كتب كثيرة، علمية وتاريخية، تحدثت عن نشأة الإنسان وتطوره، عن مأكله ومشربه، وعن مسكنه وملبسه.... وكتب أخرى دينية وتراثية، تحدثت عن نشأة الكون، ونظرة الإنسان للخالق، وعن مفهومه للألوهة... ثمة متاحف ومعارض، وثائق ومصورات، برامج وحواسيب... كل أشكال المعرفة هذه، قدمت لنا نماذج، أو أفكاراً نظريةً أو متخيلةً عن التطور الهائل الذي مرّ به الإنسان خلال حقبة طويلة من الزمن.حكاية التاريخ ترويها آبدة
لكن، رغم هذا الكم الكبير من المعارف، يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: كيف لنا أن نتلمس مكان عيش ذاك الإنسان بحجمه الطبيعي وتكوينه الحقيقي؟ أن نتفرس في شكل مغاوره التي نحتها بيديه ونوع لباسه الأول، في أدواته التي كان يستخدمها لقضاء حاجاته وكيف تطورت هذه الأدوات وتبدلت؟ من أين يستقي الماء، وكيف يحصل على الغذاء؟ كيف يجمعه ويخزنه؟ من يعبد ولمن يسجد؟ كيف يدفن أمواته وأين؟ وماهو شكل مقابره.
هذه الأسئلة، نرى أجوبتها ونشاهدها مجسدة هنا، في هذا المكان الذي شهد خطوات إنسان الكهوف، في موقع الدير: يتسنى لنا دخول المغارة التي عاش فيها الإنسان القديم، وزيارة المعبد الذي سجد على ترابه، والصخرة التي نقش عليها صور آلهته، المذبح المقدّس، والعمود المقّدس، والكهف المقدّس.
في موقع الدير، نرى بعض ماصمد من الحضارة اليونانية القديمة: معبد دانابا، وآلهة الشمس، ومغارة الأصنام.
في موقع الدير، نقف أمام شواهد حية تحكي قصة الخليقة، وتتحدث عن جبروت الإنسان وصراعه مع الطبيعة.
هنا، في موقع الدير، في هذه المنطقة المحظية من العالم ظلت مقدسات ومساكن الإنسان القديم صامدة في وجه النوازل والزلازل لتشهد بزوغ فجر ال******* الجديد.
فالتاريخ علّمنا بأن الحياة في تطور وتجدد مستمرين، والتاريخ دلّل وبشكل قاطع بأن جملة تراكمات الماضي أدّت وتؤدي إلى تحولات في النوع، في الفكر، في النظرة إلى الكون والطبيعة، في مفهوم الألوهة الذي هو محبة ومساواة وفداء.... ومع وصول نداءات الخلاص الأولى: {المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة} أدرك الإنسان رسالة المخلص، فأقدم ومنذ ما يقرب من ألفي عام على رفع أبنية لذاك الإله المتجسد، فاتخذ من أجمل كهوفه كنائس له، ثم شيّد الأديرة في العديد من أصقاع العالم.
وكانت زيارة الملك جوستنيان إلى صيدنايا، وكانت رؤية الغزالة {النايا} وكان الحلم، وشيد الدير "دير سيدة الأنام" ولم يمض زمن طويل حتى أصبح دير الشاغورة المحاط بهذه الأسوار، بهذه الهالة من الأسرار، المحج الثاني للمسيحيين في العالم، ففي هذا المكان المقدس ترى تطور العمران، ودقة البنيان، في مشاهد متلاحقة تبعاً للزمان والمكان.
هنا تخشع، تركع، تتساءل: كم من عرق جبين سال؟ كم دمعة ذرفت وآمال عقدت؟.. كم من رجاء تولّد وقلب تعبد؟!.
هنا يتاح لك أن تقرأ ملحمة الكون في تجسده ، وترى وتسمع حكاية التاريخ عبر تطوره.
وحكاية التاريخ هنا لاترويها أساطير ومعجزات فحسب، بل ترويها مغاور محفورة، وصهاريج منقورة، ترويها حجارة ضخمة صقلتها أيدي الأنام، حكاية التاريخ تراها من خلال كتابات آرامية، ونقوش يونانية، تتراءى لك من خلال أيقونات بيزنطية وفريسكات جدارية، وثريات نحاسية وبرونزية، تقرأها في مخطوطات على ورق البردى، تشتمها من خلال أروقة ودهاليز تحمل عبق الماضي، تلمحها في عيون يتيمات، وراهبات ساجدات شعارهن الفقر والعفة والطاعة، راهبات ومبتدئات نذرن أنفسهن للعبادة والعمل من أجل خير البشر.
وإذا ضاق بك الزمان والمكان، فثمة فسحة تأمل أخرى، فسحة تذهب بك إلى البعيد البعيد، تُريك، ومن كل الاتجاهات، مساحات شاسعة، تطلعك على حضارات أخرى، أوابد أخرى.
من سطح الدير، أو كما يسمّونه محلياً سطوح السور {الصور}، من جوار قبابه، وقبالة ساعته الكبيرة، وأجراسه المهولة، تطل على معظم أحياء {النايا} الخالدة، مدينة صيد النايا التي تحتضن الدير العامر، وأوابد أخرى قل نظيرها، هنا تستروح نسائم سيدة مدن آرام المضمخة بالرياحين وعبق البخور، تشرف على سهل تهجع فيه بلدات شقيقات وجارات صديقات لصيدنايا، وعلى ذرى جبال تستريح خلفها مدن وقرى مازالت تتكلم الآرامية لغة السيد المسيح.
هذه نُتف من تاريخ ديرٍ تكحلت به عيناي مذ أبصرت النور، وسجدت أمام أيقونته مذ وعيت الحياة، وعملت في حقوله وبساتينه عندما أصبحت يافعاً، وكتبت عن عظمته يوم تمكنت من ناصية الكلمة.
إن الكتابة عن دير سيدة صيدنايا، والغور في تاريخه وأقسامه ومغلاّته، وتقصّي أخبار ساكنيه وزواره وحجاجه ليس بالأمر السهل.
فليعذرني القراء وكل ذي علم واطلاع على ماضي الدير وحاضره إن سهوت أو أخطأت.
وأختم ببيت من الشعر ورد في تضاعيف مخطوط من مخطوطات الدير يقول:
وإن تجد عيباً فسدّ الخللا فجلَّ من لاعيب فيه وعلا

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات