هذا المجمع هو المحور الفاصل في هرطقة أوطيخا، وذلك لأسباب ننقلها مُلخصة[HL][3][/HL]:

  1. عُقد هذا المجمع على أنه مجمعاً مكانياً.
  2. لم تصدر الدعوة إليه من بابا روما، ولم توجه إليه دعوة.
  3. أقل مجمع تمثيلاً، حيث أن عدد الأساقفة المجتمعين كان 150.
  4. لم تُمثل ولا أبرشية غربية، فضلاً عن روما، في هذا المجمع.
  5. رئيس المجمع، القديس ملاتيوس الأنطاكي، لم تكن بينه وبينا روما شركة.
  6. الرئيس الثاني للمجمع، القديس غريغوريوس اللاهوتي، رُفعت عليه دعوة بأنه خالف القوانين. [وله عظة يُدافع فيها عن نفسه وأحقيته في الجلوس على كرسي القسطنطينية].
  7. لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
  8. قوانين هذا المجمع لم تكن بعد قوانين مجمع نيقية في المجموعة التي استخدمها المجمع الخلقيدوني.
  9. أصدرت روما حرم ضد هذا المجمع، ولم تعترف بقوانين، إلا بعد 1000 سنة [HL][4][/HL].
  10. لكن يتميز هذا المجمع، بأنه اعتبر مجمع قديسين. وقد لا يكون هناك مجمعاً آخر يضاهي هذا المجمع بعدد الذين اجتمعوا فيه من المعترفين والقديسين. يكفي أن نقول أنه بالإضافة لمن ذكرت أسماؤهم بالأعلى فكان حاضراً أيضاً، غريغوريوس النيصصي، تيموثاوس الإسكندري[HL][5][/HL] وكيرلس الأورشليمي حضروا هذا المجمع.
  11. هناك من ينكر على هذا المجمع أنه سنّ قوانين. ولكن تأكد أن القوانين الأربعة الأولى هي من وضعه. ولكن بالنسبة للقوانين 5، 6، فهي من المرجح أن تكون من وضع مجمع آخر عُقد في القسطنطينية بعد سنة، أي 382. وهذه القوانين عُرفت في خلقيدونية. أم القانون رقم 7 فيشك فيما إذا كان المجمع قد وضعه أم لا لأن يوحنا مفسر القوانين، لم يعرفه في القرن السادس. إلا أن هذا القانون قد تبناه المجمع الخامس – السادس وجعله رقم 95 من بين قوانينه [HL][6][/HL].

هذه هي أهم ميزات هذا المجمع الذي لم يُسمى مسكونياً إلا بعد المجمع الخلقيدوني إذ ثبت قوانينه وتبنى تعليمه. وقبل هذا، كما رأينا أعلاه، لم يكن مجمعاً ذا ثقلاً في الكنيسة. حتى أن المجمع المسكوني الثالث وهو المجمع الأفسسي لم يقرأ أعماله. فبالتالي هذا يعني بلغة القوانين الكنسية، أن أعمال وقوانين وتعاليم هذا المجمع غير ملزمة للإيمان. لا يعني أنها خاطئة، فهناك مجامع كثيرة نأخذ منها وهي مكانية لا وبل تعتبرها كنيستنا ضرورية وقوانينها نافذة في الكنيسة الأرثوذكسية[HL][7][/HL].
إذاً نحن الآن ما يهمنا هو البند رقم 7، الذي يقول: لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
هذا كان من ناحية هيكلية ومكانة هذا المجمع. ولكن ما هو تعليم هذا المجمع الذي يخص موضوعنا؟
المجمع ناقش عدة أمور أهمها: هرطقة محاربي الروح القدس، هرطقة أبوليناريوس، ورفع الكرسي القسطنطيني فوق الكرسي السكندري في الشرق وتسمية القسطنطينية برومية الجديدة.
ما يخص بحثنا هذا هو هرطقة أبوليناريوس، ورفع كرسي القسطنطينية.
ونبدأ من رفع كرسي القسطنطينية
:
القانون رقم 3 من مجمع القسطنطينية يقول: وأما أسقف القسطنطينية فليكن له إكرام التقدم بعد أسقف روما، لأن القسطنطينية هي رومية الجديدة.
هذا القانون الذي لأجله لم تعترف روما بقوانين هذا المجمع، ولكنها اعترفت بتعليمه الذي ثبته خلقيدونية.
أما في الإسكندرية، فكان لهذا القانون وقع أكبر. مع أن الإسكندرية كانت ممثلة وهم الذين شنّوا حملة إقصاء القديس غريغوريوس اللاهوتي عن أسقفية القسطنطينية وبالتالي عن رئاسة المجمع. وكان من الأمور التي جاءت نتيجة هذا القانون هو وجود ضغينة في قلوب الأساقفة السكندريين تجاه أساقفة القسطنطينية.
فالبابا ثيوفيلوس، رقم 23 على كرسي القديس مرقس، شنّ حرباً شعواء ضد القديس يوحنا الذهبي الفم وكان هو أكبر سلطة كنسية ساعدت الملكة افذوكسيا. وبمساعي الإمبراطورة والبابا ثيوفيلوس تم عزل القديس يوحنا واتهامه بالهرطقة. وكما هو معلوم فقد رقد القديس يوحنا الذهبي الفم وهو قانونياً هرطوقي.
قد ينزعج بعض الأقباط من هذا الكلام، ولكنها حقيقة لا نستطيع التهرب منها. وقد حاول القمص تادرس يعقوب ملطي، تبرير عمل البابا ثيوفيلوس فقال أنه كان يعتقد بأن القديس يوحنا الذهبي الفم أوريجنسي. مع أنه في نفس الكتاب يقول بأن القديس يوحنا الذهبي الفم كان معارضاً للمدرسة اللاهوتية السكندرية والتفسير الرمزي، واصفاً إياها بمخرّجة الهراطقة. وكان يقصد أوريجنس.
وهناك أمر أخر لا بد من الانتباه له، بأن نتحدث عن بطريرك كان في زمن قبل خلقيدونية وبالتالي فنحن لا نتحدث عن شخص نعتقد أنه قد هرطق. ولكننا نقول بأنه كان قاسي، وفظ، ولا يحترم كرسيه. وهذا القول قد نقوله في أي أسقف. وكما أننا لا نقول بأن بولس السمسياطي ليس هرطوقياً مع أنه أنطاكياً.
ونعود للموضوع، فقد انسحب هذا الموقف تجاه القسطنطينية على القديس كيرلس الكبير أيضاً، كونه كان متأثراً بخاله –البابا ثيوفيلوس-، وكانت كنيسة الإسكندرية أخر كنيسة تعلن قداسة الذهبي الفم. وذلك بعد أن قام الأسقف الشيخ أكاكيوس أسقف حلب بترجي القديس كيرلس من أجل هذا الأمر. وقد كان أكاكيوس الضلع الثالث بعد البابا ثيوفيلوس والإمبراطورة أفذوكسيا في إدانة القديس يوحنا الذهبي الفم.
وطبعاً بقي سارياً هذا الأمر إلى ما بعد القديس كيرلس وسنتكلم عنه في وقته.كما سنعرّج على موضوع القديس كيرلس في محاربته لهرطقة نسطوريوس.
أما الموضوع الثاني الذي ناقشه المجمع المسكوني الثاني، ويدخل في صلب موضوعنا هذا، كان: هرطقة أبوليناريوس.

من هو أبوليناريوس وما هي الأبولينارية؟[HL]
[8][/HL]
من اللاذقية، ولد حوالي 310. كان أسقف النيقاويين في حربهم ضد الآريوسيين. فكان معروفاً بحبه وصداقته للقديس أثناسيوس الكبير بطل الأرثوذكسية. وكان مؤلفاً غزير الإنتاج، ولكن لم تصل لنا من مؤلفاته إلا القليل. نستطيع أن نقول أن هذا أعظم الهراطقة. فهرطقته كانت لها الأثر في حدوث كل الانشقاقات. وكان سابق عصره في فكره اللاهوتي، فقد استطاع أن يحول موضوع الهرطقات من الثالوث القدوس إلى سر التجسد. وكان أنطاكياً قحاً في اللاهوت والفكر. وقد يكون من أكثر الأشخاص الذين حاربوا الهرطقات. فلم يترك باباً من أبواب الهراطقة إلا وطرقه ليفنّد بدعتهم وضد الوثنين ليرد ضلالهم. وقد وصل إلينا مؤلفات عقائدية تُنسب له لغيره، مثل "اعتراف إيمان" ينسب للقديس غريغوريوس العجائبي. وكتابي "الاتحاد بالمسيح" و"في تجسد الكلمة الإله" وتنسب للقديس أثناسيوس الكبير.

في بداية الأمر لم يلحظ الآباء أخطاء أبوليناريوس العقائدية، ولكن مع غزارة إنتاجه هبّ كثيرون لمواجهته وتفنيد بدعته. وكان على رأسهم صديقه السابق القديس أثناسيوس الكبير. وأيضاً باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، وغريغوريوس اللاهوتي وغيرهم.
وقد تمت إدانة بدعته من قبل عدة مجامع مكانية، منها: الإسكندرية 362،ـ روما 374 و376 و380، وأنطاكية 397. ومن ثم في المجمع المسكوني الثاني.
وعلى إثره قامت السلطات بمحاربة أبوليناريوس وأتباعه ومنعتهم من انتخاب أساقفة أو تنصيب كهنة. وحرمت عليهم أن يسكنوا في المدن وعقد الاجتماعات أو التجمعات. فبدأت تنحصر هذه البدعة شيئاً فشيئاً إلى أن بقي منها مجموعة صغيرة.
إلى أن جاء عام 426 وأعلن قسم كبير من الباقي بتوبتهم وندامتهم وطلبوا العودة إلى الشركة من قبل أسقف أنطاكية ثيودوتوس، فقبلهم.
إلا أن بعضاً منهم أبقى إيمانه سراً، ومن ثم اختلطوا مع مذهب "الطبيعة الواحدة"، المونوفيزيتيين.
نعود إلى أبوليناريوس، أنطلق أبوليناريوس في لاهوته على أساس معارضة الآريوسية ودحض آرائها في الثالوث القدوس، لكنه ما لبث أن استرجع مبادئها في الخريستولوجية، وربما عن غير وعي تأثر بها. فجذبه هكذا صراعه ضد الآريوسية إلى أخطاء ليست أقل شؤماً. فوصل إلى التطرف الآخر من الهرطقة: شوّه كمال ناسوت المسيح، كما تعترف به الكتب المقدسة والتقليد الآبائي والإيمان المستقيم، إذ أنكر وجود نفس عاقلة في المسيح ابن الله المتجسد.
فكان بهذا أول هرطوقي خريستولوجي، أول من ارتكب هرطقة خريستولوجية بالمعنى الحصري.
يعوج خطأ أبوليناريوس إلى عدم وضوح في الرؤيا، وإلى تشابك الأفكار، وإلى نظرة جد مادية داخل اللاهوت، وإلى اختيار اعتباطي لنظريات من مدارس فلسفية متنوعة، مما أدى إلى تصادم وارتباك في الأفكار. إذ كان يحب التلفيق ليجمع من كل حدب وصوب فكرة يضمها إلى أفكاره فتكتمل نظريته. ارتكز على عناصر "مشائية" أي فلسفة أرسطو، بالإضافة إلى عناصر "رواقية" وتبع أفلاطون قاعدة لذلك.
شدد في معارضته للآريوسية، على الاتحاد الكامل بين ناسوت السيد المسيح ولاهوته، مع افضلية واضحة لألوهيّة الفادي. فحاول إيجاد حل لمعضلة هذا الاتحاد، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفسير اتحاد الطبيعتين في المسيح على أنه اتحاد شخصين أو أقنومين. وكان همه وهاجسه، تأكيد وحدانية الكلمة المتجسد وعدم الفصل بين الطبيعتين. فلكي يحل هذه المعضلة التي خلقها وواجهته، أنكر على الكلمة المتأنس ناسوته التام، معتبراً أنه اتخذ الطبيعة البشرية، ولكن من دون نفس عاقلة nous.
وقد توصل إلى هذه النظرية لأنه أساساً استند على ثلاثية افلاطون: الإنسان مكون من ثلاثة عناصر هي "الجسم"، النفس الحيوانية" و"النفس العاقلة أو الروح (أو العقل وهي النوس باليونانية كما قلنا أعلاه)" [HL][9][/HL]. وطبق هذه النظرية على الخريستولوجيا، فتوصل إلى أن الإنسان-الإله مكون من ثلاثة عناصر هي: الجسد، النفس، واللوغوس الذي حل مكان الروح، فنفى بذلك وجود النفس العاقلة (الروح) في المسيح. إذ إن اللوغوس المتجسد قام مقامها فاعلاً للنشاطات الإنسانية في المسيح.
أما السبب الذي حدا به إلى إنكار وجوده، فلأنه كان مقتنعاً بأن نسب النفس العاقلة للمسيح، يعني نسب الحرية إليه، وبالتالي التغيير والخطيئة [HL][10][/HL]. وهذا ما يهدد، كما يقول، يقين فدائنا.
لكنه لم يلاحظ أنه أنه بتشويهه طبيعة يسوع البشرية، يهدم الإله-الإنسان، ويقوض أساس ناسوت المخلص، إذ كان يفسر بالمعنى الحرفي الضيق نص إنجيل يوحنا 1: 14 [HL][11][/HL]، غير منتبه إلى أن الكتاب المقدس يعني بالجسد الإنسان بكليته، وبالتالي فإنه يعرض الخلاص كله للخطر والانتفاء.
استشهد أبوليناريوس لإثبات رأيه بالآتيني: "قدسكم إله السلام تقديساً تاماً، وحفظكم سالمين روحاً ونفساً وجسداً" (1 تسا 5: 23) [HL][12][/HL] و"إن الجسد يشتهي ما يُخالف الروح، والروح يشتهي ما يخالف الجسد، كلاهما يقاوم الآخر حتى إنكم تعملون ما لا تريدون" (غلا 5: 17). ومرد إنكاره اتخاذ الكلمة المتجسد نفساً بشرية عاقلة، يعود إلى أنه لم يميز بين "طبيعة" و"أقنوم"، بل كان يساوي بينهما، فلم يكن يقدر، بحسب طروحاته، ان يقبل بوجود أقنومين في كيان المسيح الواحد: اعتبر أن جوهرين كاملين، أو طبيعتين تامتين، لا يمكنهما أن يتحدا ويشكلا كياناً واحداً، لأن طبيعة تعادل أقنوم، وهذا منعه من القبول بوجود طبيعة بشرية كاملة في المسيح، ولهذا علّم بطبيعة واحدة فيه، هي الطبيعة الإلهية.[HL][13][/HL]
فكان لدى أبوليناريوس سببان أساسيان يعارضان أن يكون في المسيح إنسانية تامة. السبب الأول ميتافيزيقي، أي أن كائنين كاملين، الله والإنسان، لا يمكن أن يكوِّنا وحدة، بل كائناً هجيناً؛ واعتبر أن التعليم القائل بوحدة في أقنوم واحد مستحيل، لأنه لم يرَ كيف يمكن أن يكوّن كائنان كاملاً تاماً، إله وإنسان، كائناً واحداً أي المسيح. والسبب الثاني بسيكولوجي، إذ يعتبر أن النفس العاقلة هي مركز قوة الإرادة الحرة والاختيار الشخصي بين الخير والشر، ولهذا لا يمكن أن ننسب إلى المسيح إمكانية الخطيئة، فالمخلص يجب أن يكون من دون خطيئة ليتم الفداء. واستنتج أنه لا يمكننا القول إن المسيح مُنزه عن الخطيئة إذا ما وافقنا على أنه اتخذ نفساً بشرية، التي تقع بالضرورة في الخطيئة.
لهذا اعترف أبوليناريوس بطبيعة واحدة في المسيح، طبيعة واحدة في الله الكلمة المتجسد[HL][14][/HL]، لأن كل طبيعة كاملة، في مفهومه، يُقابلها أقنوم [HL][15][/HL].

يتبع>> ج2>>

-----------------

[HL]الهوامش[/HL]
-----------------
[HL][3][/HL]
الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص241-242.
[HL][4][/HL]
بعد جلوس بطريرك لاتيني في القسطنطينية.
[HL][5][/HL]
إن كان القديس تيموثاوس الإسكندري غير معروف كثيراً الآن، إلا أن قوانينه من قوانين الكنيسة الأرثوذكسية. راجع الأب الدكتور جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، الفصل الرابـع: قوانين إيمان الكنائس الثلاث، قوانين إيمان الكنيسة الأرثوذكسية
[HL][6][/HL]
راجع الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 241 فما بعد.
[HL][7][/HL]
المرجع السابق. مثل: مجامع القسطنطينية المنعقدة سنة 1341، 1347، 1351، 1638.
[HL][8][/HL]
الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك)، "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثالث: المجمع المسكوني الثاني"، صفحة 81 وما يليها.
[HL][9][/HL]
تُدين كنيستنا الأرثوذكسية هذه النظرية والقائلين بها. للمزيد راجع: الأب د. جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، القسم الثاني، الفصل الأول، 8- حلق العالم المنظور، ج- خلق الإنسان
[HL][10][/HL]
وهكذا نرى أن وجود مشيئة وإرادة واحدة في المسيح، هو تعليم ابوليناري صرف. ولذلك ردّ عليه القديس غريغوريوس اللاهوتي في المجمع المسكوني الثاني وقال: ما لم يتخذه المسيح، لم يخلص. أي إن لم يكن للمسيح إرادة ومشيئة بشرية، فإن مشيئتنا مازالت فاسدة.
[HL][11][/HL]
وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا
[HL][12][/HL]
هذا النص ولو أنه يبدو لأول وهلة وكأنه يوافق على النظرية الثلاثية، إلا أنه لا علاقة له في الجوهر معه، لأن روح ونفس هنا لا تشيران إلى مبدأين أو طبيعتين مختلفتين في الإنسان بل إلى وظيفتين في طبيعة واحدة والتي هي الطبيعة العاقلة وغير المحسوسة التي تكلم عنها الآباء. الروح إذاً هي النفس ذاتها منظوراً إليها بحسب قواها ومواهبها العليا. وأكبر دليل على ذلك هو في النص التالي "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب12:4). الذي يذكر به المفاصل والمخاخ والقلب ... فهذه كلها أعضاء في الجسد وليس كل منها عنصراً أساسياً مكوناً للطبيعة البشرية. هكذا أيضاً فالنفس والروح ليستا سوى وجهين أو وظيفتين لعنصر واحد. وغالباً ما تشير الروح إلى النفس السامية، النفس المتحدة بروح الله والمتمتعة بكل المزايا الناتجة عن حياة الروح مثل استنارة الذهن، الحكمة والفضائل.
من هنا فتعبير "نفسانيون لا روح لهم" الوارد في رسالة يهوذا يشير خاصةً إلى نفوس الذين لا تأثير للروح القدس عليهم بل يخضعون لقوى طبيعتهم الفاسدة بسبب الخطيئة، وليس عندهم ولادة جديدة. (المرجع السابق)
[HL][13][/HL]
أرجو أن نتذكر هذه الفقرة جيدة، لأننا سنصطدم بها لاحقاً مع تعليم أوطيخا. فكما لاحظنا هنا لم ينكر أبوليناريوس التجسد، ولكنه قال أن في المسيح يوجد طبيعة إلهية فقط، متجسدة أي اتخذت جسداً لها.
[HL][14][/HL]
وهي الجملة التي اقتبسها القديس كيرلس، ومن ثم صحح مفهومها وعمدها معموديةً أرثوذكسية. إلا أن هناك من رفض هذه المعمودية وأرادها أن تبقى على ما كانت عليه.
[HL][15][/HL]
وهذا ما سنراه لاحقاً في الحديث عن أوطيخا وخلقيدونية.