اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Bassilmahfoud مشاهدة المشاركة
[align=center]من التراث الأرثوذكسي[/align]
[align=center]الموسيقى الكنسـية[/align]


على هذا النحو ظلت الموسيقى الكنسية بعيدة عن تأثير الموسيقى العالمية التي هدفها الطرب واثارة الأحاسيس الدنيوية. من هنا تميزها بالبساطة والصفاء والروحانية وبتحررها من البعد الحسي والعاطفي ومن الضخامة والتأثيرات التي لا لزوم لها، وبقاؤها صوتية بالكامل أي دون أن تستعمل آلات موسيقية وأحادية الصوت (Monophonic) ، أي ليست متعددة الطبقات الصوتية ، وتفضيلها أن يكون الاداء جماعياً أي صادراً عن جوقة وقابلاً للمشاركة من الشعب. رغم هذا، ولأنها صادقة وحية وصادرة عن فنانين كبار عاشوها بالروح القدس فهي تتصف بروعة فنية وتأثير لا نظير له. يؤكد هذا لا شهادة المختصين فحسب بل وتعلق المؤمنين بها وخاصة في المواسم الكبرى مثل الميلاد والآلام والقيامة حيث تعبّر هذه الموسيقى، بما يستحيل وصفه، عن التمجيد الفائق والحزن البهي والفرح الالهي اللامتناهي.


كشخص مختص ( من باب الهواية وليس من باب التخصص العلمي ) بتاريخ الموسيقى الكنسية وعلومها اسمحوا لي أن أعلق قليلاً على هذا الكلام.

أولاً غير صحيح إطلاقاً أن الموسيقى الكنسية بعيدة عن البعد الحسي العاطفي، هذا الكلام غير دقيق وكل واحد منا يعرف ذلك، فهناك تراتيل فرحة وتراتيل حزينة، تراتيل فيها غضب ( على الخطيئة ) وتراتيل فيها شوق ( إلى الاتحاد بالخالق ) ..الخ لذلك تعبير البعد عن العاطفة غير صحيحة، ولكن في الموسيقى الكنسية نوجه العاطفة بطريقة مختلفة عن الموسيقى الدنيوية، فمشاعر النفور توجه للخطيئة ومشاعر الانجذاب توجه نحو الله وهكذا.

بالنسبة لكون الموسيقى الكنسية أحادية الصوت فهذا أمر غير صحيح تماماً، فإن غناء الرجال والصبيان معاً مثلاً هو بحد ذاته نوع من تعدد الأصوات البدائي، وكان هذا الأمر ملحوظاً منذ فترة طويلة جداً، وكوننا لا نجد تعدد أصوات رباعي كامل كما في الموسيقى الغربية فهذا مرده باعتقادي إلى أن ترتيل النساء في الكنائس الشرقية لم يدخل بطريقة كاملة بعد إلى نظام الترتيل الكنسي، أيضاً الإيصن هو نوع من تعدد الأصوات حسب مفهوم الهارموني الغربي، هذا عدا عن الإشارة إلى أن الموسيقى الكنسية الأرثوذكسية الروسية هي موسيقى متعددة الأصوات كما هو معروف.

أيضاً يوجد ناحية منعت دخول تعدد الأصوات إلى الموسيقى الكنسية البيزنطية إلى الآن وهي الناحية العلمية، فحتى هذه اللحظة ليس هناك طريقة علمية متفق عليها تسمح بتطبيق الهارموني الغربي على السلالم الموسيقية الشرقية، وبدون ذلك سنضطر للتضحية بالسلالم الشرقية الصادقة الإحساس في سبيل الهارموني.

ومن الناحية العلمية استفادت الموسيقى الكنسية من الموسيقى العالمية كثيراً، وهذا لا يستثني الموسيقى الكنسية البيزنطية، فسلالم اللحنين الثاني والسادس والسابع عجم والعجم كرد ونيشابور ومستعار وحصار كلّها مأخوذة عن الموسيقى العربية - التركية، ولا أحد من الباحثين التاريخيين في الموسيقى الكنسية ينكر ذلك.

أما بالنسبة لعدم وجود آلات موسيقية تعزف اللحن الأساسي ( مع وجود آلات قد تؤدي دور الإيصن ) فهو تقليد قديم ومتعارف عليه مع أنه في بدايات المسيحية ظهر استخدام محدود لبعض الآلات الموسيقية كآلات الإيقاع الخفيفة وآلة الناي، والتفسير برأيي بسيط، وهو أن التنغيم جزء من التعبير البشري الطبيعي ( لاحظوا مثلاً كيف يتكلم الطفل الصغير أو كيف يكلمه أهله بتنغيم شديد حتى يفهم ) ولذلك جعل آلة تؤديه هو أمر لا مبرر له إطلاقاً، ويفقد بنتيجتها اللحن الكثير من صدق التعبير والأداء وإمكانية التأثير.

صلواتكم