خواطر سويسرية
بقلم المطران جورج خضر
تعترض رؤيتي لبحيرة جنيف أشجار تلوّن ورقها كثيرا. الأشجار وحدها شاهدة لبقايا الخريف الراحل. وغداً أنا مبحر إلى بيروت لأتعزى. رفيق لي في الدراسة الثانوية يموت هنا. وزميل أتسقف حاد الذكاء، كبير الثقافة عقد الفالج لسانه إلا قليلا. ناشري في باريس يقول انه اعد لطباعة مجموعتين من مقالات لي ومحاضرات تصدر إحداهما بعد سنتين والأخرى بعد أربع. قلت له إذا رجونا إلى الله فقد أرى إصدار الكتاب الأول وقد لا أري الكتاب الثاني. إذا كان الكتاب حياة فيشهد للذين ارتحلوا. ذهلت لما قال لي هذا الرجل انه يجمع لي الكثير مما قلته ويعمل لنقله إلى الفرنسية. إنه شماس أرثوذكسي.
من الأسباب الثانوية لرحلتي اني وقعت آخر كتاب لي بالفرنسية موضوع جزئيا بهذه اللغة ونقل جزء آخر من مقالات "النهار" و"لسان الحال". حفلة التوقيع جرت في مكتبة عربية تدعى "الزيتونة"، مليئة بأشعار العرب القدامى والمعاصرين وبعض من الإسلاميات ومؤلفات فرنسية (زيتونة لا شرقية ولا غربية). القاعة التي اجتمعنا فيها، عرباً واجانب، مليئة بالخطوط. لفتني فيها لوحة استطعت أن اقرأها من اسفل إلى فوق وعليها الآية: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". ربما تمكنت من القراءة لأني أورد الآية مرة في اليوم الواحد على الأقل عندما التقي غبياً. وأراد الحفل مني أن أكلمه على الوضع القائم اليوم حرباً وتوقع حروب وقلت خشيتي على لبنان كائنة ما كانت صورة الضيق الذي قد يحل بنا. هذا الصباح رأيت على الشاشة الأطفال الأفغان المبتورة سوقهم والشيوخ الذين أجريت لهم جراحة وصورا لفتيات اقبلن على الدراسة هناك سافرات.
أقمت في دير أو شبه دير في ضاحية شمبيزي،للبطريركية المسكونية، أنشئ لإعداد المجمع العالمي المزمع عقده للكنائس الأرثوذكسية والمتباطئ سيره الآن. ضم إليه أخيراً معهدا عاليا للاهوت يجمع طلابا من عندنا ومن أوروبا الشرقية وكان عليّ أن أحاضر في الحضور المسيحي في الدنيا أو في الثقافة والسياسة إذا شئتم. مائتا شخص أو اكثر كانوا هناك. المسألة هي كيف تجذر في الكلمة الإلهية الفكر والنشاط السياسيين. كيف يبدو الله في المدينة؟ في الواقع المعيش كثير من الأرثوذكسيين يلقون أنفسهم على الله ويقيمون العبادة ويلهون عن السياسة وهي من اشرف الأعمال أصلا. ليس أن المسيحية لا كلمة لها في شأن العالم كما يظن في العالم العربي. وهذا ما حاولت دحضه. لكن الممالك الأرثوذكسية المتعاقبة (بيزنطية، روسيا) هي التي حصرت الكنيسة في العبادات معتبرة أن الملك المؤمن يأخذ على عاتقه الشأن المدني والمجتمعي. ثم كان النظام الشيوعي الذي كان نظاما كليا واسكت كل كلمة خارجة عن عقائديته. ولما استقلت الشعوب البلقانية عن السلطنة العثمانية ارتضت الكنيسة أن يتعاطى السياسة فقط الحكم المدني أيضاً كأن الأرثوذكسيين عاشوا بيزنطية بعد بيزنطية بلا إمبراطور.
في الشرق الأدنى في ظل الحكم العربي ثم المملوكي فالتركي كان أولو الأمر المسلمون حتى منتصف القرن التاسع عشر لهم وحدهم الكلمة الفصل.
* * *
كان علي أن ابحث في مفردة "العالم" في الكتاب المقدس لاستدل على مجيء السياسة من الوحي. وبينت أن اللفظة تعني أولاً العالم المخلوق وحيز التاريخ ولو اتُخذ العالم قليلاً بمعنى نطاق الشر. وكشفت في العهد القديم، في الأنبياء أن الله يتكلم على الشعوب: بابل واشور ومؤاب وآرام ومصر وصور وأرز لبنان. الله يخاطب مَنْ عُدّ شعبه والشعوب الأخرى. الله يؤنبها جميعاً. وهذا يصح في العهد الجديد حيث الله يواجهنا. ثم يرجو يوحنا في الرؤيا سماء جديدة وأرضاً جديدة ويتوقع أن تهبط من السماء المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة. لسنا إذاً محصورين في الروحانيات.
سوف يبدو عالم يتجلى. ولفظة العالم "كوسموس" في اليونانية تتضمن الجمال والانسجام ووجود قواعد ومعنى لهذه الخليقة. ثم بينت، بناء على التراث، إن الكنيسة ليست جزءاً من العالم وإنها هي العالم نفسه بمقدار ما يتطهر ويتقدس. هي تحويه كما المسيح يحويها.
وكان لا بد لي أن اعرج بسرعة على الأديان التي "ينام المسيح في ليلها" علمت أم لم تعلم (دون أن اسمي ديناً محدداً) واستخرجت من أوريجانيس قوله: "ما يحصل أحياناً أن المطرود (أي المعتبر كذلك) هو في الداخل وان من كان في الداخل هو في الخارج". وركزت على قول السيد: "لي خراف ليست من هذه الحظيرة. يجب أن آتي بها". فهناك من هم للمسيح جهراً وهناك من كان له ضمناً. لا يمكن أن نحيا إذاً وكأن طائفة المسيحيين هي كل الكنيسة. فالكنيسة ليست حارة ال********** وليست العبادة الطقوسية كل شيء. فإذا كانت الكنيسة سفينة تشق عباب بحر العالم فهي ذاهبة في العالم. ويذهب المؤمن من المذبح الى مذبح الأخ او مذبح الفقير ليقضي على الفقر.
وهنا كان لا بد لي أن أخاطب المستمعين وهم جميعاً أوروبيون وأن افحص مسألية السياسة عندهم. مستمعيّ ما كانوا كلهم من اصل روسي أو يوناني أو بلقاني. كان معظمهم من السويسريين الذين اعتنقوا الإيمان الأرثوذكسي. كانت دعوتي إليهم أن يعالجوا الغرب أي أن يواجهوا رفض نيتشه لله وما تبقى من الإلحاد الماركسي والدهرية Secularisme من حيث هي عدم الحس بالله.
تكلمت على الثقافة أولاً وعلى الفن وكونه غير ملتزم. هو ليس مكاناً للقيام بدعاية في سبيل الله. لكن الله يتنازل فيه للمبدع. يجعل الإنسان خلاقاً حقاً. فالكاتب يعطي معنى جديداً للكلمات. الأديب يتناول قوة من فوق ويصير - على صعيده - حليف الله في الخلق. وأكدت أن الكنيسة في ذا لا تأتي بعلوم جديدة وفن جديد وتكنولوجيا جديدة. إنها تبث الروح في كل ذلك.
* * *
أخيراً كان لا بد لي أن أرى إلى السياسة فرأيت أن الإيمان المشبع بالمحبة لا بد له أن يقودك إلى فكر سياسي يجعلك اكثر حضوراً في المدينة، اكثر وعياً لتعقيدات العالم وانه لا بد لك أن تكافح آلام البشر في الوضع الذي أنت فيه. وهذا سياسة. أجل كثيراً ما تحمل السياسة الطاهرين إلى الخيبات. ولكن كما ندى المسيح الفتية الثلاثة في الأتون في بابل قديماً يندينا الآن ونحن ملقون في حريق هذا العالم. أي عالم؟
هنا لا بد لي أن أواجه العولمة سريعاً وان أبين أخطاءها دون التنكر لظاهرة يبدو أنها آتية. كان هاجس العدالة الحق في ظل سيطرة قطب واحد على العالم ورجوت ألا تقضي أية هيمنة على الصلاة والمحبة الأخوية. في كل هذا همنا هو الفقير أولاً. في هذا كان أنبياء التوراة الأفصح والأبلغ. ولكن كيف لا نكتفي بالإحسان الفردي ونغير البنى؟كيف نحقق أن "الفقراء سادتنا" حتى لا يظلوا فقراء؟ هذا كان حلم يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس في الشرق وأوغسطينوس في الغرب. القاعدة عندهم هي "أن الأثرياء عندهم ملك الفقراء ولو اقتني هذا الملك باستقامة وشرعية".
هذا يطرح سؤال لقاء العدل والسلام، سؤال القضاء على العالم الثالث حتى يزول ونترقى جميعاًِ وننعم بخيرات الأرض بالمشاركة. كيف نطهر هيكل هذا العالم؟ الرؤية الأخيرة هي أن يصبح هذا العالم مسكن الله مع الناس فيصيروا شعبه ويصير هو، حقيقة، إلههم ويزول الموت. ما يجب أن يتحول إلى النور ليس فقط هو المادة المؤلف منها الكون ولكن التاريخ نفسه. كيف نخلق تاريخاً إلهياً؟
* * *
في اليوم التالي (الأحد الماضي) كان موعدي في القداس الإلهي مع الكثيرين من هؤلاء وسواهم في هذا الدير. وارتفع الترتيل بالعربية واليونانية والسلافية القديمة والفرنسية. أحسست أن المهتدين اكثر فهماً من المولودين على دين آبائهم وأن خشوعهم اخاذ، تكلمت على المعاني التي لنا أن نستخرجها من سيرة العظيمة في الشهيدات كاترينا شفيعة تلك الرعية، على معنى العذرية الروحية وعلى الشهادة.
بعد الظهر تحدث إلينا أحد المفكرين عن الخدمة الاجتماعية التي يقوم بها الأرثوذكسي في أوروبا الشرقية وكان لنا، مجتمعين، أن نرى كيف يتماس الهاجس الخير والعمل السياسي. ثم في اليوم التالي ذهبت إلى فريبور للصلاة وإلقاء محاضرتي ثانياً هناك. والرعية هناك مهتدية. في طور المناقشة سئلت كثيراً عن أفغانستان. سويسرا بلد الحياد. لعلّهم لهذا تقبلوا مواقفي. عدت إلى لبنان لعلي أنا أيضاً أرى وجه الرب البهي.
السبت 1 كانون الأول 2001 المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات