مقدمة:
جاء الرب يسوع المسيح لكي يخلص البشرية من آثار الخطيئة الجدية التي شكلت العائق الرئيسي للعيش في الشركة معه في الحياة الفردوسية، وكان هذا بأن حمل عنهم خطاياهم وقدم نفسه كمخلص لهم ،لكي يجلبهم إليه، بعمله الخلاصي على الصليب، ولأنه الإله فقد غلب الموت، الذي جلبته الخطيئة، بقيامته من الأموات، وقبل ان يتمم السر الخلاصي، بصعوده إلى السماء، أعطى تلاميذه القديسين السلطان والوصية معا لكي ينقلوا مواهبه الخلاصية للبشر اجمع، فكانت وصيته "دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس"(مت 28 : 18). هي الطريق المقدسة لأقناء هذه المواهب التي بدونها لا يمكن للبشر عيش ملكوت الله.
في ورقات هذا الموضوع محاولة للغوص في أعماق سر المعمودية المعطى في هذه الوصية، من خلال الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ومن خلال تعليم آباء الكنيسة القديسين، للتعرف على مفهوم هذا السر، وعلى مؤسسه، وعلى أهميته كسر إلهي، والغاية منه كونه واحد من أسرار الكنيسة الأرثوذكسية الخلاصية. ومن ثم نتعرف عل تعليم الكتاب وأباء الكنيسة حول المعمودية الواحدة ومعمودية الأطفال وتلازم سر المعمودية مع سري الميرون والإفخارستيا.
مفهوم المعمودية:
كلمة المعمودية لغوياً مأخوذة عن الفعل اليوناني (βάτιζω )(فابتيزو) المشتق من الفعل (βάπτω ) (فابتو) والذي يعني أغطس أو أغمس وقد ترجم إلى العربية بمعنى اعتمد أو اصطبغ، وفي الكنيسة المعمودية هي السر الأول الذي يولد بواسطته الإنسان، المولود بطبيعة فاسدة قابلة للموت والفساد بعد أن يكون قد آمن بالرب يسوع إيماناً حقيقياً، ولادةً ثانيةً روحيةً جديدة، تؤَهله لسلوك طريق الخلاص حيث يقول الرب:"من آمن واعتمد خلص" (مر 16 : 16)، ولهذا تدعى أيضاً "الميلاد الثاني" الذي بدونه لايمكن للإنسان أن يرى ملكوت المسيح الذي يقول:" الحق الحق أقول لك إن لم يولد أحد من الماء والروح لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يو 3 : 3).
المعمودية في الكتاب المقدس:
كل ما كان موجود لدى شعوب كثيرة من الأمم الوثنية واليهودية بشكل خاص من معموديات كانت عبارة عن طقوس وممارسات غايتها التطهير والتكفير عن الذنوب خاصة عند اليهود، فقد كانت تسعى إلى تطهير حقيقي منشود في طموح الإنسان إلى نقاوة داخلية حقيقية لم تتمكن من تحقيقيه لأنها لم تكن ذات تدخل إلهي مباشر، بالتالي لم تكن سراً إلهياً، بل يمكننا القول أنها كانت رسوم ورموز إلى المعمودية الحقيقيةمعمودية الروح القدس المعطاة من الرب يسوع والتي هي ملء كل هذه المعموديات وسنتعرف على هذه المعموديات ومعانيها في الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد.
المعمودية في العهد القديم:
كانت المعموديات في العهد القديم في معظمها من باب الطهارة الطقسية الخارجية بغسل الجسد والأشياء الخاصة بالعبادة الدينية قبل إقامة الطقوس أو الإحتفالات الدينية، ومنها ما كانت ضمن نواميس وشرائع الطهارة والنجاسة، بحيث ترافقها في بعض الأحيان ذبائح تكفير عن الخطايا, ورغم هذا لم تكن لتُنجِ من الخطايا والأسقام النفسية وآثارها، بل كانت رسماً لطهارة القلب التي ستمنح عند مجيء السيد المسيح الذي سينضح الماء الطاهر ويعطي الروح القدس، كما قال بالنبي حزقيال "وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم واعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وانزع قلب الحجر من لحمكم واعطيكم قلب لحم ، وأجعل روحي في داخلكم واجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون احكامي وتعملون بها"(حز 36 : 25 – 27). هذا وقد رآى الرسل القديسيين وآباء الكنيسة من بعدهم في بعض أحداث العهد القديم كالطوفان وعبور البحر الأحمر إشارات ورسوم مختلفة للمعمودية الحقة.
ورأوا في الختان بشكل خاص، الذي أُعتبر ناموساً خاصاً لشعب الله، الرمز الأكثر أهمية بالنسبة للمعمودية ومقاربتا له بالمعمودية نلاحظ أن له نفس الغايات التي للمعمودية كونه علامة الدخول في شعب الله، والعلامة التي لا تنتزع من الجسد، الأمر الذي يرمز اليه في المعمودية، اذ يصبح المعتمد عضواً في جسد المسيح ويختم بختم الروح القدس الذي لا ينتزع من الإنسان ككل وإلى الأبد وقد عبَّر الرسول بولس عن هذه الرمزية المهيئة للختانة الروحية الحقيقية بقوله"وبه ختنتم ختاناً غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح" (كو 2 : 11 ).
المعمودية في العهد الجديد:وجد في العهد الجديد أكثر من معمودية، و كان لكل منها له دوراً خاصاً في الإعلان الإلهي من جهة و في التهيئة للمعمودية الكاملة معمودية الروح القدس الموعود بها منذ العهد القديم من جهةٍ اخرة وهذه المعموديات هي التالية:
1.2 معمودية يوحنا المعمدان:
كان يوحنا نبياً مرسلاً من الله " لأن يوحنا كان عند الجميع أنه بالحقيقة نبي"(مر 11 : 32)، ليمهد الطريق أمام الرب "كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا ارسل امام وجهك ملاكي الذي يهيء طريقك قدامك صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة"(مر1 : 2- 3)، وإذ هو السابق فمعموديته معمودية الأزمنة المسيانية بالنسبة للشعب اليهودي، والمعمودية السابقة المباشرة لمجيء السيد المسيح، وكان يعمد الناس في نهر الأردن داعياً إياهم إلى التوبة قائلاً:"توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات"(مت 1 : 3). فمعمودية يوحنا أُقيمت كتدبير مؤقت وكرابط بين العهد القديم والعهد الجديد فهي تُمنح مرة واحدة بعد التوبة، وبالماء فقط، كصورة للتطهير مهيئةً لمرحلة جديدة هي معمودية الروح القدس المنتظرة من الرب يسوع لمغفرة الخطايا، فيوحنا بهذا يقول عن نفسه وعن السيد المسيح:" أنا اعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس والنار"(مت 3 : 11)، ومن جهة أخرى فهو جاء ليهيىء شعباً بكامله تائباً سيعود إلى الله لأنه "يردّ كثيرين من بني اسرائيل إلى الرب إلههم"(لو 1 : 16)، وهو بهذه المعمودية يعلن بداية الزمن الذي سيحقق فيه الله وعده للشعب كله اذ كان دوره أن "يهيء شعبا مستعداً" (لو 1 : 17) أذ "حينئذٍ خرج إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن وإعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم"(مت 3 : 1 - 6)، فمعمودية يوحنا إذاً هي اسمى من معموديات العهد القديم إلا أنها ليست سراً إلهياً إنما هي ممهدة مباشرة لمعمودية الروح القدس.
معمودية السيد المسيح من يوحنا المعمدان:
إقتبال السيد المسيح لمعمودية من يوحنا كان لها مدلولات مهمة كثيرة منها:
آ. هي كشف إلهي بأن يسوع المسيح هو ابن الله لأنه اثناء معموديته "كان صوت من السموات أنت ابني الحبيب الذي به سررت"(مر 1 : 11)، ويوحنا نفسه يشهد قائلاً "وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله"(يو 1 : 34).
ب. هي كشف لسر الله العظيم سر الثالوث"فلما أعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتياً عليه وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت"(مت 3 :16 - 17) فالابن هو المعتمد، والروح القدس الذي تمثَّل بشكل حمامة، وصوت الآب من السماء أعلن بنوة الابن.
ج. خضوع وطاعة الابن لله الآب وهذا هو المقصود بعبارة السيد "أن نكمل كل بر" حيث أظهر السيد المسيح الإتضاع طريقاً لتحقيق هذا البر الذي هو الأمانة التامة والطاعة الكاملة لقصد الله وإرادته "فأجاب يسوع وقال له اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" (مت 3 :15 - 16).
د. هي اعداد ونبوءة لمعموديته الحقيقية ورسماً لسر الفداء، أذ بنـزوله إلى الماء اشار إلى موته وصعوده منه اشار إلى قيامته حيث يقول:" لي صبغة اصطبغها وكيف انحصر حتى تكمل"(لو 12 : 50).
ومن هنا فأهمية معمودية يوحنا المعمدان تأتي من كونها تهيئة لسر المعمودية وكشف لسرالثالوث ورمز لسر الفداء .
تأسيس سر المعمودية:
أسس الرب يسوع المسيح سر المعمودية بعد أن اصطبغ وتمجد بالصبغة العظيمة التي له بسر الفداء, َ وحين أعطى الرسل القديسين سلطان إقامة هذا السر بقوله لهم:" دفع إلي كل سلطان في السماء و على الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر" (مت 28: 19 - 20)، كانت تلك ساعة تأسيس السر، وبهذه العبارة أعطيت للبشرية إمكانية الدخول للملكوت بقبولهم لهذا السر، حيث باشر الرسل، ليس بعد صعود السيد المسيح إلى الآب بكثير، تنفيذ هذه الوصية بإتمامهم هذا السر إبتداءً من يوم العنصرة، يوم حللول الروح القدس عليهم، حيث تم تعميد ثلاثة آلاف رجل (أع:41:2). ولهذا فالكنيسة تعتبر سر المعمودية تسليماً مقدساً, تسلمته عقيدةً و سراً من مؤسسه و من الرسل ،حافظت وما زالت محافظةً عليه تتميما لوصية الرب وستحافظ عليه حتى إنقضاء الدهر فاتحةً به أبواب الملكوت لكل من يؤمن ويعتمد على اسم الثالوث ويصير إبناً لله ليعيش حياة الملكوت.
1.معمودية الروح القدس:
بعد تأسيس المسيح لهذا السر قام الرسل بممارسته، ففي اليوم الخمسين بعد أن وقف القديس بطرس الرسول رافعاً صوته بكلمة الإيمان قائلا "توبوا وليعتمد كلّ واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 2 : 38). فالمعمودية ضرورية لخلاص الإنسان، فبها تُغفر خطاياه، وهي تمهيد لقبول الروح القدس بالميرون المقدس أيضاً. ففي يوم الخمسين تم تعميد ثلاثة الآف نفس. وثم الخصي الحبشي الذي بعد أن آمن على يد فيلبس طلب المعمودية، وعمده فيلبس الشماس (أع 8 : 36). وسجّان فيلبي الذي آمن على يدي بولس وسيلا (أع 16: 33). وكرنيليوس الذي ظهر له الملاك والذي قبل كلمة الحياة، فلم يمنع بطرس المعمودية عنه وعائلته (أع 10 : 47 - 49)،حيث كان دخول الأمم إلى الكنيسة. والقديس بولس يعمد ليدية بائعة الإرجوان وحارس السجن مع عائلته(أع 16 : 33)، بهذه المعمودية كان يتم الإعتراف بأن الرب يسوع هو مسيح الرب وهذا الإعتراف هو من الروح القدس الذي يحل في المعمودية لأنه كما يقول القديس بولس:"ليس احد يقدر أن يقول يسوع رب إلا في الروح القدس.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات