دراسة أصل كلمة كنيسة


أصل كلمة كنيسة هي (إكليسيا) وتأتي من الفعل (يدعو)، (يستدعي)، (يجمع)، (يجتمع)، إذاً عبارة (كنيسة) تعني حشداً من الناس أو جماعة.
أيضاً نجد الكلمة بهذا المعنى في اليونانية القديمة بالإشارة مثلاً إلى ((إكليسيا)) البلدية، أي اجتماع المواطنين لمناقشة مختلف اهتماماتهم المشتركة.

في الكتاب المقدس بعهديه الجديد والقديم، هناك إشارة مكررة إلى إكليسيا كاجتماع. ترد في العهد القديم عبارات ((كنيسة القديسين))، ((كنيسة الشعب)) وغيرها، مرات كثيرة. وفي العهد الجديد تُستعمل هذه الكلمة بغزارة، ولكن بمعنى أكثر عمقاً، لأنه من خلال تجسد المسيح لم تبق الكنيسة جمعاً من الناس بل صارت جسد المسيح نفسه. إذاً، اكتسبت الكلمة معنى أكثر عمقاً. وسوف أذكر بعض الأمثال:

قال المسيح للرسول بطرس عند اعترافه بألوهيته: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (متى 16: 18). الصخرة (petra) التي تحمل الكنيسة هي الاعتراف بأن المسيح هو ابن الله. الرسول بولس يتكلم تكراراً عن الكنيسة كجسد المسيح. هذا المقطع من الرسالة إلى أفسس مميز: "وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1: 22- 23) الأعضاء، أي المسيحيون الذين يشكلون عضوية جماعة إفخارستية محددة، أيضاً يميَّزون ككنيسة. تملك الكنيسة الحق كاملاً لأن وحي الله بأكمله أعطي لها. يقول الرسول بولس: "كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ" (1 تيموثاوس 3: 15).

أيضاً تُستعمل كلمة كنيسة بهذه المعاني في تعليم الآباء القديسين وفي العبادة. بحسب القديس كيرللس الأروشليمي، إنها تسمى كنيسة ((لأنها تدعو كل الناس وتجمعهم)). ويقول القديس يوحنا الذهبي بأن الكنيسة ليست سقفاً وجداراً إنما هي عيش وحياة.

تظهر الكنيسة في الكثير من النصوص الليتورجية كاجتماع، وخاصة كمكان إفخارستي، لأن الإفخارستيا هي أعمق تعبير عن الكنيسة، فلننظر إلى نص مميز من ليتورجيا العصر الرسولي كما هو محفوظ في تعاليم الرسل الإثني عشر. في نهاية الإفخارستيا، عندما يأخذ الكاهن الذي يخدم الاجتماع الإفخارستي الخبز بيديه، يصلي: ((نشكرك يا أبانا على الحياة والمعرفة اللتين أعطيتنا بابنك يسوع)). ثم يتلفظ بصلاة مدهشة: ((كما أن هذه الكسرة وُزعت على الأهراء وجُمعت فأصبحت واحداً، كذلك كنيستك تكون مجتمعة من أواخر الأرض إلى مملكتك)). إن تجميع الكثير من حبوب القمح وتحضير الخبز هو صورة تشير إلى اجتماع كل المؤمنين في ملكوت الله.

الكنيسة ((شعب مقدس)) أو ((شركة قديسين)): هذا من التعابير الموجودة في النصوص الليتورجية التي تُظهر تماماً ما هي الكنيسة. شعب الله ليس الكهنة فقط ولا الشعب فقط، إنما اتحاد الكهنة والرهبان والشعب، وهذه الوحدة تكون في المسيح. بحسب تعليم القديس سمعان اللاهوتي الحديث، ((في المسيح)) تعني أعضاء الكنيسة هم كل هؤلاء المتحدون مع المسيح، كل الذين هم فعلاً أعضاء في جسد المسيح من خلال الحياة الأسرارية والنسكية، أي كل الذين تعمدوا وثبتوا في الإيمان.

تظهر الوحدة بوضوح على ختم القربان: في الوسط يوجد حمل الله المسيح نفسه، على يمينه جزء والدة الإله، على يساره أجزاء القديسين، ومن الأمام أسقف الكنيسة المحلية مع من يذكر من الأحياء والراقدين في التقدمة. يقول القديس سمعان التسالونيكي في كلامه عن ختم القربان المقدس: ((الله بين الآلهة الذين تألهوا به وهو الإله بالطبيعة)). المسيح هو إله بالطبيعة والقديسون تألهوا بالنعمة من خلاله. لقاء المؤمنين يعبَّر عنه كل مرة خلال الإفخاريستيا المقدسة.

من كتاب الفكر الكنسي الأرثوذكسي، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، تعريب الأب أنطوان ملكي.

صلواتكم