دراسة مفهوم الخلاص بين الشرق والغرب (د. عدنان طرابلسي) تتكلم عن:
- الموت
- تجسد المسيح
- الفداء
- العدالة الإلهية
- الإيمان مقابل الأعمال
- الخلاص بالمفهوم الأرثوذكسي
- مرة خلصتَ، دائماً خلصت؟
- ضمانة أبدية أم وهم مشكوك فيه؟
- مراجعة لآيات كتابية عن الخلاص
- هل يتبرّر الإنسان بالإيمان أم بالأعمال
مقدمة:
"هل أنت مخلَّص؟!" هذا السؤال هو تحدٍ متكررٍ يواجه المسيحي الأرثوذكسي من قبل البروتستانت الغيورين على الإيمان ظاهرياً والذين يشعرون أنه من واجبهم أن تحدّوا الجميع بسؤالهم لكل إنسان: "هل أنتَ مخلَّص؟!". ومهما كان جواب الآخر ينبري البروتستانتي إلى التباهي بأنه من جماعة "المخلَّصين" و"المولودين ثانية"، وأنه إذا مات في هذه اللحظة فإنه سيطير إلى ملكوت السموات بضمانة لا تفوقها ضمانة! هنا ينظر البروتستانتي إلى الآخر بشفقة ورثاء ولسان حاله يقول: إن كنتَ لا تشعر بما أشعر وإن كنتَ لا تؤمن بما أؤمن فلستَ مسيحياً مؤمناً وتستحق الرثاء والعطف والشفقة.
هذا الموضوع قد يستهلك الصفحات تلو الصفحات لدراسة كل أبعاده وجوانبه، خاصة وأنه تأصلّه في الفكر المسيحي الغربي يعود إلى الأصول اللاهوتية لهذا الفكر من فلسفية وأوغسطينية.
من البديهي أن نتساءل أولاً ماذا يعني "الخلاص" في المسيحية؟ تعريف الكلمات والتعابير مهمٌ في كل نقاش وإلا لكان طرفا المناقشة في حديث طرشانٍ. لأن الخلاص في الأرثوذكسية مختلف عنه في المسيحية الغربية (الكاثوليكية)؛ ومن هذه الأخيرة يستعير الفكر البروتستانتي ما يحلو له ويطيب.
الخلاص بالنسبة للأرثوذكسية هو الاتحاد بالله. لأن الإنسان لم يستطع أن يصعد إلى الله قام الله "طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ" (مز 18: 9) بابنه الوحيد إلى الأرض ليعانق الإنسان ويتحد به ويقدّسه ويخلّصه. توجد فروق في معالجة هذه المسألة بين الأرثوذكس من جهة والكاثوليك والبروتستانت من جهة أخرى. الغربيون يرون التعريف الأرثوذكسي للخلاص غريباً لأن نمط تفكيرهم مقولب على قوالب التفكير الغربي السكولاستيكي المتأثّر بأنسلموس ولوثر وكالفن.
خلق الإنسان وسقوطه: عقيدة الخلاص متأصلّة عميقاً في مسألة السقوط البشري. فالإنسان مخلوق على صورة الله ومدعوٌ أن يصير على مثاله. لكن سقوط الإنسان جعله يضيّع دعوته ليكون على مثال الله، وهشّم أو شوّه الصورة الإلهية فيه. مازالت موجودة إنما مريضة.
قبل السقوط لم يكن الإنسان كاملاً أي لم يصل إلى حيث كان الله يريده أن يصل. كان كاملاً بمعنى أن خلقه كان كاملاً وبدون عيب. لكنه وُضع في شركة مع الله. كان عليه أن ينمو في هذه الشركة ويقوّي هذه العلاقة مع الله حتى الكمال. هذا ما لم يحصل عليه. نحن اليوم لا نعود إلى الفردوس حيث كان آدم، بل نذهب إلى الملكوت السماوي الذي أعدّه المسيح بدمه على الصليب. الفكر البروتستانتي يؤمن، من جهة أخرى، أن آدم خُلق كاملاً وفي شركة كاملة مع الله. إنما لم يستطيع هذا الفكر أن يجيب على تساؤل: إن كان آدم كاملاً وعلى شركة كاملة مع الله فكيف سقط؟
سقط الإنسان لأنه أراد أن يصير مثل الله بدون الله. خسر الإنسان الشركة مع الله، مصدر الحياة والحرية الحقة ومصدر الغبطة الأبدية. لقد ارتكب آدم وحواء انتحاراً لأنهما قطعا نفسيهما عن الله مصدر الحياة. لهذا بسبب خطيئتهما دخل الموت على الطبيعة البشرية. لم يخلق الله الموت أو الشر أو الخطيئة أو الفساد. خطيئة آدم وحواء سمحت لهذه كلها بالوجود. صارت طفيليات على الطبيعة البشرية. بهذا أعلن الله بعد سقوط آدم نتيجة هذا السقوط: " لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك 3: 19). في المسيحية الغربية (الكاثوليكية والبروتستانتية) الموت كان قصاصاً إلهياً أوجده الله عقاباً لآدم على خطيئته. آدم مات روحياً. موته الروحي جرّ عليه باقي الويلات.
"أجرة الخطيئة" الذنب الموروث للخطيئة الأصلية غير موجود في الكتاب المقدس وفي الآباء الأرثوذكسي. بدل ذلك يعلّمون أن البشرية قد ورثت الطبيعة الساقطة لآدم مع حالة الفساد والموت والمرض الروحي والبُعد عن الله. الخطيئة تعني الفشل، الخروج عن الطريق القويم، وعدم إصابة الهدف. ولو أننا كثيراً ما نعرّف الخطيئة بأنها أعمال أو تعديات نوعية معينة، فهذه التعديات ما هي إلا أعراض لحالتنا المريضة الساقطة. الخطيئة هي رفض الشركة الشخصية مع الله. عندما ترى الديانة أن الخطيئة هي مجرد انتهاكات نوعية لناموس أو دستور أخلاقي، فإنها تتفِّه وصايا الله وتخلِّد الخطيئة نفسها والسقوط باعتبار الله شيئاً خارجياً واستبداله بناموس أو دستور أخلاقي مكان الشركة الشخصية مع الله. فمن الممكن للإنسان أن يكون أخلاقياً نقياً أي بدون تعديات بحسب الدستور وأن يكون روحياً ميتاً.
عندما قال بولس "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رومية 6: 23) فإنه لا يعني أن الله يجازي أعمال الإنسان بالموت بل أن الخطية هي مرضنا القاتل. خطيئة آدم كانت بإعلانه أنه ذاتي الاكتفاء ومستقلٌ وبأن اختياره كان اللجوء إلى الطبيعة والحياة البيولوجية تلبية لمتطلبات وجوده. والحياة البيولوجية مرتبطة بالفساد والموت. وبفصل نفسه عن الله الذي له وحده عدم الموت والمصدر الوحيد للحياة، أضاع آدم الروحَ القدس، الحياة الحقة. لم يخلق الله الموتَ ولا يستلذ بموت الأحياء. لقد سمح باللعنة أن تعبر إلى الأرض: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ" (تك 3: 17) تاركاً الإنسان للنتائج الطبيعية لطبيعته الأرضية: "للأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك 3: 19).

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات