3- الشكل الليتورجي البيزنطي
مقدمة:
إن المناطق القديمة للتقليد الليتورجي الكنسي البيزنطي هي تراكي وآسية الصغرى. وكانت عاصمة الامبراطورية ملتقى تيارات ليتورجية مختلفة متأتية من أنطاكية وبلاد البنط وكبادوكية. فقد جلس على كرسي البطركية في القسطنطينية بطاركة من أنطاكية (إفدوكسيوس وإفاغريوس والذهبي الفم ونسطوريوس) ومن كبادوكية (غريغوريوس اللاهوتي ونكتاريوس). وكان لمثل هؤلاء دور أساسيّ بلا شك في تطور الأشكال الليتورجية في القسطنطينية. وقد أثرت حياة البلاط الملكي أيضاً على العبادة في القسطنطينية.
إن الشكل الليتورجي البيزنطي قد أخذ شكله النهائي بشكل عام في حدود القرن الثامن الميلادي كما يظهر من المخطوط البربرينياني 336 (وهو أقدم إفخولوجي يعود لهذا الشكل الليتورجي). أما الخدم الرهبانية الأورشليمية فقد حلّت مكان الخدم اليومية البيزنطية في مرحلة متأخرة وقد كان للشكل الليتورجي البيزنطي لون عقائدي ظاهر، كعقيدة الثالوث الأقدس، والخريستولوجية، وتعليم الكنيسة حول والدة الإله، وقد تركت عقيدة إكرام الأيقونات آثاراً واضحة في هذا الشكل الليتورجي.
ومن ثم نتيجة وضع القسطنطينية الكنسي والسياسي من ناحية، والوضع السياسي السيء الذي مرت فيه البطريركيات في الشرق من ناحية أخرى، انتشر هذا الشكل الليتورجي البيزنطي في كل مكان تقريباً، فقد قبلته الكنائس الأورثوذكسية في الشمال في بلاد البلقان وروسيا وجنوب إيطاليا وأنطاكية والإسكندرية. وأصبح مع الوقت الشكل الليتورجي الوحيد السائد في الكنيسة الأورثوذكسية بكاملها. وقد ترجم إلى كل لغات الشعوب الأورثوذكسية كالسلافية والعربية والرومانية والجيورجية... إلخ.
يحتوي الشكل الليتورجي البيزنطي على ليتورجيتين:
- الأولى: تحمل اسم القديس باسيليوس الكبير
- الثانية: تحمل اسم القديس يوحنا الذهبي
وهناك خدمة القدسات السابق تقديسها (بروجيازمني) أيضاً.
أ - ليتورجية القديس باسيليوس الكبير
هي الليتورجية القديمة والرسمية في كنيسة القسطنطينية، وتتميز بطول أفاشينها (بالمقارنة مع ليتورجية الذهبي الفم)، وجمال لغتها، وبعمقها اللاهوتي، وغناها من الكتاب المقدس وقوة الفكر فيها ووحدته. ونتيجة كل هذا، يمكننا أن نعتبرها الأنافورا الأكثر جمالاً بين كل الأنافورات التي نظمت حتى يومنا. وإنّ كلّ ما لدينا من معطيات داخلية وخارجية تميل إلى تأكيد أصالة هذه الأنافورا: الصياغة، والأفكار، واللغة، وطريقة استعمال الكتاب المقدس، إذا ما قارناها بمؤلفات القديس باسيليوس بشكل عام. كذلك تتوارد الشواهد على أصالتها في المؤلفات القديمة منذ أيام القديس باسيليوس، فقد ذكر القديس غريغوريوس النزينزي أن القديس باسيليوس كتب ليتورجية، كذلك أن فانستوس البيزنطي (بدايات القرن الخامس) وبطرس الشماس (القرن السادس) عرضا بعض المقاطع منها. أما لاونديوس البيزنطي (القرن السادس) والمجمع البنثكتي 692 م. ويوحنا الدمشقي (القرن الثامن) فقد جاؤوا على ذكرها، والمجمع السابع المسكوني ذكر مقطعاً كاملاً منها.
وأخيراً أن كل المخطوطات الليتورجية التي تعود إلى الشكل البيزنطي، ابتداءً من المخطوط البربرينياني (القرن الثامن) وفيما بعد، تذكر هذه الليتورجية تحت اسم "باسيليوس الكبير".
ب - ليتورجية القديس يوحنا الذهبي الفم:
خلافاً لليتورجية القديس باسيليوس الكبير (التي تشهد كل المصادر على أصالتها) فإنّ الشواهد الخارجية التي تشهد على أصالة هذه الليتورجية (التي تحمل اسم القيدس يوحنا الذهبي الفم) قليلة. وهذا ما جعل بعض الباحثين يشككون في نسبتها للذهبي الفم، ولا سيما أن المصادر التي قبل القرن السابع الميلادي لا تذكر هذه الليتورجية في حين أنها تذكر ليتورجية القديس باسيليوس الكبير. كما أن الذين كتبوا سيرة حياة القديس لم يشيروا إلى أنه وضع ليتورجية إلهية، بالإضافة إلى أن المخطوط البربرينياني يحتوي على ثلاثة أفاشين فقط من هذه الليتورجية باسم الذهبي الفم، يذكر أنها للذهبي الفم. وإن التشابه بين هذه الليتورجية وبين الليتورجية المحفوظة في اللغة السريانية باسم "ليتورجية الرسل"، ولّد الانطباع عند بعض الباحثين أن الليتورجية التي تحمل اسم الذهبي الفم هي ليتورجية قديمة، كانت موجودة قبل الذهبي الفم، وكانت ضمن الاستعمال الليتورجي في أنطاكية، ومن ثم انتقلت إلى القسطنطينية بواسطته، ولهذا فإنها حملت اسمه في النهاية.
إن ليتورجية الذهبي الفم أقصر من ليتورجية القديس باسيليوس الكبير وأقل منها بلاغة، ولكنها تمتاز ببساطة إنشائها ووضوحها.
ملاحظات:
يعتقد البعض بأن ليتورجية القديس يوحنا الذهبي الفم وليتورجية القديس باسيليوس الكبير وليتورجية القديس يعقوب ناجمة من بعضها البعض. وهذا الرأي نراه حتى عند الأقدمين. فقط ذكر بروكلس بطريرك القسطنطينية (436 – 446) في كتابه "مقالة حول تقليد القداس الإلهي" بأن القديس باسيليوس قد اختصر ليتورجية يعقوب أخي الرب، وكذلك القديس يوحنا الذهبي الفهم قد اختصر ليتورجية القديس باسيليوس.
إن ليتورجية القديس باسيليوس الكبير، ذات الشكل البيزنطي، على علاقة وثيقة بالليتورجية الإسكندرية التي تحمل اسم القديس أيضاً.
كانت ليتورجية القديس باسيليوس الكبير تقام كل أيام الآحاد والأعياد – حتى القرن الثامن – أما ليتورجية الذهبي الفم فقد كانت الليتورجية اليومية. مع الوقت أخذت تسود الليتورجية الثانية (للذهبي الفم) على الأولى وذلك بسبب قصرها وبساطتها. ولكن بالرغم من هذا فقد بقيت ليتورجية القديس باسيليوس هي ليتورجية الآحاد والأعياد الهامة والرئيسية في السنة الليتورجية. وهي اليوم تقام عشر مرات في السنة (أو اثنتي عشرة مرة في بعض الكنائس) أي في الآحاد الخمسة من الصوم الكبير (إذ إن أحد الشعانين، كما هو معروف لا يُعد من آحاد الصوم الأربعيني) وفي سهرانيات الأعياد الكبيرة: الفصح، الميلاد، الظهور الإلهي (في البرامون)، وكذلك في يوم الخميس العظيم (يوم تأسيس سر الشكر الإلهي)، وأيضاً في ذكرى القديس (الأول من شهر كانون الثاني)، وفي بعض الأمكنة تُقام أيضاً في أحد العنصرة وفي يوم عيد رفع الصليب الكريم (14 أيلول).
ج - بروجيازميني القديس غريغوريوس الذيالوغوس:
هناك بروجيازميني ينتمي إلى الشكل البيزنطي أيضاً، ويُقام أيام الصوم الأربعيني، وبالتحديد يومي الأربعاء والجمعة من هذا الصوم وكذلك في أعياد القديسين الممتازة التي تقع في هذا الصوم (عدا عيد البشارة) وفي الأيام الثلاث الأولى من الأسبوع العظيم. وكان تُقام قديماً يومي الأربعاء والجمعة أيضاً من أسبوع مرفع الجبن.
حسب التقليد تحمل هذه الخدمة اسم القديس غريغوريوس الذيالوغوس بابا رومية، والبعض ينسبونها إلى إبيفانيوس القبرصي، وآخرون إلى جرمانوس بطريرك القسطنطينية.... إلخ.
وهناك ليتورجية بروجيازميني تحمل اسم القديس باسيليوس الكبير. وتنتمي على الأغلب إلى الشكل الليتورجي البيزنطي. والمخطوطات تحفظ منها طلبات الشماس فيها، إضافة إلى بعض ترتيباتها التبيكونية.
يتبع>>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات