مجيء الرب
بداية ، لابد أن نفرق ، لاهوتيا ، بين إسمين يحدث بينهما خلط شبه كامل ، وهما : " الله " و " الرب " . فالاسم " الرب " لايتماهى ، في مدلوله ، مع الاسم " الله " ؛ فهو لايعني اللاهوت في صورته المجرده ، أو الصورة العارية ( naked ) ، بل يعني اللاهوت الحاضر في الخليقة . الله الكلمة لم يصر" ربا " إلا عندما صار خالقا ، ولم تستعلن ربوبيته ، في كمالها إلا بالتجسد ، الذي فيه صار الإنسان خليقة جديدة ، محفوظة إلى الأبد في الكلمة ، وهكذا بالتجسد صار الكلمة " ربا ومسيحا " ( أع 2 : 36 ) ؛ فالكلمة بتجسده قبل أن يمسح لأجلنا ، قبل أن يصير" مسيحا "، وقبل أن يصير " ربا "حافظا ومستوعبا لخليقتنا الجديدة الكائنة إلى الأبد فيه .
. الربوبية تعني النعمة وهذا يختلف تماما عن مفهوم الألوهة ، بالمطلق ، الذي يشير إلى الوجود الالهي الكائن في شركة الثالوث ، خارجا عن إطار النعمة .
ومن هذا المنطلق ، نستطيع أن ندخل إلى مفهوم " مجيء الرب " ؛ فالمجيء ، أو " الحضور" ( parousia )، ليس حضورا ، مطلقا ، لللاهوت ( المجرد ) ؛ إذ أن الحضور المجرد المطلق ، لله ، لامعنى له خارج " الثالوث القدوس " . الله لايحضر بطريقة مطلقة إلا في ذاته ؛ لأن مصطلح " الحضور " أو " المجيء " ، من الوجهة العملية ، هو مرادف لحدث " تحقق الوجود " . أما التجسد ، فهو ليس " حضورا لللاهوت العاري " ، ولكنه "حضور لللاهوت الظاهر في الجسد "، "حضور للكلمة المتجسد " ؛ أي " حضور شخص الرب ". الأمر الذي يعني ، عمليا ، استعلان النعمة التي نالتها البشرية بفضل اشتراكها في الكلمة . وباختصار شديد ، إن مايتحقق حضوره ووجوده ، هو الوجود البشري الجديد الكائن في الكلمة.
. وقد كان الرب يسوع التاريخي ، هو أول كيان بشري ، قد استعلن فيه هذا الحضور، وفي شخص يسوع تحقق وجود حجر زاوية مفهوم " الربوبية " . فيه انطلق حدث " مجيء الرب " بتحقق وجود رأس الوجود البشري الجديد ، ومن قبل الرأس يستمد وجود باقي الأعضاء ، الذين فيهم يتكمل ويمتلئ حدث " مجيء الرب " .
الرب يسوع التاريخي هو مركز دائرة الربوبية ومنبعها ، وما أن تبلغ هذه الدائرة أقصى اتساع لها ، باستيعاب كل أفراد الكنيسة ، حتى ويستعلن كمال مفهوم " الربوبية "، أي " اكتمال مجيء الرب" .
لذلك ينبغى أن ندرك أن لمفهوم " مجيء الرب " بعدا كميا ؛ فإذا كان " البعد الكيفي " قد بلغ قمته وسقفه ، في الرب يسوع التاريخي ، فإن البعد الكمي لمجيء الرب ، إنما يتم استيفاؤه الآن ، في الزمن المقرر له والذي يبدأ منذ لحظة التجسد وحتى لحظة نهاية العالم .
مجيء الرب هو حدث تراكمي ، فيه ينضم الإخوة الكثيرون إلى بكرهم ، فيه ينضم الأعضاء إلى رأسهم ، فيه يتحقق وجود الكنيسة كجسد للمسيح . وخارج هذا الكيان ( الكنيسة) ، لايوجد أي مدلول أبدي - من الممكن للإنسان أن يدركه - بخصوص مفهوم " الربوبية " .
. في الإفخارستيا تعمل الحركة التراكمية لحساب رصيد " مجيء الرب" ، وكما يقول الرسول بولس : " كلما أكلتم … وكلما شربتم … ( أي كلما انضم منكم " كم "معين من الأعضاء ، إلى الشركة في الكلمة ) ، تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء " .( أى يظل هذا الحدث التراكمي ساريا حتى اكتمال كيان الرب ، الممتلئ بكل أفراد الكنيسة) .( 1 كو 11 : 26 ).
ولنا ملحوظتان ، بخصوص عبارة بولس الرسول : - الأولى ، هى أن الفعل ، في " تخبرون " لايعني - في الأصل اليوناني - مجرد إذاعة لخبر معين ، بل يعني المناداة الذاتية بهذا الخبر ، أي التطبيق الذاتي له ؛ بمعنى أن المقصود بعبارة " تخبرون بموت الرب" ، هو " تشتركون في موت الرب المحيي. والملحوظة الثانية ، هي أن التعبير" إلى أن " ، الوارد في الأصل اليوناني ، ليس هو التعبير الذي يشير إلى" توقيت معين " ، بل هو تعبير يفيد " الوصول إلى حد معين " ، يفيد معنى الوصول إلى " الكتلة الحرجة "( إن جاز التعبير ) ، وهكذا فالمعنى االمقصود هو: ( إنكم ستظلون تشتركون في موت الرب المحيي ، فتشتركون في قيامته ، ستظلون تتراكمون داخل كيانه ، كأعضاء إلى الحد الذي يكتمل فيه كيانه ، إلى الحد الذي يجيء فيه ، كاملا ).
التمايز الكمي داخل مفهوم " مجيء الرب " .
هناك مستويان - في لغة العهد الجديد - لمفهوم مجيء الرب :
1- المستوى الأول : وهو مجيء رأس الكيان ، ذلك المستوى الذي تحقق بظهور الرب يسوع التاريخي ، وهذا المستوى هو نبع الحدث الذي منه يتكمل مجيء الرب ، ككيان ممتلئ ، ككيان مكتمل بكل أعضاء جسد المسيح.
2- المستوى الثاني : ويعني مجيء الكيان المكتمل ، بضم كل الأعضاء إلى جسد المسيح .
ولكي ندرك الفرق بين المستويين الكميين لمجيء الر ب ، فلنقارن بين هذين الاقتباسين :
1- ( لكي يثبت قلوبكم بلا لوم في القداسة ، أمام الله أبينا في مجيء ربنا يسوع مع جميع قديسيه . ( اتس3 : 13 ).
2- ( ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم في مجيء ربنا يسوع المسيح .( 1 تس 5 : 23 ).
الملحوظة الهامة ، جدا ، هنا هي أن مدلول عبارة " مجيء ربنا يسوع مع جميع قديسيه " هو ذاته نفس المدلول المكافئ لعبارة " مجيء ربنا يسوع المسيح " .
والفرق بين العبارتين هو أن الأولى ترصد مجيء الرب كحالة من " المعية " بين الرأس والأعضاء ، بينما الثانية ترصد الحدث من منظور الشخص الواحد ، الذي فيه يجتمع الكل في جسد واحد ونفس واحدة لأنهم قد أصبحوا شركاء في الروح الواحد .
ما نريد أن نؤكده هو أن " المعية " في عبارة " مجيء الرب يسوع " ، هي معية يسوع ، وأما عندما يذكر العهد الجديد مصطلح " مجيء الرب يسوع المسيح " ، فهذا يعني ولوج الجميع داخل الحدث ؛ فالمعية كائنة بين الرب يسوع التاريخي وجميع القديسين داخل الكيان الواحد " الرب يسوع المسيح " ، داخل الشخص الواحد الممتلئ بالكنيسة .
مجيء الرب ، بين رافدي : " الراقدين" و "الأحياء ".
. المؤمنون بالمسيح قسمان ، وهذا مايقول به السيد ، نفسه : " أنا هو القيامة والحياة . من آمن بي ولو مات فسيحيا ، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد " . ( يو11 : 25، 26 ) .
إذن ، لدينا قسم قد آمن بالمسيح ، ولكنه مات ، وقسم آخر، آمن بالمسيح ولن يموت إلى الأبد . القسم الأول هو مايطلق عليه العهد الجديد مصطلح " الراقدين " ، أو " الراقدين في المسيح " ، والقسم الثاني هو " نحن " ، أبناء الكرازة الرسولية ، أبناء الدعوة ، الذين " رأيناه وسمعناه ولمسته أيدينا "(1يو 1 : 1) ، هو الأحياء في مرحلة مابعد التجسد .
القسم الأول يخص أولئك الذين " ماتوا في الإيمان ، ولم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها ، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض "( عب 11 : 13). وهم ماتوا بحكم طبيعتهم وبحكم فسادهم الطبيعي ، ولكنهم ماتوا على رجاء مجيء الرب ، وما أن اخترق الكلمة زماننا وتجسد فينا ، إلا وقد بعثوا من موتهم وتحرروا من جحيمهم ، لذلك أطلق عليهم العهد الجديد ، مصطلح " الراقدين " ، أي " النائمين "؛ فلم يكن موتهم هو نهايتهم الأبدية ، بل قد افتقدهم يسوع ، القائم من الموت ، وأقامهم معه . والإنجيل ، ذاته يشهد بذلك ، في سياق أحداث يوم الصلبوت العظيم ، إذ " القبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين " الراقدين " وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين " ( مت 27: 52 ، 53 ).
. في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكى ، يكشف الرسول بولس حدث مجيء الرب ، كالتئام لهذين القسمين ، الذين آمنا بالمسيح ، ويقدم لنا التسلسل الزمني الذي فيه يستحضر الراقدون أولا ، ويبعثوا من موتهم ، بفضل بكرهم الرب يسوع التاريخي ، ثم بعد ذلك يسري الحدث (التراكمي ) الذي يخص أبناء الكرازة ، أبناء النور ، الذين لن يرقدوا ، ولن يذوقوا فناء الموت وعدميته ، بل سيكون انحلالهم ( الطبيعي ) ، مجرد إيذان باختطافهم لكي يلتحقوا بالراقدين ، الذين أقيموا قبلهم :
( لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام ، فكذلك الراقدون سيحضرهم الله بيسوع أيضا معه . فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب : إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب ، لانسبق الراقدين . لأن الرب نفسه بهتاف ، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله ، سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولا . ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب فى الهواء.( 1تس4 : 14- 17 ).
ولنا عدة تعليقات على عبارة الرسول بولس :
1- كلمات الرسول ترصد لحظة التجسد . تلك اللحظة التي استحضر فيها يسوع كباكورة قيامة البشر ، وكبداية انطلاق حدث مجيء الرب في البشر. ويجب أن لانفقد الرؤية الصحيحة ، بسبب الصيغة المستقبلية التي يتحدث بها الرسول ؛ فهذه الصيغة تبدو منطقية بالنسبة لرصد حدث مجيء الرب منذ لحظة انطلاقه (التجسد ) ، ومن البديهي أن يبدو كل مايلي تلك اللحظة من زمن ، حتى نهاية العالم - مستقبلا ، فضلا عن أن حدث مجيء الرب ، بصفة عامة هو غاية وهدف البشر، - التي من الممكن أن يحققها لهم أي مضمون للمستقبل؛ ولذلك فعندما يتحدث عن التجسد بصيغة المستقبل ، فهو يقرر حقيقة أن التجسد هو بداية تحقيق كل مايأتي به المستقبل من نعمة . بالتجسد أصبح " المستقبل"، هو "الآن ".
2- بالرغم من أن يسوع هو باكورة الأحياء ، من البشر ، إلا أنه هو أيضا رب الحياة ، الذي منه ينطلق مجيء الرب في الجميع ، وبه ، ومعه بدأ وصول أول رافد ، وهو " الراقدين "، الذين " سيحضرهم الله بيسوع أيضا معه " .
3- بوق الله : هو نفسه الذي أطلق عليه الرسول بولس " البوق الأخير " ، وذلك حينما كان يرصد نفس الحدث ، ولكن بكلمات أخرى : " هوذا سر أقوله لكم : لانرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير، في لحظة في طرفة عين ، عند البوق الأخير . فإنه سيبوق ، فيقام الأموات عديمي فساد ، ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد ، وهذا المائت عدم موت. ( 1كو 15 : 51- 53).
اذن، الأموات ( الراقدون) ، يقومون عديمي فساد ، ونحن (القسم الآخر) نتغير ؛ لأن السر هو :" لانرقد كلنا " ، كما رقد القدماء ، ولكن " كلنا نتغير ".
. البوق الأخير هو البوق السابع ، في " استعلان يوحنا = apokalepsis "، هو ملء زمن التجسد ، الذي فيه "صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه فسيملك إلى أبد الابدين " .( رؤ 11 :15) . هو زمن مجيء " الكائن والذي كان والذي يأتي ".( رؤ 11 :17 ) . هو الزمن الذي فيه قد" انفتح هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله ". ( رؤ 11 :19). هو الزمن الذي فيه رزقت خليقتنا " بابن ذكر عتيد أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد ". (رؤ 12 : 5).
4- الرب "سوف ينزل من السماء " ، وهو قد نزل فعلا ، في التجسد.
5- " الأموات في المسيح " ، هم الراقدون المنتظرون على رجاء مجيء القائم الذي سيقيمهم معه ، ورجاؤهم لم يكن مجرد أمل خادع ، توهموه في زمانهم الخاص ، بل قد كان حقيقة وجودهم الجديد المحفوظ لهم في المسيح ، المنتظر بالنسبة لهم ( وإن لم يكن المسيح قد قام ، فباطل إيمانكم أنتمم بعد في خطاياكم ! إذا الذين رقدوا في المسيح أيضا هلكوا ! إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح ، فإننا أشقى جميع الناس ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين ( 1 كو : 17- 20 ).
6- " نقول لكم بكلمة الرب " ، والترجمة الأدق للنص اليوناني : نقول لكم " في كلمة الرب " : أي نقول لكم الآتي ، بخصوص ماتعنيه كلمة " الرب " . بمعنى أن الرسول بولس يقدم هنا رؤية بانورامية لحدث تحقق واكتمال مجيء وحضور شخص الرب الممتلئ بكنيسته .
7- تعبير: " الباقين إلى مجيء الرب " .
يضيع معناه تماما مع الترجمة ؛ فالفعل " يبقى " ، هنا ، يشير الى " الشيء المتبقي من رصيد محدد " ، ولا يعني البقاء والاستمرار الزمني ، والحرف "إلى "، ليس هو الحرف " ews " ، الذي يشير إلى لحظة زمنية معينة ، بل هو الحرف " eis " ، الذي يعني توجها معينا ، وبالتالي فإن تعبير " الباقين إلى مجيء الرب " ، يعني ، لغويا ، " الرصيد المتبقي حتى مايكتمل مجيء الرب ".
المعنى العام للعبارة هو أن لحظة التجسد هي لحظة انطلاق مجيء الرب ، التي شطرت تاريخ البشر ، المؤمنين بالمسيح إلى قسمين : الأول هو ، الراقدون في المسيح الذين استحضروا ، بمجرد تجسده وظهوره كبكر لهم . والقسم الثاني ، المكمل لرصيد مجيء الرب ، هو الأحياء ، أبناء الدعوة المسيحية ، الذين لايرقدون كأسلافهم ، ولكن في لحظة ، تنحل أجسادهم فيختطفون ، كل واحد فى زمانه الخاص ، تاركين خلفهم ، عتيقهم الفاسد ،خالعين إياه كرداء بال.
و مجيء كل فرد من أفراد القسم الثاني هو بمثابة انتقاص للرصيد المتبقى من مجيء الرب ، إلى أن ينضم آخر عضو من أفراد هذا القسم إلى الرب ، فيكون ذلك تلاشيا لهذا الرصيد - المتآكل مع الزمن - أي اكتمالا لمجيئه.
يوم الرب
. يوم الرب هو زمن مجيء الرب ، هو زمن امتلاء كيان الرب بكنيسته ، هو زمن تحقق وجود الكنيسة .
. ينبلج فجر يوم الرب من لحظة التجسد - تلك اللحظة التي صاح فيها المبشر : " لاتخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب : إنه ولد لكم " اليوم " في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب . ( لو 2 : 11 ) - وفي تلك اللحظة ظهر أساس الكنيسة وحجر زاويتها ، الذي يشيد فوقه باقي البناء ، في يوم الرب ( فإنه لايستطيع أحد أن يضع أساسا غير الذي وضع ، الذي هو يسوع المسيح . ولكن إن كان أحد يبني على هذا الأساس : ذهبا ، فضة ، حجارة كريمة ، خشبا ، عشبا ، قشا ، فعمل كل واحد سيصير ظاهرا لأن " اليوم " سيبينه . لأنه بنار يستعلن ، وستمتحن النار عمل كل واحد ماهو . إن بقى عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة . إن احترق عمل أحد فسيخسر ، وأما هو فسيخلص ، ولكن كما بنار .( 1 كو 3 : 11 - 15 ).
. يوم الرب هو ذلك اليوم الممتد منذ لحظة ظهور " الخبزالحي النازل من السماء " ، الرب يسوع . وفي خلال هذا اليوم الممتد يتكمل وجود الكنيسة بالشركة في الخبز الواحد ، كاستجابة لصلاتها المرفوعة : " خبزنا كفافنا ( الجوهري والضرورى لاقامة وجودنا - بحسب المعنى الدقيق للكلمة اليونانية ) أعطنا " اليوم " ( مت 6 : 11 ).
. يوم الرب هو زمن تبني البشر ، في الكلمة المتجسد ، وبحسب كلمات بولس في مجمع انطاكية بيسيدية : " إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم ، إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضا في المزمور الثاني : أنت ابني ( الكلمتان بدون تعريف = الحديث هنا عن تبني البشر بالشركة في الكلمة المتجسد وليس عن شخص الكلمة ، بالمطلق ) أنا اليوم ولدتك . أنه أقامه من الأموات ، غير عتيد أن يعود أيضا إلى فساد ، فهكذا قال : إني سأعطيكم مراحم داود الصادقة . ولذلك قال أيضا في مزمورآخر: لن تدع قدوسك يرى فسادا . ( أع 13 : 33 - 35 ). وأيضا : ( صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث إسما أفضل منهم . لأنه لمن من الملائكة قال قط :" أنت ابني أنا اليوم ولدتك " ؟ وأيضا : " أنا أكون له أبا ( بدون تعريف ) وهو يكون لي ابنا "( بدون تعريف) ؟ ( عب 1 : 4، 5 ).
. يوم الرب ليس يوما بحساب الزمن ، لأن يوما واحدا عند الرب كألف سنة ، وألف سنة كيوم واحد .( 2 بط 3 : 8 ). لذلك فإن ذلك اليوم ، الذي ، كألف سنة ، هو زمن الملكوت ، زمن الملك مع المسيح ، زمن احتفالية قيامة الحياة بالنسبة لأولئك الذين اشتركوا في القيامة الأولى ، قيامة البكر ، الرب يسوع : ( ورأيت عروشا فجلسوا عليها ، وأعطوا حكما . ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله ، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ، ولم يقبلوا السمة على جباهم وعلى أيديهم ، فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة . وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف سنة . هذه هى القيامة الأولى . مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى . هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم ، بل سيكونون كهنة لله والمسيح وسيملكون معه ألف سنة ( رؤ 20 : 4 - 6 ).
. يوم الرب هو الحاضر ، هو " الآن " اللامنتهي ، الذي فيه يستعلن الخلاص المعطى في المسيح : ( فإذ نحن عاملون معه نطلب أن لا تقبلوا نعمة الله باطلا . لأنه يقول : " في وقت مقبول سمعتك ، وفي يوم خلاص أعنتك " . هوذا الآن وقت مقبول . هوذا الآن يوم خلاص .( 2 كو 6 : 1،2) .
. يوم الرب هو النهار المشرق في الكنيسة بفضل رأسها ، نجمة الصبح : " كما إلى سراج منير في موضع مظلم ، إلى أن ينفجر النهار ، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ". ( 2 بط 1 : 19 ).
لذلك ، فأبناء الكرازة والدعوة الرسولية ، هم " أبناء النهار " ، هم أبناء النور ، هم الساهرون، وذلك بخلاف القدماء ، الراقدين ، النائمين ، الذين استيقظوا وبعثوا ، وأتوا مع يسوع ، في مشرق نهار " يوم الرب " : ( جميعكم أبناء نور وأبناء نهار . لسنا من ليل ولا من ظلمة . فلا ننم إذا كالباقين ، بل لنسهر ونصح . لأن الذين ينامون فباليل ينامون ، والذين يسكرون فباليل يسكرون . وأما نحن الذين من نهار ، فلنصح لابسين درع الايمان والمحبة ، وخوذة هي رجاء الخلاص . لأن الله لم يجعلنا للغضب ، بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح ، الذي مات لأجلنا ، حتى إذا سهرنا ( نحن الأحياء ) أو نمنا ( الراقدون ) نحيا جميعا معه . ( 1 تس 5 : 5 - 10 ).
. لمصطلح " يوم الرب " ، أو " يوم المسيح "، مضمون إيجابي ؛ فهو يعني النعمة المعطاة ، بالشركة في شخص المسيح الممتلئ بكنيسته . أما بخصوص التعبير عن المصير السلبي ، الذي يخص العالم العتيق ويخص الأشرار ، فيستخدم الكتاب مصطلحات أخرى مثل : "يوم الغضب " ، كما في ( رو 2 : 5 ) ، " يوم الغضب العظيم " ، كما في ( رؤ 6 : 17 ) ، " يوم الدين " ، كما في ( وأما السموات والأرض الكائنة الآن ، فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها ، محفوظة للنار إلى "يوم الدين " وهلاك الناس الفجار ( 2 بط 3 : 7 ). وأيضا كما في : ( الملائكة الذين لم يحفظوا رئاستهم ، بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام ( يه 6 ).
. لذلك ، وبسبب المضمون الإيجابى لمفهوم " يوم الرب " - كزمن مجيء الرب في كنيسته - فإن الأشرار لايشعرون به ، فهو ، بالنسبة لهم يأتي خفية ، كلص في الليل ؛ وهذا منطقى جدا فكيف يشعر الأشرار بحدث النعمة الذي يستعلنه يوم الرب ؟! : - (( يوم الرب ( الاسمان بدون تعريف = حدث النعمة الحاضر ) كلص فى الليل هكذا يجيء … وأما أنتم أيها الاخوة فلستم فى ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص ( 1 تس 5 : 2 - 4 )).، - ( ولكن سيأتى كلص فى الليل ، يوم الرب ( 2 بط 3 : 10 ).
بالنسبة للوجود العتيق وللأشرار ، فان المفاجأة ليست هي في مقدم يوم الرب - فهو حدث خفي عنهم وهم محرومون من الشركة فيه - ولكن في الحدث المصاحب لامتلاء يوم الرب ، أى حدث النهاية العدمية للوجود .
. يحدث الخلط دائما ، بين مفهومين لمصطلح " اليوم " : - الأول ، ايجابي ، وهو مايخص "يوم الرب " ، و يعنى " زمن الملء " ، الذي فيه يجيء الرب فى كنيسته ، جاعلا منها جسدا له . والثاني ، سلبى وهو مايخص "يوم نهاية العالم "، وهو المصير المحتوم والمؤجل ، للعالم ، وحدوثه مرهون باكتمال استحقاقات يوم الرب ؛ أى مرهون بامتلاء جسد المسيح بجميع الأعضاء ، المختارين. الأول ، مستيكي ، لايدرك الأشرار وجوده إلا في لحظة اكتماله ، المصحوبة بالنهاية المحتومة ، المفاجئة ، والثاني يترقبه الذين في المسيح وينتظرونه ، لأن قدومه يعني أمرا وحدا ، هو اكتمال بنيان الكنيسة : ( ولكنه سيأتى كلص في الليل ، يوم الرب ، الذي فيه تزول السماوات بضجيج ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها . فبما أن هذه كلها تنحل ، أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى ؟.منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الله ( حسب الأصل اليوناني ) ، الذي به تنحل السماوات ملتهبة ، والعناصر محترقة تذوب . ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة ، وأرضا جديدة ، يسكن فيها البر . ( 2 بط 3 : 10 - 13 ).
. زمن مجئ الرب هو اليوم ، الحاضر ، الآن . وإذا كان لنا أن نتضرع إليه كي مايذكرنا في مجيئه ، جاعلا لنا نصيبا مع اللص اليمين ، فعلينا أن نصدق بالحقيقة ، مضمون الإجابة المتوقعة ،أن مجيء الرب هو اليوم : ( إنك اليوم تكون معي في الفردوس . ( لو 23 : 42 ، 43 ).
. هذا هو يوم الرب ، الذي بدأ بالتجسد ولاينتهي بنهاية العالم لأنه الزمن الممتلئ ، النهار الأبدي الذي يستمد نوره من الرب يسوع .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات