراعي الذي نلتمس اليوم يُنظَر إليه بأنّه يناسب أكثر من غيره إذا كان متعلّماً، صاحب شهادة جامعيّة وشهادة لاهوت ولباقة كلاميّة. ويُنظر إليه بإكبار إذا كان مفكِّراً وخطيباً وكاتباً. ويعظم رصيده إذا كان يتقن لغات أجنبيّة وله صوت جميل وكان نشيطاً واجتماعيّاً وله دراية بالأمور التنظيميّة والتعليم الديني وله شخصيّة محبّبة. ليس مطلوباً أن يكون رجل صلاة. هذا شأنه! يكفي أن يتمّم واجباته الطقوسيّة حسناً. كذلك ليس مطلوباً أن يكون رجل صوم! هذا أيضاً شأنه! أكثر الناس يظنّون، في كلّ حال، أنّ الصوم مبالَغ فيه في الكنيسة الأرثوذكسيّة وليس مماشياً للعصر والواقع! والناس اعتادوا، بعامة، التعايش مع بعض مزايا الراعي غير اللائقة، إذا كان طمّاعاً أو محبّاً للمجد الباطل أو متكبِّراً أو مدّعياً. الفضائل المسيحيّة، بعامة، قلّما يتوقّعها الناس في الراعي ولا دراية لهم بها أصلاً. بعضهم يفرح بها، إذا توفّرت، وبعضهم لا يبالي بها. في كلّ حال، أكثرها، في الزمن الدهري، زوائد. المهم الأخلاق العامة، أن لا يكون زانياً أو سارقاً أو قاتلاً... في غياب التنشئة الكنسيّة الأصيلة، طبيعي أن تكون المقاييس بشريّة دهريّة! كلّ هذا وغيره من بنات الواقع قائم لأنّ القداسة، كما قلنا، ليست الهمّ، ولا الراعي، كقدوة صالحة، هو الهمّ. همّنا الكنيسة كفكر، كمؤسّسة، كمنظّمة، كتعليم. همّنا الطقوس والجوقة والنشاطات الاجتماعيّة والثقافيّة والتعليم الديني والسياحة الكنسيّة وما إلى ذلك. ليس أنّ هذه المسائل ليست مهمّة بالمرّة، لكن الحاجة هي إلى واحد: تنقية القلب واقتناء روح الربّ. هذا السهو عن جوهر الأمور يُبقي الإنسان المعتبر مؤمناً - أكثر الرعاة والخراف سواء بسواء - على عتاقته على صعيد القلب، وثنيّاً، عابداً لنفسه، يطلب مجد نفسه، لا تهمّه إلاّ سلطته وسمعته وكرامته، ويكفيه من عبادة الله شكلها الخارجي. ليس المطلوب، في كلّ حال، في فهم الناس، تغيير القلب بل بعض السلوك والقيام ببعض الواجبات وأداء الشهادة الكلاميّة. فيما تَلقى ظاهرَ الكنيسة، أحياناً، وليس دائماً، برّاقاً، اليوم، وفق مقاييس هذا الدهر، ترتع النفوس في نجاساتها، وقلّة تبالي. أليست هذه هي الكنيسة المثلى التي يرغب فيها الشيطان ويتسيّد عليها؟ كنيسة دهريّة طقوسيّة متحفيّة، مسيحيّة بالاسم ولكن بلا مسيح ولا قداسة ولا حقّ ولا روح ولا حياة جديدة، ملؤها فكر العالم واهتمامات العالم! أليست هذه هي الكنيسة التي يقتبلها أكثر الناس، اليوم، ويعملون من أجلها؟ بَلاَ، هي إيّاها! لقد نجح الشيطان بإيهام الناس أنّ هذه هي كنيسة الحداثة الحقّ المطلوبة! هذه، تماماً، هي كنيسة ضدّ المسيح! ونحن، بلا مبالاتنا بالقداسة، ماضون في بنائها، عن قناعة، بإصرار واطّراد!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


المفضلات