بالنسبة للآباء، لا بد للإنسان أن يكون متواضعاً لكي يصل إلى ملكوت السماوات.

بالنسبة للبروتستانتي، لا يعرف فقط أنه مخلَّص بل أيضاً أنه لا يمكن أن يسقط ثانية. هذا التعليم بدون شك ذو جذور في تعاليم كالفن. مع ذلك فقوته ليست في الناحية العقائدية بل النفسية.

الضمانة الأبدية هي نتيجة تعليم كالفن في المثابرة. بحسب التعليم الأصلي، فالذين اختارهم الله للخلاص قبل بدء العالم سيُحفظون حتى النهاية ولن يسقطوا أبداً من النعمة. تعليم المثابرة هذا هو نتيجة طبيعية لتعاليم كالفن الأخرى. فطالما المختارون قد تمَّ انتخابهم من الله بغض النظر عن أعمالهم، لا يوجد شيء نستطيع أنا أو أنت فعله للتأثير على اختيار الله. وبما أن نعمة الله لا يمكن مقاومتها بحسب كالفن، إذاً لا يمكن أن ترفضها حتى لو أردتَ ذلك: عندئذ من البديهي أن نصل إلى نظرية الضمانة الأبدية، لأنه لا يوجد شيء يمكنه أن يجعلك تخسر خلاصك. المثابرة لا علاقة لها بالمسيحي أو قواه بل بقوة إرادة الله.

الشيء الملفت للنظر هنا هو أن غالبية المؤمنين بنظرية الضمانة الأبدية ليسوا من أتباع كالفن. بالنسبة لأتباع كالفن إن نظرية الضمانة الأبدية ذات معنى لأنهم يؤمنون بأن الله قد سبق واختار المخلَّصين قبل بدء العالم بصورة مستقلة عن قواهم أو تقواهم أو إرادتهم الحرّة. وبما أن "خلاصهم" هذا لا علاقة له بإيمانهم، لهذا لا يمكنهم أن يخسروه. لهذا فالضمانة الأبدية لهم هي بديهية لتعليمهم هذا. أما أتباع يعقوب أرمينيوس Arminius Jacob فقد رأوا أن المسيحي بإمكانه أن يقبل أو يرفض المسيح. مع ذلك يؤمنون بالضمانة الأبدية! كيف يمكن للإنسان أن يختار خلاصه وكيف يمكن له أن لا يخسره إن اختار هكذا؟ المعمدانيون الجنوبيون (أكثرية البروتستانت في أمريكا) هم على هذا الرأي المتناقض: يختار الإنسان بإرادته الحرة، ومع ذلك مت خلص، يضمن خلاصه ولا يستطيع أن يخسره!؟ أي: يستطيع الإنسان أن يختار المسيح بحريته ولكنه، متى اختاره، لا يستطيع أن يرفضه؟!

غالبية بروتستانت العالم حالياً على هذا المبدأ. لا يعيرون أهمية فيما إذا كان لاهوتهم متناقضاً مع نفسه أم لا. إن عقيدة الضمانة الأبدية -"تخلص مرة، تخلص للأبد"- ذات أبعاد نفسية هائلة جذابة سمحت بجذب الكثيرين من الناس إلى البروتستانتية. هذا التعليم يعني أن الخلاص عملية تحدث مرة واحدة في الزمان، وتعتمد على موقف الله من الإنسان.

طبعاً، الكنيسة الأرثوذكسية ترفض هذا التعليم الخاطئ عن الخلاص لأنها ترفض الإطار الذي فيه تمت صياغة هذا التعليم. فالخلاص حدثية حية من الشركة المتواصلة مع الله. ولا يمكن للخلاص أن يُقال بأنه تامٌ حتى يوم القيامة العامة، عندما يصير المسيح "الكل بالكل". طالما نحن نعيش بالجسد فإن خلاصنا يعتمد على اختيارنا الحر الذي يحترمه الله مهما يكن. القديس بولس يتكلم عن حياته الروحية قائلاً: "إذاً أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين؛ هكذا أُضارب كأني لا أضرب الهواء؛ بل أقمع جسدي وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً" (1كور 9: 26-27).

بكلمات أخرى كان بولس يعمل من أجل خلاصه حتى يصل إلى ما كان يرجو. مع ذلك كان يعرف بأنه لم يكن يعمل بقوته بل بقوة الله. هكذا كان يحثّ أهل فيليبي: "إذاً يا أحبائي، كما أطعتم كل حين ليس كما في حضوري فقط بل الآن بالأولى جداً في غيابي تمّموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة" (فيليبي 2: 12-13). لا يشك الأرثوذكس للحظة واحدة أن الله هو العامل فينا أن نرغب وأن نعمل من أجل خلاصِنا، ولكن: ليس ضد مشيئتنا، وإلا لما عدنا بشراً بل حيوانات ذات غرائز بدون عقل وإرادة حرة. الخلاص يعني شركة حرّ’ وإلا لا توجد شركة على الإطلاق.

في كل قداس إلهي نصلّي: "أن تكون أواخر حياتنا مسيحية سلامية بلا حزن ولا خزي وجواباً حسناً لدى منبر المسيح المرهوب"، وذلك لأن خلاصنا يعتمد لا على موقف الله منا (الله محبة ويحبنا سواء قبلناه أو رفضناه) بل على موقفنا من الله قبيل موتنا. لا يجرؤ أرثوذكسي مهما بلغت قداسته القول بأنه وصل إلى ذروة الحياة الروحية وهو حيّ بعد. لأن أقدس إنسان هو أكثر إنسان قدرة على رؤية حالته الخاطئة. لهذا يبقى المسيحي ساهراً يقظاً لئلا يسقط. وإذا سقط يؤمن بأن الله يقبله للحال متى تاب توبة صادقة.