لاهوت سر المعمودية في العهد الجديد:
حددت الكنيسة المقدسة عناصر منظورة ومفاعيل غيرمنظورة من خلالها يتمم سر المعمودية ومن خلالها يظهر المعنى اللاهوتي والغاية الأساسية لسر المعمودية في حياة المنضمين إلى الكنيسة والذين يشكلون جسدها الذي رأسه السيد المسيح، وهذه وهي كالتالي:
العناصر المنظورة لسر المعمودية:
حتى يكون سر المعمودية قانوني ويحقق الغاية المنشودة منه والتي أسس من اجلها، فإضافة لوجوب وجود معمِّد شرعي أي رسولي (أسقف أو كاهن) يخدم السر المقدس لابد من توفر العناصر المنظورة التالية:
آ. الماء المقدس: يعتبر الماء المادة الأساسية لتتميم سر المعمودية وذلك لأن الرب يسوع أوصانا أن نعتمد بالماء والروح القدس"الحق الحق أقول لكم إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله"(يوحنا 3 : 5)، وهنا يقول القديس يوحنا الدمشقي: "إن الرب أمرنا أن نعيد ولادتنا بالماء والروح إذ يحل الروح القدس على الماء بعد التضرع والدعاء، لأنه كما أن الإنسان مركب من قسمين أعني نفس وجسد هكذا أيضاً طهرنا بالماء والروح، أما الروح لتجديد الصورة التي فينا والمثال الذي عليه خلقنا، وأما الماء فَلينقي الجسد من الخطيئة بنعمة الروح القدس وينقذه من الهلاك فالماء هنا صورة الموت لكن الروح فخوّل عربون الحياة
ب. التغطيس الثلاثي:يتمم سر المعمودية يتغطيس الموعوظ ثلاث دفعات في الماء المقدس لأن السيد المسيح إعتمد من يوحنا على هذه الصورة من جهةٍ، ولأنه وضع في القبر بجسده الكامل ثلاثة أيام من جهةٍ اخرى، لأن المعمودية هي حميماً وموتاً في الوقت نفسه فهي لا يتم إلا في الدخول الكامل بقلب الماء وهذا ما يعلمه القديس بولس ً بقوله:" مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضاً معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الاموات"(كو 2 : 12). وهذا ما يعلمه من بعد آباء الكنيسة القديسون، فالقديس ترتليانوس يقول:" لأننا لا نغطس مرة واحدة بل ثلاث مرات باسم كل واحد من الأقانيم الثلاث"
كلمات تتميم السر:في وقت التعميد يقول الكاهن المعمِّد :" يُعمد عبد الله ( فلان ) باسم الآب والابن والروح القدس"، هذه هي العبارة التي أوصى الرب تلاميذه أن يعمدوا بها "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم على اسم الآب والإبن والروح القدس"(مت 28: 19) فالرسل القديسين والكنيسة من بعدهم حافظت على هذه الوصية، والقديس كبريانوس يقول:" أن الرب ذاته وصى بأن نعتمد باسم الثالوث القدوس بجملته".وهذا يؤكد أن عمل الله معنا دائماً هو عمل ثالوثي.
أما عبارات الكتاب المقدس التي تقول عن المعمودية باسم يسوع المسيح، فلا يُقصد بها نفي المعمودية باسم الثالوث الأقدس والاقتصار على ذكر اسم يسوع بل هي تدل على إن عمل الخلاص بالمعمودية قد صار بواسطة تجسد الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، وتدل أيضا على أن المعمودية هي التي أمر بها الرب يسوع المسيح وليس معمودية يوحنا المعمدان. وكذلك ان العبارة "اعتمد باسم يسوع المسيح" فضلا عن إنها لا تنفي ضرورة ذكر اسم الآب والروح القدس في المعمودية، وهي تؤكد ذلك وتقتضيه لان اسم اقانيم الثالوث الأقدس جميعها هو بحسب الطبيعة والربوبية واحد لا ينقسم.
العناصر (المفاعيل) غير المنظورة:
هذه المفاعيل هي بالتحديد نِعم، ومواهب الروح القدس التي تحل على المعتمد في المعمودية.
آ. الولادة الجديدة:
بالمعمودية يولد الانسان ولادة روحية جديدة غير منظورة بشرياً، هذه الولادة هي اعادة تشكيل لصورة الله المشوه في الإنسان الساقط، أي أن المعتمد يصبح مولوداً بالروح القدس كما يقول السيد المسيح: "المولود من الروح هو روح"(يو 3 : 6)، فالمعمودية أولا هي ولادة جديدة تؤهل المولود فيها دخول ملكوت الله "الحق الحق أقول لكم إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله"(يوحنا 3 : 5)، والمشاركة في النعم الإلهية غير المخلوقة من بعد ما كان مقصاً عنها بسبب السقوط، المعمودية إذا هي رحم جديد يولد فيها المعتمد بالمسيح ليصير خليقة جديدة لأنه" إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2كو 5 : 17)، معتق من كل أثار الخطيئة بنعمة الروح القدس لا بل يولد عضواً في جسد المسيح، حيث يسكن الروح القدس فيه لأنه كما يقول القديس بولس "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم"( 1كو 3 : 16). وأما في الحياة الأبدية حيث نسكن الملكوت السماوي الذي يؤكده السيد المسيح نفسه بحديثه مع نيقوديموس حيث يقول:"الحق الحق أقول لك أن كان أحد لا يولد من من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان ان يولد وهو شيخ. ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيةً ويولد. أجاب يسوع الحق الحق أقول لك ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات" (يو 3 :5 - 8).
مغفرة الخطايا:
والمعمودية تمنح أيضاً نعمة التنقية والتطهير من آثار الخطيئة الجدّية، وتغفر جميع الخطايا المقترفة الطوعية والكرهية، وتنقي الضمير من أدناسه "الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية. لا ازالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح"(1بط 3: 21)، وهو نفسه يقول:" توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس"(أع 2 : 38).
التبني والعضوية في جسد المسيح:
والمعمودية أيضاً تجعل من المعتمد ابناً لله وعضوا في جسد المسيح كما يقول القديس بولس:"لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع لأنكم كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح المسيح قد لبستم "(غلا 8: 26 - 28). و( غلا 4 : 6 – 7)
بها نرث الحياة الأبدية:
والمعمودية تجعل المعتمد وارث للحياة الأبدية كما يقول القديس بولس الرسول"ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه لا باعمالٍ في برٍ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا حتى أذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية"(تيط 3 : 4 – 8)
اذاً مفاعيل المعمودية تعطي الانسان إمكانية النمو في حياة المسيح والشركة معه حيث يولد روحيا وينمو ويتبرر ويصير ابناُ ويقتني الروح القدس ويصبح وارثاً للملكوث وهذه كلها مرتبطة إرتباطاً لا ينفك وهي مكملة بعضها لبعض في الإنسان جسداً وروحاً.
ارتباط سر المعمودية مع سرّي الميرون والافخارستيا:
لأن الكنيسة هي جسد واحد فان الأسرار المقدسة فيها هي سلسلة متصلة تشمل كل مراحل حياة أعضاء هذا الجسد، إبتداءً من المعمودية التي تجعل الإنسان إبناً لله وثم الميرون الذي به "يرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب إذ لست بعد عبداً بل أبناً وإن كنت إبناً فأنت وارث لله بالمسيح" ( غلا 4 : 6)، ومن هذين السرين يصبح المعتمد أهلاً للمشاركة في سر الإفخارستيا كزاد روحي حقيقي لخوض زمام معركة هذه الحياة. لهذا ومنذ البداية شددت الكنيسة المقدسة على تلازم هذه الأسرار الثلاثة سوية واعتبرتها البوابة التي من خلالها تسلك طريق الملكوت.
نقلا عن مقالات سيدنا جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات