الأعضاء الذين تم إشعارهم

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 46

الموضوع: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451

  1. #11
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 3

    والآن ندخل في صلب تعليم المجمع المسكوني الثالث:
    ولكن قبل ذلك، لا بد أن نشير إلى موضوع رئاسة المجمع المسكوني الثالث. أعتقد أنه من الأخطاء التي تؤخذ على القديس كيرلس الكبير، رضي بأن يكون ممثلاً للبابا روما، وأن يرأسه نيابة عنه. فقد رأس المجمع المسكوني الأول، كما يرجح الكل، القديس أفستاثيوس أسقف أنطاكية كأسقف أنطاكية وليس نائباً عن أسقف روما. كان من الممكن أن يُقال، أن كل ما يعلنه القديس كيرلس موافقة عليه روما.
    ولكن أعتقد أن هذا الموضوع لم يهتم له كثيراً القديس كيرلس، لأن ما كان يشغله أهم لسببين، الأول هو الدفاع عن الإيمان القويم، أما الثاني فكان الإطاحة بأسقف القسطنطينية.
    والأخبار التي ينقلها المؤرخون عن المجمع، تقول بأن القديس كيرلس قام بأساليب ملتوية قبل وأثناء انعقاد هذا المجمع. لن ندخل بها، فيمكن مراجعتها في أي كتاب تاريخي مثل كتاب السيدة أ.ل. بتشر، المعنون بـ "تاريخ الأمة القبطية". أو تاريخ أنطاكية للدكتور أسد رستم.
    لكن هناك حقيقة يجب ذكرها، وهي أن القديس كيرلس قبل المجمع قام بمراسلة نسطوريوس، للوقوف عما سمعه ومن ثم رسالة أخرى للرد عليه. وفي الرسالتين شرح تعليمه.
    إلا أن ما يهمنا هنا أن القديس كيرلس لم يكتفِ بما سمع من أخبار، بل أرسل رسائل يستفهم بها عما حصل. وحين وصله خبر أن نسطوريوس راسل أسقف روما، قام بإرسال مندوب عنه وحمّله رسالة وقال له: لو كان نسطوريوس قد أرسل رسالة إلى روما، فسلّم رسالتي إلى أسقفها. أما إن لم يكن قد أرسل فاتركها معك، وارجع بها.
    وهنا يوضح هذا الأمر احترام أسقفية نسطوريوس بأن راسله أولاً ليسأله عم يحدث وعما وصله من أخبار.
    أما بالنسبة لأعمال المجمع للتعليم الذي صدر عن هذا المجمع، فقد كان بالشكل التالي:
    لم تُقرأ أعمال المجمع المسكوني الثاني، ولم يؤخذ بدستور الإيمان الذي سنّه هذا المجمع. وقد اعتمد المجمع رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس وإبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. ونرى أيضاً أنفسنا مجبرين على وضعها في هذا البحث، لأنها تتعلق فيما سيأتي بعد.
    الجلسة الأول من أعمال المجمع الأفسسي، وهي التي صار بها قراءة الرسالة التالية:
    رسالة القديس كيرلس الكبير، الأولى، إلى نسطوريوس:[46]
    إلى الجزيل التقوى المحبوب من الله الزميل في الخدمة نسطوريوس، كيرلس يرسل تحيته بالرب.
    سمعت أن البعض يتحدثون بتسرع في ما أحفظه في من الاعتبار لقداستكم. وقد تكرر هذا ولا سيما أثناء اجتماع أرباب السلطة. وقد يخال لهم أنهم بعملهم هذا يقومون بما يروق لكم. على أن أحاديثكم خالية من كل معنى أو شعور وليس منهم من ناله مني حيف أو جور. ولكني صارحتهم بما أراه بشأنهم ولا غاية لي إلا ما يفيدهم بنوع خاص. فإن اعتدى أحدهم على أموال العميان والمحتاجين، وجرح الثاني أمه بالسيف واختلس الثالث مال غيره بالاتفاق مع خادمته وكان يعمل دائماً مدفعواً بتأثير جرائم كهذه الجريمة مما يأبى أحد أن تلتصق لوثتها حتى بألد أعدائه خصومة. فأنا قلما أبالي بأقوال أشخاص من هذه الطبقة لأن التلميذ ليس أفضل من معلمه. ولست لأدعي أن دماغي الصغير أعظم أدمغة الآباء[47]. ومهما اتخذ الإنسان من مسلك في حياته لا يأمن فيه من محاولة الأشرار تسويد سمعته فإن أفواههم مملوءة لعنة ومرارة. وما على المرء إلا أن يقدم حساباً لله ديان العالم بأسره.
    على اني أعود إلى نقطة البحث التي اكتب بشأنها خاصة وأرجو منك بإلحاح كأخ لي في الرب أن تشرح للشعب كلمة التعليم وعقيدة الإيمان بكل دق. وأن تعتبر بأن إيجاد معثرة لأحد أصغر المؤمنين بالمسيح يعرض الجمهور للازدراء بالله بصورة غير لائقة. وما أعظم الحاجة إلى الانتباه والحذق عندما يتكاثر عدد الذين تشوشت أفكارهم لنستطيع أن نعالج بكلمة الحق الشافية الذين ينشدون الحق. على أنه يمكننا أن نقوم بهذا على أتم وجه إذا أصغينا إلى أقوال الآباء القديسين وكانت غيرتنا صادقة في إطاعة أوامرهم، مبرهنين بذلك أننا لا نزال على الإيمان كما كتب وأننا نتوجه بكل أفكارنا لإتباع تعليمهم القويم الذي لا يدرك.
    إن المجمع الكبير المقدس يقول إن ابن الله الوحيد المولود حسب طبيعة الله الآب، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به خلق الآب كل شيء، نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء[48]. هذه الأقوال وهذه التعاليم يجب أن نتبعها باعتبار ما يعنى بالقول إن كلمة الله تجسد وتأنس. لأننا لا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة قد تغيرت فصارت جسداً. أو أنها تحولت إلى إنسان مؤلف من نفس وجسد. بل بالأحرى إن الكلمة قد ضم إلى ذاته جسداً فيه نفس عاقلة وصار بطريقة لا يمكن الإفصاح عنها أو إدراكها إنساناً ودعي ابن البشر ليس لمجرد أنه شاء وسُرّ أن يُدعى هكذا، وليس لأنه اتخذ لنفسه شخصاً بل لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر. ولذلك فالذي وجد قبل كل الدهور وولد من الآب قيل عنه أنه ولد بحس الجسد من امرأة دون أن تعني هذه الولادة أن طبيعته الإلهية قد أخذت بداءة وجودها من العذراء القديسة، لأن هذه الطبيعة لم تكن بحاجة إلى ولادة ثانية بعد ولادتها من الآب (لأنه من الجهل والحماقة أن يُقال أن الذي كان قبل كل الدهور والمساوي في الأزلية للآب احتاج وجوده إلى بداية ثانية). ولكنه لما كان لأجلنا ولأجل خلاصنا قد ضم إلى ذاته جسداً بشرياً وولد من امرأة قبل عنه، لهذا السبب، أنه ولد من امرأة. وأنه ولد بحسب الجسد لأنه لم يكن قد ولد في السابق إنساناً بسيطاً من العذراء مريم القديسة. وإذ ذاك نزل الكلمة وحل فيه. على أن الاتحاد، أو الحلول، حدث وهو في الرحم. وقيل عنه لذلك أنه احتمل ولادة جسدية ناسباً لنفسه ولادة جسده البشري. وبهذا الاعتبار نقول أنه تألم وقام. ولا نعني أن الله الكلمة قد تألم بطبيعته هذه واحتمل الجلد واختراق المسامير يديه ورجليه وطعن جنبه بالحربة. لأن الطبيعة الإلهية لا يمكن أن تتألم لأن لا جسد لها. ولكن ما دامت الطبيعة التي صارت جسده قد تألمت بالطريقة المار ذكرها قبل عنه أنه تألم لأجلنا. لأن الذي كان بطبيعته الإلهية غير ممكن أن يتألم كان لابساً جسداً متألماً. وبهذا الأسلوب نفسه ندرك ما يتعلق بموت. لأن كلمة الله بحسب الطبيعة لا يعتوره موت ولا فساد وهو حياة ومانح الحياة. على أنه إذا كان جسده كما يقول بولس الرسول قد ذاق الموت بنعمة الله لأجل الناس كافة قيل عنه نفسه أنه احتمل الموت لأجلنا. ليس بمعنى أنه عانى الموت بطبيعته الخاصة (لأنه من الجنون أن نقول هذا أو نفتكر به)، ولكن بما أنه، كما سلف القول، قد ذاق جسده الموت، فعلى هذا المنوال قام جسده من القبر. فقيامته بهذا المعنى لا تعني أنه عانى فساداً (العياذ بالله) بل لأن جسده البشري قام من الأموات. ولذلك نعترف بمسح واحد ورب واحد ليس كأننا نعبد إنساناً مع الكلمة (لئلا يقود هذا التعبير "مع الكلمة" الذهن إلى الفكر بانقسام الطبيعتين)، ولكننا نعبده كشخص واحد هو نفسه ما دام جسد الكلمة الذي يجلس به مع الآب غير منفصل عن الكلمة نفسه. فلم يجلس ابنان معه بل ابن واحد باتحاده مع الجسد. على أننا إذا كنا ننكر هذا الاتحاد الشخصي ونقول أنه مستحيل وغير لائق نسقط في ضلال القول بابنين، إذ أن ذلك يُلزمنا أن نُميز ونقول إن الذي كان إنساناً بالطبع قد كرم بإعطائه اسم الابن وأن الذي هو في طبيعته كلمة الله له بحسب طبيعته هذه البنوة اسماً وفعلاً. ولذلك يجب ألا نقسم أقنوم الرب يسوع المسيح الواحد على اثنين. كما انه لا ينطبق على الإيمان القويم أن نعتقد كما يعتقد البعض باتحاد شخصين، لأن الكتاب المقدس لم يقل أن الكلمة وحّد بين نفسه وشخص إنسان بل قال أنه صار جسداً. وهذا التعبير "الكلمة صار جسداً" لا يمكن أن يعني شيئاً آخر غير أنه اتخذ لخماً ودماً مثلاً أي جعل جسدنا جسداً له. وولد إنساناً من امرأة دون أن يخلع عنه وجوده كإله أو ولادته الأزلية من الله الآب. ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد، ولذلك أكتب إليك الآن هذه الأشياء حباً للمسيح متوسلاً إليك كأخ وشاهداً لك أمام يسوع وملائكته المختارين لتفكر أنت نفسك تفكيرنا وتشاركنا في التعليم على المنوال ذاته، لحفظ السلام في الكنائس وبقاء رباط الاتفاق والمحبة غير المنفصم بين كهنة الله العلي.
    عودة للجلسة الأولى: فبعد أن قرأت أقرها الآباء واعترفوا بما جاء بها. ثم قالوا لتُقرأ رسالة نسطوريوس، فرفضوها، ومن ثم قرأت إبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. وسنوردهم ولكن أولاً يوجد بعض التعليقات حول هذه الرسالة الأولى.

    تعليقات على هذه الرسالة:
    أولاً لا يجب أن نقرأها بمفهومنا اليوم. بل علينا أن نعود بالزمن إلى عصر القديس كيرلس.
    ثانياً: أرجو التركيز على أن القديس كيرلس أرسل يستفسر من نسطوريوس، كما أرجو أن نركز على لهجة الخطاب التي تليق بالقديسين.
    ثالثاً: أكد القديس كيرلس على مجمع نيقية، الذي تكلم فقط عن الطبيعة الإلهية في المسيح، وقال: "وكل من يقول:... إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته... فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال".
    ثالثاً: مع أن القديس كيرلس تكلم عن الطبيعتين عرضاً، قائلاً: "لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر". إلا أنه عاد وتكلم عن الطبيعة الإلهية فقط، عندما قال: "ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد".
    كما يجب أن ننتبه، إلى أقنوم يعني طبيعة واحدة.. وبم أن القديس كيرلس كان يُزكز على الأقنوم أكثر، كما سنوضح هذا لاحقاً، فقد يُفهم من كلامه كله أنه يتكلم عن طبيعة إلهية واحدة اتخذت جسداً ونفساً عاقلة. دون إغفال دستور المجمع المسكوني الأولى.
    ولا نجده يتحدث عن الطبيعة البشرية التي أخذها السيد من العذراء مريم، بل يقول فقط أنه ولد منها. وبالتالي فإن المقارنة بين دستور نيقية، وتعليم كيرلس الكبير في هذه الرسالة، يعني أن السيد المسيح ضم الطبيعتين إلى طبيعة واحدة إلهية. وهذا ما لم يقصده القديس كيرلس، لأن اللاهوت السكندري لم يكن متعمقاً في هذه المصطلحات، على عكس لاهوت أنطاكية. وهذا ما سيتوضح لاحقاً في الرسالة الثانية التي أرسلها القديس كيرلس إلى نسطوريوس، والتي قرأها أيضاً المجمع في جلسته الأولى، فلنقرأ معاً الرسالة الثانية التي تتسم بنضج أكبر في التعبير عن الإيمان:

    -----------------

    الحواشي
    -----------------

    [46] الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 295-297
    [47] يقصد آباء الكنيسة في زمانه.
    [48] قارن مع دستور الإيمان النيقاوي، ومن ثم دستور الإيمان القسطنطيني في اللذين وردا في الأعلى.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  2. #12
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 4

    رسالة القديس كيرلس الكبير، الثانية، إلى نسطوريوس:[49]
    إلى الجزيل الاحترام المحب لله زميلنا في الخدمة نسطوريوس، تحية بالرب من كيرلس والمجمع المنعقد في الإسكندرية في أبرشية مصر.
    إذا كان المخلّص يقول بجلاء: "إن من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلن يستحقني ومن أحب ابناً أو بنتاً أكثر مني فلن يستحقني" (متى 10-37) فماذا يحل بنا وقداستكم تطلبون منا أن نحبكم أكثر من محبتنا للمسيح مخلصنا جميعاً؟[50] ومن يشفع فينا يوم الدينونة؟ وأي عذر نقدمه لالتزامنا الصمت كل هذا الوقت الطويل في ما يتعلق بالتجاديف التي جئتم بها ضده؟ ولو أنكم آذيتم نفسكم وحدها باعتقادكم بهذه التعاليم وتبشيركم بها لكانت القضية أقل خطورة. أما وقد سببتم المعاثر للكنيسة كلها بصورة واسعة وألقيتم بين الشعب خميرة بدعة جديدة وغريبة، ليس بين القاطنين في القسطنطينية فحسب، بل بين الشعب في كل مكان وصلت إليه الكتب متضمنة تفاسيركم، فكيف يمكننا والحالة هذه أن نجد عذراً لسكوتنا؟ وكيف لا نرغم على أن نذكر أن المسيح قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. لم آتِ لألقي سلاماً لكن سيفاً. أتيت لأفرّق الإنسان عن أبيه والابنة عن أمها" (متى 10: 34 و35) لأنه إذا اتصل الأذى إلى الإيمان بطل الإكرام الواجب للوالدين بل حلّ به انحلال أو فساد. وصمتت شريعة المحبة الرقيقة نحو البنين والأخوة وصار الموت خيراً من الحياة للأتقياء "ليحصلوا، كما كتب، على قيامة أفضل".
    لذلك هوذا نحن بالاتفاق مع المجمع المقدس الذي التأم في رومة العظمى، برئاسة الجزيل القداسة والاحترام أخينا وزميلنا في الخدمة كيلستين الأسقف، نعلن بهذه الرسالة الثالثة لكم وننصح بأن تنبذوا اعتقاداتكم الفاسدة المعوّجة التي تبشرون بها وأن تقبلوا الإيمان القويم الذي سلمه للكنائس منذ البدء الرسل والقديسون والإنجيليون الذين كانوا شهود عيان وخداماً للكلمة. وإذا كنتم، قداستكم، لا تريدون أن تفكروا وتعتقدوا بحسب الحدود التي وضعها كتابة أخونا المطوّب الذكر والجزيل الاحترام وزميلنا في الخدمة كيلستين، أسقف كنيسة رومية، فثقوا أنه لن يكون لكم نصيب معنا ولا شركة أو مقام بين كهنة الله وأساقفته. إذ لا يسعنا أن نهمل أمر الكنائس التي اضطربت والشعب الذي خامرته الشكوك والخراف التي شردت وتفرقت بسببكم والتي يدعونا الواجب أن نرشدها إلى الخلاص إذا كنا نحن أنفسنا معتصمين حقاً بالإيمان القويم ومتبعين عبادة الآباء القديسين.
    ونحن في شركة مع العوام والإكليريكيين الذين قطعتموهم قداستكم من الشركة أو فصلتموهم من الكهنوت بسبب إيمانهم. لأنه ليس من العدل أن يتألم الذين ثبتوا في الاعتقاد القويم وكانوا على جانب الصواب في مقاومتكم لأنكم هكذا تريدون. وقد ذكرتم هذا الشيء نفسه في رسالتكم التي كتبتموها إلى زميلنا الجزيل القداسة كيلستين أسقف رومية.
    ولكن لا يكفي أن سيادتكم تعترفون معنا بدستور الإيمان الذي وُضع سابقاً بإلهام الروح القدس في المجمع الكبير المقدس في نيقية[51]. لأنكم لم تعتصموا به ولم تفسروه تفسيراً قويماً، بل شوهتم معناه وإن لفظتم بفمكم كلماته ذاتها[52]، بل يجب عليكم فوق ذلك أن تعترفوا كتابةً وتؤيدوا ذلك بقسم أنكم تبسلون معتقداتكم هذه الفاسدة الكريهة، وأنكم تؤمنون وتعلمون بكل ما نعتقد ونؤمن به نحن الأساقفة ورؤساء الشعب في الشرق والغرب. إن مجمع رومة المقدس ونحن كلنا موافقون على ما جاء في الرسالة التي بعثت بها إلى قداستكم كنيسة الإسكندرية وأنها رسالة قويمة لا عيب فيها. وقد أضفنا إلى ذلك رسالتنا هذه وكل ما يجب أن تعتقدوا به وتعلموه وكل ما يجب أن تعتنوا في تجنبه ونبذه. وإليكم الآن إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي اتفقت عليه كلمة الأساقفة المستقيمي الرأي شرقاً وغرباً.
    "نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء ما في السماء وما في الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وسيأتي منها ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما الذين يقولون أنه كان وقت لم يكن فيه، وأنه قبل أن ولد لم يكن، وأنه قد صنع من العدم، أو كان من مادة أو جوهر آخر. أو أن ابن الله كان قابلاً للتغيير والتبدل. فهؤلاء تبسلهم الكنيسة الجامعة الرسولية".
    وإننا إذ نتبع في كل النقاط اعترافات الآباء القديسين (إذ كان الروح القدس يتكلم بألسنتهم)[53] وإذ نجري على منوالهم في التفكير دون أن نحيد عن الجادة المرسومة نعترف بأن الكلمة الوحيد المولود من الآب، المولود من جوهر الآب نفسه، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به كان كل شيء ما في السماء وما على الأرض نزل لأجل خلاصنا جاعلاً نفسه بلا شهرة وقد تجسد وتأنس أعني أنه اتخذ جسداً من العذراء القديسة جاعلاً إياه جسده من البطن فعرض نفسه للولادة لأجلنا وولد إنساناً من امرأة دون أن ينزع عنه طبيعته التي كانت له. ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة فلا نقول أن الجسد تحول إلى الطبيعة الإلهية ولا أن طبيعة كلمة الله التي لا يمكن وصفها عزلت جانباً من أجل الطبيعة البشرية. لأنه غير متغير ولا يعتريه تغيير على الإطلاق وهو هو دائماً كما أعلن عنه الكتب المقدسة. لأنه وإن كان منظوراً وطفلاً ملفوفاً في أقمطة، وإن كان في بطن العذراء أمه فهو مالئ الخليقة كلها إلهاً وسيداً للخليقة ومساوٍ للذي وَلَده لأن الإله الرأس لا وصف له ولا امتداد ولا حدود.
    إننا نعترف بأن الكلمة صار واحداً مع الجسد حسب الجوهر فنعبد الشخص الواحد الابن والرب يسوع المسيح. إننا لا نفصل الله عن الإنسان ولا نقسمه إلى أجزاء كأن الطبيعتين قد اتحدتا فيه وحده اتحاداً متبادلاً بواسطة الاشتراك في الكرامة والسلطة، (فإن ذلك شيء غير اعتيادي ليس إلا) فلا نطلق الاسم "المسيح" على كلمة الله وحده، أو على الشخص الذي ولد من امرأة دون سواه. ولكننا نعترف بمسيح واحد لا غير، كلمة الله الآب بجسده. لأنه كإنسان مُسح معنا مع أنه هو نفسه يمنح الروح القدس للذين يستحقونه "ولا يعطيه بمقدار" حسب شهادة الإنجيلي المغبوط (يوحنا 3: 34).
    ولكننا لا نقول أن كلمة الله حلت فيه حلولاً فيه حلولها في رجل عادي مولود من العذراء مريم لئلا يعتبر المسيح كأنه إله متوشح إنساناً. لأنه وإن يكن الكلمة أقام في وسطنا فقد قيل أيضاً في المسيح "يحل كمال اللاهوت بالجسد". ولكننا [لا] نفهم أنه صار جسداً على سبيل القول أنه يسكن في القديسين. بل إن ذلك الحلول كان فيه بحسب المساواة. فجعل واحداً بحسب الجسد ولم يتحول إلى جسد وجعل مسكنه فيه على مثال قولنا أن نفس الإنسان اتخذت مسكنها في جسده.
    فالمسيح إذن هو نفسه الابن والرب، وليس كإنسان توصل إلى هذا الاتحاد مع الله كأنه اتحاد في الكرامة أو في السلطة لا غير. لأنه ليس التساوي في الكرامة سبب اتحاد الطبيعتين، فإن هذا يشبه قولنا أن الرسولين بطرس ويوحنا، وهما متساويان في الكرامة إذ أن كلا منهما رسول وتلميذ، وقد صارا واحداً وهما مع ذلك اثنان لا واحد. ولسنا كذلك نفهم أن الاتحاد إنما كان اتحاداً بالاسم فإن هذا لا يكفي للدلالة على الوحدة الطبيعية.
    ولا يعني ذلك الاشتراك النسبي كاتحادنا مع الرب كما قيل "أننا معه روح واحد". فإننا نسقط بذلك معنى الاتحاد فيزول مفهوم الوحدة المطلقة التامة. ولا ندعو كلمة الله الآب إله المسيح أو ربه. ولا نقسم صراحةً المسيح الواحد إلى اثنين الابن والرب فنسقط في التجديف بجعلنا إياه إلها ورباً لذاته. لأن كلمة الله، كما أسلفنا القول، صار مع حفظه خاصته الأقنومية واحداً في الجسد وهو مع ذلك إله الكل وضابط الكل. على أنه ليس عبداً لنفسه ولا هو رب نفسه. فإن تعليماً كهذا يعد حماقة وكفراً. لأنه قال أن الله أبوه مع أنه هو الله بطبيعته وجوهره. ومع ذلك لا نجهل أنه مع بقائه إلهاً صار هو أيضاً إنساناً وخاضعاً لله حسب الشريعة الملائمة للناسوت. ولكن كيف يمكن له أن يصير إلهاً ورباً لنفسه؟ إنه بسبب أنه إنسان، وبسبب مقدار خضوعه، قيل عنه أنه مساوٍ لنا في خضوعه لله فصار هكذا تحت الشريعة في حين أنه، وهو الله، كان واضع الشريعة ومعطيها.
    إننا نبذل عناية فائقة فيما نقوله عن المسيح. "إنني أعبد الواحد الذي اتخذ بسبب الواحد الذي اتخذه. وأعبد المنظور بسبب الواحد غير المنظور". إنه لفظيع أن نقول في هذا الشأن هكذا: "إن من اتخذ ومن أُتخِذ كليهما يدعى الله". لأن مثل هذا القول يقسم المسيح أيضاً إلى اثنين ويجعل كلاً من الإنسان والله منفصلاً بذاته. لأن هذا القول ينكر صراحة الواحدة ويكون الواحد بموجبه غير مسجود له في الآخر ولا الله موجوداً مع الآخر. على أن يسوع يعتبر واحداً الابن الوحيد الذي يجب أن يسجد له ولجسده الإنساني سجوداً واحداً.
    إننا نعترف أنه الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد لله، مع أنه بحسب طبيعته هذه لم يكن عرضة للألم فقد تألم مع ذلك لأجلنا في الجسد على ما جاء في الكتب. ومع استحالة ذلك فقد جعل بجسده المصلوب آلام جسده آلامه خاصة وبنعمة الله ذاق الموت عن الجميع. وقدّم لذلك جسده الخاص. مع أنه كان هو نفسه بطبيعته الحياة والقيامة.
    حتى أنه إذ داس الموت بقوته التي لا ينطق بها صار بجسده الخاص بكر الناهضين من الأموات وباكورة ثمار الراقدين. ومهّد طريقة لطبيعة الإنسان لتدرك عدم الفساد بنعمة الله، كما قلنا الآن. إنه ذاق الموت عن كل إنسان وبعد ثلاثة أيام نهض ثانية وقد سبى الجحيم. وهكذا، قيل أن القيامة من الموت صارت بإنسان، نفهم مع ذلك أن هذا الإنسان كان كلمة الله وبواسطته انحلت قدرة الموت وسيأتي عند كمال الزمان كالابن الوحيد والرب، في مجد أبيه، ليدين العالم بالبر والعدل كما كتب.
    ولا بد من أن نضيف هنا أننا إذ نعلن موت الابن الوحيد، ابن الله، أي يسوع المسيح، بحسب الجسد معترفين بقيامته من الأموات وصعوده إلى السماء نقدم الذبيحة غير الدموية في الكنائس ونمضي في إتمام سر الشرك ونتقدس بتناولنا جسده المقدس ودمه الكريم، جسد المسيح مخلصنا جميعاً ودمه. ولا نتناوله كجسد عادي، لا سمح الله، ولا كجسد إنسان تقدس واتحد مع الكلمة حسب وحدة الكرامة أو حسب السكنى في اللاهوت، بل نتناوله بأنه المعطي الحياة حقاً وجسد الكلمة نفسه. لأنه هو الحياة حسب طبيعته كإله ولما اتحد بجسده جعله مانحاً للحياة كما قال هو نفسه أيضاً: "الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه". فلا يجوز أن نفكر أنه جسد إنسان مثلنا لأنه كيف يمكن أن يكون جسد إنسان مانحاً الحياة بحسب طبيعته الخاصة؟. ولكن إذ قد صار ما هو حقيقة هو نفسه الذي لأجلنا دعي ابن الإنسان. زِد على ذلك أن كل ما ورد في البشائر من أقوال المسيح عن نفسه لا نميزه بافتراض صدوره عن شخصين إذ لا يجوز، وهو نفسه المسيح الواحد، أن يخطر بالبال أنه اثنان. ومع أنه مؤلف من طبيعتين مختلفتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة كما أن كل واحد يعرف أن الإنسان واحد لا اثنان مع أنه مؤلف من نفس وجسد فإنه واحد في كليهما. ولذلك عندما نفكر تفكيراً صحيحاً نحوّل الشخص الإلهي والشخص الإنسان إلى الشخص الواحد بعينه.
    لأنه وهو يتكلم عن نفسه كإله: "من رآني فقد رأى الآب" و"أنا وأبي واحد" نعتبر هنا طبيعته الإلهية التي لا ينطق بها وهو بموجبها واحد مع أبيه إذ الجوهر واحد "صورة ورسم وبهاء مجده". ولكنه مع عدم ازدرائه لناسوته قال لليهود: "إنكم تطلبون قتلي لأني إنسان قلت لكم الحق". ثم نعترف أيضاً، كما نعترف قبلاً، أنه كلمة الله من نسبه وشبهه للآب ومن ظروف ناسوته: لأنه إذا كان من المحتم أن نؤمن أنه، وهو إله بالطبع، صار جسداً أي إنساناً ذا نفس عاقلة فأي داعٍ لأن يخجل البعض بكلامه هذا عن نفسه وهو لائق به كإنسان؟. لأنه إذا وجب أن ننبذ كل ما قيل عنه كإنسان فمن الذي أرغمه أن يصير إنساناً على شبهنا؟. وإذا شاء أن يواضع نفسه بمشيئته لأجلنا فما الذي يحمل أي شخص على رفض هذه الأقوال الملائمة لهذا التنازل؟ ولذلك فكل الأقوال الواردة في البشائر يجب أن تنسب إلى شخص واحد، إلى أقنوم واحد، أقنوم الكلمة المتجسد.
    لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب المقدسة ودعي رسول إيماننا أو رئيس كهنة إيماننا بتقديمه لله الآب[54] اعتراف الإيمان الذي نقدمه له وبواسطته لله الآب ولله الروح القدس. ومع ذلك نقول أنه، بحسب الطبيعة، ابن الله الوحيد ولا ننسب لأي إنسان سواه الكهنوت وكونه الوسيط بين الله والإنسان الذي صالحنا لأجل السلام بتقديمه نفسه رائحة طيب ذكي لله الآب[55]. ولذلك قال هو أيضاً: "إنك لا تريد ذبائح وتقادم. ولكنك أعددتني جسداً. إنك لا تسر بالذبائح والمحرقات لأجل الخطيئة. حينئذ قلت هاأنذا آت، كما كتب عني في الكتاب، لأصنع مشيئتك يا الله". لأنه من أجلنا قدم جسده كرائحة طيب ذلك وليس لأجله هو شخصياً. لأن أي تقدمة أو ذبيحة كان هو في حاجة إليها عن نفسه وهو الله المنزه عن كل خطيئة؟. "لأن الجميع خطئوا وكانوا دون مجد الله". وقد صرنا هكذا معرضين للسقوط وسقطت طبيعة الإنسان في الخطيئة. أما هو فقد تنزه عن ذلك (ولذلك كنا دون مجده). فكيف يمكن أن يخامرنا شك في أن الحمل الحقيقي مات عنا ولأجلنا؟ وإذا قلنا أنه قدم نفسه عن نفسه وعنا نحن فلا ننجو بذلك من الوقوع في التجديف. لأنه لم يرتكب خطيئة على الإطلاق فلأي شيء يحتاج إلى التقدمة وهو بلا خطيئة والذبائح إنما تقدم لأجل الخطايا؟. ولكنه عندما تكلم عن الروح القدس قال: "إنه سيمجدني". فإذا كنا نفكر تفكيراً قويماً لا يمكن أن نقول أن المسيح والابن، وهو واحد، كان في حاجة إلى أن يمجده آخر وأن يتلقى المجد من الروح القدس. لأن الروح القدس ليس أعظم منه أو فوقه ولكنه استخدم الروح القدس ليظهر لاهوته الخاص في أعماله المجيدة ولذلك قيل أنه مُجِّد به. كما لو أن واحداً منا قال وهو يتحدث عن قوته الخاصة أو عن معرفته إن هذه القوة أو هذه المعرفة تمجدني. لأنه وإن كان الروح القدس هو من ذات الجوهر مع ذلك نفكر به أقنومياً أنه الروح وليس الابن ولكنه لا يختلف عنه لأنه دعي روح الحق والمسيح وهو الحق، وقد أرسله كما أرسله الله الآب. وعندما صنع الروح القدس عجائب على أيدي الرسل القديسين بعد صعود يسوع المسيح ربنا إلى السماء مجّده الروح القدس. لأننا نؤمن أن الذي يعمل بواسطة روحه القدوس هو الله بحسب الطبيعة. ولذلك قال: "وسيأخذ مني ويظهر لكم". ولكننا لا نقول هذا كان الروح القدس هو حكيم ومقتدر بواسطة مشاركته لأخر. لأنه كلي الكمال وليس في حاجة إلى شيء. ولذلك فما دام روح قوة الآب وحكمته (أي قوة الابن وحكمته) فهو ولا شك الحكمة والقوة.
    وما دامت العذراء القديسة ولدت بالجسد الله الذي صار واحداً مع الجسد بحسب الطبيعة، لهذا السبب ندعوها والدة الإله ولا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة كانت بداية وجودها من الجسد.
    بل "في البدء كان الكلمة والكلمة كان الله وكان الكلمة عند الله" (يوحنا 1: 1) وهو صانع الدهور، مساوٍ للآب في الأزلية ومبدع الكل. ولكن كما قلنا سابقاً إذ ضم إلى نفسه أقنومياً طبيعة بشرية في بطنها أخضع نفسه لأن يولد كإنسان ليس لأنه في حاجة بحسب طبيعته الخاصة للولادة في وقت، وفي آخر الأزمنة في هذا العالم. ولكن لكي يتمكن من أن يبارك بداية وجودنا حتى أن الذي سلم أجساد كل جنسنا البشري الترابية إلى الموت يخسر اللعنة: "بالأحزان والأوجاع تلدين الأولاد" يظهر حقيقة ما قيل بالنبي "وابتلعهم اقتدار الموت ومسح الله من كل وجه كل دمعة". ولهذا نقول أيضاً أنه وقد دعي حضر وبارك العرس في قانا الجليل مع رسله القديسين بحسب التدبير الإلهي. وقد تعلمنا أن نعتقد بهذه الأشياء من الرسل والإنجيليين القديسين ومن الكتب المقدسة الموحى بها من الله ومن اعتراف الآباء المباركين القويم.
    فيجب على جزيل وقاركم أن توافقوا على هذا كله وتتبعوه دون مواربة وأما ما يجب أن تبسلوه[56] فقد ألحقناه برسالتنا هذه.

    تعليق على مقتطفات من هذه الرسالة:

    هذه الرسالة فيها نضوج أكبر من حيث التعبيرات المستخدمة، ولكنها أيضاً لم ترضي الأنطاكيين بعد ذلك. إذ كما قرأنا الآن لم نجد القديس كيرلس يتحدث عن الطبيعة البشرية في المسيح، بتعليم واضح وصريح ويضع حداً للهرطقات التي ستأتي بعده، واقصد هنا أوطيخا وصحبه.
    وسنبدأ بهذه الجملة " أقنوم الكلمة المتجسد"، إنها تقوِّض كل أركان القول بـ "طبيعة واحدة متجسدة"، وإذا أضفنا إليها التالي: "إذ ضم إلى نفسه أقنومياً طبيعة بشرية في بطنها". نستطيع أن نفهم أكثر أن القديس كيرلس يتحدث عن طبيعتين في المسيح يسوع. فالأقنوم هو الذي تجسد، وكان تجسده هذا بأنه ضمّ إلى نفسه طبيعة بشرية. ولذلك يقول: "ولذلك فكل الأقوال الواردة في البشائر يجب أن تنسب إلى شخص واحد، إلى أقنوم واحد". فهذا هو التعليم القويم الذي قاله القديس كيرلس، ولكنه للأسف لم يركز عليه كثيراً بل تلك الباب مفتوحاً لكي يأتي بعده ويقول أن القديس كيرلس قال: " أما الذين يقولون أنه ... من مادة أو جوهر آخر. أو أن ابن الله كان قابلاً للتغيير والتبدل".
    وإن قارناه مع ما قاله أيضاً لاحقاً: "ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة".
    لا نستطيع أن نفهم من كلامه، إلا أنه يتحدث عن طبيعة واحدة وهي الطبيعة الإلهية. ويزيد هذا الفهم الخاطئ للقديس كيرلس إذا تابعنا معه، إذ يقول: "طبيعتين مختلفتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة". فإذا فهمنا هذه الوحدة، على أنها الطبيعة وليست الأقنوم، فنحن مُجبرين على القول بأنها طبيعة واحدة إلهية. ويزيد عليها: "ومع ذلك نقول أنه، بحسب الطبيعة، ابن الله الوحيد". وبما أنه لم يتابع ويقول، أن: "المسيح ابن الإنسان بحسب الطبيعة"، فنفهم من كلامه، لأننا نريد أن نفهم هذا، أنه يتكلم عن طبيعة إلهية واحدة.
    طبعاً أرثوذكسياً، لا يمكننا أن نفهم هذا، ولا حتى القديس كيرلس نفسه قصد هذا. ولكن الهراطقة قوّله ما لم يقله.
    وعملياً إن كنا جاحدي الإيمان، فإننا نستطيع أن نجد في تعليمه ما يدعم ما نرمي إليه.
    لكن الرب، لم يشأ أن تبقى كلمات القديس كيرلس والمجمع المسكوني الثالث على هذا النحو. بل أراد لها أن تتوضح، حتى لا تبقى حجة لأحد بعد ذلك.
    فأنقذنا الرب من ضلال الهراطقة برسالة المصالحة، مع أنطاكية. ولكن الآن دعونا ننتقل إلى إبسالات القديس كيرلس الكبير ضد نسطوريوس لنرى ما هو محتواها وتعليمها الذي قبله أيضاً المجمع المسكوني الثالث:

    -----------------
    الحواشي
    -----------------
    [49] المرجع السابق، ص 301-306
    [50]
    بعد أن أرسل كيرلس الكبير رسالته الأولى، وردّ عليه نسطوريوس، نراه هنا بدأ يُعلن القديس كيرلس أن نسطوريوس عدواً للإيمان القويم. إلا أننا سنجد لاحقاً لغة خطاب تليق بالقديسين.
    [51]
    هذه الجملة قوية جداً من القديس كيرلس، وهي تعليم حق بحق.
    [52]
    ذات الأمر الذي سنراه لاحقاً، مع أوطيخا وصحبه.
    [53]
    ولذلك تقول الكنيسة الأرثوذكسية، أن تعليم الآباء الجامع أو المعترف به كتعليم كنسي قويم، يوازي بسلطته سلطة الكتاب المقدس. لأن مصدرهما الأول واحد، وهو الروح القدس له المجد.
    [54]
    الكلمة المستخدمة هنا في المرجع هي " وللآب"، ولكن بالمقارنة مع ما سيأتي من الكلام، رأينا أنها "الآب".
    [55]
    نفس الحاشية السابقة.
    [56]
    وهي الإبسالات الإثني عشر للقديس كيرلس الكبير، وسنودرها لاحقاً.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  3. #13
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 5

    إبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس:[57]
    1. الإبسال الأول: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن عمانوئيل هو إله حق، وأن العذراء القديسة هي لذلك والدة الإله لأنها بحسب الجسد، ولدت كلمة الله الذي صار جسداً كما كتب: "والكلمة صار جسداً" (يوحنا1: 41).
    2. الإبسال الثاني: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن كلمة الله الآب متحد أقنومياً بالجسد، وأنه بذلك الجسد خاصته هو نفسه المسيح الواحد الإله والإنسان[58] معاً في الوقت نفسه.
    3. الإبسال الثالث: ليكن مبسلاً كل من يقسم الطبيعتين في المسيح بعد اتحادهما، ويجعل اتحادهما ارتباطاً لا غير من جهة الاستحقاق أو السلطة أو القوة لا اتحاداً طبيعياً؟
    4. الإبسال الرابع: ليكن مبسلاً كل من يفرق بين الشخصين[59] أو الجوهرين في العبارات الواردة في الكتابات الإنجيلية والرسولية أو في أقوال القديسين فيما يختص بالمسيح أو في أقواله هو نفسه فيعزون بعضها إليه كأنه إنسان منفصل عن كلمة الله وينسبون بعضها الآخر إلى كلمة الله الآب باعتبار أنه لا تليق إلا بالله.
    5. الإبسال الخامس: ليكن مبسلاً كل من يتجاسر فيقول أن المسيح هو إنسان متوشح بالله وليس هو الله حقاً حسب كونه الابن الوحيد بالطبيعة. لأن الكلمة صار جسداً واشترك مثلنا باللحم والدم.
    6. الإبسال السادس: ليكن مبسلاً كل من يتجاسر فيقول أن كلمة الله الآب هو إله المسيح أو رب المسيح ويأبى أن يعترف به أنه هو نفسه إله وإنسان معاً حسب ما جاء في الكتاب المقدس: "الكلمة صار جسداً".
    7. الإبسال السابع: ليكن مبسلاً كل من يقول أن يسوع كإنسان إنما يستمد القوة والحركة من كلمة الله وأن مجد الابن الوحيد، وإن نسب إليه، ليس هو من خواصه.
    8. الإبسال الثامن: ليكن مبسلاً من يتجاسر فيقول أن الجسد المتخذ يجب أن يُعبد مع الله الكلمة ويُمجّد معه ويُعتبر وإياه معاً أنه الله ومع ذلك فهما شيئان يختلف أحدهما عن الآخر ولا يقدّم عبادة واحدة وتمجيداً واحداً لعمانوئيل إذ قد كتب "الكلمة صار جسداً".
    9. الإبسال التاسع: ليكن مبسلاً كل من يقول أن الرب الواحد يسوع المسيح قد تمجد بالروح القدس بحيث أنه اتخذ منه قوة لم تكن قوته الخاصة واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها العجائب أمام الناس ولا يعترف أنه بروحه الخاصة اجترح هذه الآيات الإلهية
    10. الإبسال العاشر: ليكن مبسلاً كل من يقول أنه ليس الكلمة الإلهي نفسه الذي تجسد وصار إنساناً على شبهنا بل هو ذلك الإنسان الآخر المولود من امرأة ولكنه يختلف عن باقي الناس وقد صار رئيس كهنتنا العظيم ورسولنا، ولك من يقول بأنه قدم نفسه ضحية عن نفسه أيضاً لا ضحية عنا وحدنا لأنه وهو بدون خطيئة لم يكن بحاجة إلى تقدمة أو ذبيحة.
    11. الإبسال الحادي عشر: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن جسد الرب يعطي الحياة وأنه يخص كلمة الله الآب، بل يدعي أن هذا الجسد هو لشخص آخر متحد معه (أي مع الكلمة) بالكرامة فحسب، وأنه قد اتخذ مسكناً للاهوت ولا يعترف بالأحرى كما نعترف نحن أن الجسد يعطي الحياة لأنه جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل.
    12. الإبسال الثاني عشر: ليكن مبسلاً كل لا يعترف أن كلمة الله تألم بالجسد، وصلب بالجسد، وبالجسد نفسه على هذه الصورة ذاق الموت وصار باكورة الناهضين من الأموات لأنه، وهو إله، هو الحياة وهو المحيي.

    تعليقات على هذه الإبسالات:
    إن الإبسالات، كما رأينا، تصب أيضاً في نفس سياق الرسالتين السابقتين. لكنهم يتميزوا بأقوال أكثر صراحة، وممثلة بـ "الإله والإنسان معاً"، و"هو نفسه إله وإنسان معاً". في هذين الإبسالين (2 و6)، كانت مصطلحاته أقرب إلى خلقيدونية. ولكن مع ذلك فبعض ما قاله يُفهم منه أيضاً، إن أردنا أن نفهم ذلك، أنه ينادي بطبيعة إلهية، كما يُفهم من:
    " عمانوئيل هو إله حق، وأن العذراء القديسة هي لذلك والدة الإله"، "هو الله حقاً حسب كونه الابن الوحيد بالطبيعة".
    ويبقى أخيراً أهم ما ورد في تحديد هذا المجمع، فهو أهم من تعليم القديس كيرلس ذاته، ولنقرأ هذا التحديد، الذي أعلنه القديس كيرلس نفسه:
    "إننا لا نبشر بكائن بشري متأله. بل العكس إننا نعترف أن الله قد تجسد. إن الذي كان بدون أم بحسب الجوهر، وبدون أب بحسب التدبير على الأرض دعا أمته هذه أمّه".
    ونرى هنا التكلم عن الطبيعة الإلهية، ولكن لا يوجد تأكيد على الطبيعة البشرية.
    فلذلك استطاع الهراطقة الاعتماد على حرفية أقوال القديس كيرلس الكبير، لإعطاء صبغة آبائية لهرطقتهم.
    ولكن الشكر للرب أن يوحنا الأنطاكي كان متعصباً لنسطوريوس محباً له. وإليكم هذا المخلص عن مجمع القديس يوحنا الأنطاكي، الذي تأخر عن الحضور للمجمع الأفسسي.
    وقد كان القانون الأول من المجمع الأفسسي ضد يوحنا، وصحبه في المجمع الخاص بالأساقفة الأنطاكيين والموالين –غير المؤيدين- لنسطوريوس"
    القانون 1: بما أن بعض الذين، لأسباب كنسية أو لموانع شخصية، لبثوا في مدنهم أو مقاطعاتهم ولم يحضروا المجمع المقدس، يجب ألا يجهلوا ما قد جرى من أحكام في المجمع، لذلك نُعلن لقداستكم ومحبتكم أن أي متروبوليت، في أي أبرشية انفصل عن المجمع المقدس المسكوني، وانضم إلى مؤتمر العصاة أو عزم على الانضمام إليهم بعد ذلك، وكان من قبل سابقاً أو سيقبل تعاليم كيلستيوس، أو أنه ينوي قبولها لا تبقى له سلطة بعد في أن يقوم بأن عمل ضد أساقفة الأبرشية لن هذا المجمع قد قطعه من كل شركة كنسية وجرّده من كل وظيفة كهنوتية. ويكون هو نفسه، على كل حال، تحت حكم أساقفة الأبرشية ومطارنة الأبرشيات المجاورة المعتصمين بالإيمان الأرثوذكسي ويسقط من درجته الأسقفية... انتهى
    وهذا القانون يخص يوحنا أسقف أنطاكية، وثيودوريتوس أسقف قورش، وهيبا أسقف أوديسا (الرها)، ومجمع العصاة هو المجمع الذي عقده، يوحنا وأساقفته... لنقرأ الملخص:

    -----------------
    الحواشي
    -----------------

    [57]
    المرجع السابق، ص 307-321
    [58]
    نراه يستخدم هنا نفس المصطلح الذي استخدمه سابقاً القديس بطرس الشهيد.
    [59]
    من هنا فهم ساويروس فيما بعد، أن القديس كيرلس يقرّ بوجود أقنومين في المسيح، ولكنهما اندمجا في وحدة لا تنفصم.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  4. #14
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 6

    المجمع الذي عقده يوحنا أسقف أنطاكية:[60]
    إن المجمع الذي يشير إليه القانون الأول باسم "مؤتمر العصاة" هو الذي عقده يوحنا أسقف أنطاكية. وكان سبباً لإبطائه في الحضور إلى المجمع الملتئم في أفسس وعرقلة أعماله. فقد كان صديقاً لنسطوريوس وحاول أكثر من مرة، بدون جدوى، أن يقنعه بقبول الإيمان الأرثوذكسي. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المؤتمر لم يأتِ على ذكر قضية نسطوريوس ومذهبه البتة واكتفى بمهاجمة القديس كيرلس، وممنون أسقف أفسس. أما القديس كيرلس وأصدقاؤه فقد اتهموا الأنطاكيين بمشايعتهم لنسطوريوس. وقد كانوا في الحقيقة مشايعيه بصورة سلبية، بمقاومتهم المدافعين عن الإيمان الأرثوذكس. ولكنهم، كما يشهد بعض المؤرخين، لم يكونوا على وفاق مع نسطوريوس من جهة بدعته وقد قبلوا بكل سرور استعمال العبارة "والدة الإله" دلالة على صدق عقيدتهم ثم وافقوا فيما بعد على إسقاط نسطوريوس من أسقفيته.
    وهذا ما كتبته هيفيله عن الصدام اليوحناوي-الكيرلسي: وصل يوحنا في 26 أو 27 حزيران للمجمع، وكان المجمع قد بدأ في 22 حزيران. وللحال أرسل المجمع وفداً مؤلفاً من عدة أساقفة وإكليريكيين لاستبقال يوحنا وإظهار ما يليق له من الاحترام، ولإبلاغة في الوقت نفسه الحكم بخلع نسطوريوس فلا يتورط في مخالطته. على أن الجنود المحيطين بالأسقف يوحنا منعوا الوفد من محادثته في الشارع. فرافقوه إلى منزله وهناك ارغموا على الانتظار عدة ساعات معرضين لإهانات الجنود. وأخيراً عندما بلّغوا يوحنا رسالتهم أسيئت معاملتهم واشبعوا ضرباً. والذي أمر بهذه المعاملة كان الكونت ايريناوس صديق نسطوريوس. فعاد الوفد وأطلع المجمع على ما حدث، فكان ذاك مدعاة للاستياء من يوحنا. ولبى المجمع اقتراح الأسقف ممنون فأصدر لهذه الأسباب حكم القطع من الشركة على يوحنا. ولكنه لم ينفذ الحكم إلا بعد إجراء ما أهمل ممنون ذكره، وهو استدعاء يوحنا ثلاث مرات للحضور إلى المجمع.
    وكان يوحنا، قبل أن يستريح من السفر عقد في محل إقامته مؤتمراً من مشايعيه تاركاً مندوبي المجمع خارجاً في الانتظار. وفي هذا المجمع شرح الكونت كانديان، كيف أن كيرلس واصدقاؤه منعوه من حضور الجلسات مع أن هناك أمراً إمبراطورياً بحضوره، وأطلع يوحنا على الأمر. وأن كيرلس أخرج الأساقفة الذين أرسلهم نسطوريوس ولم يعر رسائل الآخرين انتباها. ثم استأنف كانديان وأجاب على سؤال طرحه يوحنا، قائلاً أن نسطوريوس حُكم عليه دون أن يسمع المجمع دفاعه. فأعلن يوحنا أنه هو نفسه عرف بالاختبار وضعية المجمع المشار إليه، لأنهم عوض أن يستقبلوه ورفاقه بصورة ودية، هجموا عليهم ثائرين. وأن مجمعه المنعقد الآن سيصدر حكمه في ما يقضي به العدل من جهتهم. وكان عدد أعضاء هذا المؤتمر 43 أسقفاً. في حين عدد الأساقفة المجتمعين في كنيسة افسس كان أكثر من 200.
    وهنا سال يوحنا مؤتمره عم يجب اتخاذه بشأن كيرلس وأتباعه؟ فنهض عدد من الأساقفة لم يكونوا نسطوريين وروا كيف أن كيرلس وممنون شرعا منذ البداءة في إساءة معاملة النسطوريين وعدم السماح لهم بكنيسة حتى أنهم لم يأذنوا لهم أن يقيموا الخدمة في عيد الخمسين. وفضلاً عن ذلك أرسل ممنون إكليرسه إلى مساكن الأساقفة يأمرهم بالتهديد بوجوب حضور مجمعه، وهكذا شوش مع كيرلس كل نظام ليحولا دون فحص البدع التي اتهما بها. فإن رسالة كيرلس الأخيرة إلى نسطوريوس المذيلة بإبسالاته الاثني عشر الكثير من البدع الآيوسية والابولينارية والافنومية ولذلك صار من الواجب على يوحنا أن ينظر في كل هذا ويصدر الحكم بالعقاب الواجب على زعيمي هذه البدع كيرلس وممنون. وأما الأساقفة الذين ضلوا الطريق القويم بسببها فيجب أن يُفرض عليهم ما يستحقونه من العقوبات الكنسية.
    فأجاب يوحنا على هذه التهم الكاذبة والتي لا تستند إلى حقائق بتواضع رأيي [والكلام هنا لـ "هيفيله"]، قائلاً انه لم يكن يريد أن يرى نفسه ملزماً بأن ينبذ من الكنيسة شخصاً نال نعمة الكهنوت المقدس. على أن الواجب، على كل حال، يقضي بقطع الأعضاء الفاسدة لأجل سلامة الجسد كله. ولهذا السبب يستحق كل من كيرلس وممنون أن يخلعا لأنهما سبب الاضطرابات والفوضى وقد خالفا في عملهما أوامر الأمبراطورين عدا وقوعهما في البدع في الإبسالات السابق ذكرها [61]. ويجب أن يقطع من الشركة أيضاً كل من ضل بسببهم إلى أن يعترفوا بخطأهم ويبسلوا أقوال كيرلس ويعتصموا اعتصاماً وثيقاً بالدستور النيقاوي بدون أية إضافة غريبة وينضموا إلى مجمع يوحنا.

    فوافق المؤتمر وأصدر هذا القرار: "إن المجمع المقدس الملتئم في أفسس بنعمة الله وأمر الإمبراطورين الحسني العبادة يعلن: أننا كنا نود في الحقيقة أن نتمكن من عقد المجمع بسلام. ولكن بما أنكم عقدتم مؤتمراً على إنفراد بوقاحة وانفراد وعناد بسبب موقفكم الابتداعي مع وجودنا في الجوار، ولما كنتم قد ملأتم المدينة والمجمع المقدس من تشويشكم لتحولوا دون فحص بدعكم الآريوسية والأبولينارية والأفنومية ولم تنتظروا وصول الأساقفة القديسين من كل المناطق ورفضتم الإصغاء إلى إنذارات كانديديان وتنبيهاته لذلك يجب أن تعلم أنت كيرلس، أسقف الإسكندرية، وأنت يا ممنون، أسقف هذه المدينة، أنكما مخلوعان وممنوعان من القيام بأية خدمة كهنوتية لأنكما قد كنتما سبب هذا التشويش كله. وأما أنتم الآخرون الذين وافقتموهما فتقطعون من الشركة إلى أن تعترفوا بمغلطكم وتصلحوا أمركم وتقبلوا من جديد الإيمان النيقاوي بدون زيادة غريبة وتبسلوا اقتراحات كيرلس الابتداعية وتطيعوا في كل شيء أمر الإمبراطورين الراغبين المحافظة على العقيدة بسلام وبأوفر دقة".
    وأرسل هذا المؤتمر علماً بما جرى إلى جانب واحد إلى الأمبراطور ثيودوسيوس وإلى السيدتين الإمبراطورة وشقيقة الأمبراطور وإلى إكليروس القسطنطينية وشعبه ومجلس الشيوخ. ثم بعد ذلك بقليل طلبوا من أعضاء المجمع الأصيل كتابة ألا يؤجلوا موعد توبتهم وارتدادهم وأن ينفصلوا عن كيرلس وممنون وإلا فإنهم يضطروا بعد قليل إلى الندم وندب غباوتهم وحماقتهم".

    ويوم السبت طلب المؤتمر من الكونت كانديديان أن يبذل جهده في منع كيرلس وممنون وكل من شايعهما المقطوعين من الشركة من إقامة الخدمة الإلهية يوم الأحد. أما كانديديان فطلب أن يمتنع الفريقان عن الخدمة وأن يقوم بها قسوس المدينة دون سواهم. فأعلن ممنون أنه لن يخضع لأمر يوحنا أو مؤتمر وأقام كيرلس من معه الخدمة المقدسة وكل مساعي يوحنا في أن يعين بالقوة أسقفاً آخر لأفسس غير أسقفها ممنون ذهبت أدراج الرياح. فإن سكان المدينة الأرثوذكسيين عارضوا مسعاه بشدة.

    فماذا كانت النتيجة؟[62]

    بيان إمبراطوري:
    وفي أوائل آب أطل على الآباء المجتمعين المختلفين أحد كبار رجال البلاط يوحنا قمص العطايا المقدسة وبيده براءة إمبراطورية. ولدى وصوله أمر الحزبين المتنافرين أن يجتمعا في مكان واحد. ثم قرأ عليهم البراءة وفيها خلع نسطوريوس وكيرلس وممنون ووجوب الاستمساك بنص الدستور النيقاوي والعودة إلى الأوطان.
    ووافق الوفد الأنطاكي على مضمون هذا البيان وأعلن استمساكه بالدستور النيقاوي واعتقاده بصحة الاصطلاح "والدة الإله". ولم يأتِ الوفد على ذكر نسطوريوس. والواقع أنه منذ وصول الوفد إلى أفسس ونقطة الدائرة في البحث هي بنود كيرلس الاثنا عشر. أما الوفد الإسكندري ومن شد أزره فإنهم صعقوا وراحوا يسعون للدفاع عن كرامة كيرلس وممنون. إلا أن الأمبراطور أصغى أخيراً للقديس كيرلس وأمر بالتسوية.
    في خلقيدونية:
    واستقال نسطوريوس من منصبه وآثر العودة إلى الدير في أنطاكية ولم يطلب شيئاً سوى إبطال بنود كيرلس الاثني عشر. ووافق الوالي أنطوخيوس فعاد نسطوريوس إلى دير افبريبيوس. ودعا الأمبراطور ممثلين عن الحزبين المختلفين إلى خلقيدونية. واستمع إلى أقوالهما وأمر بإعادة كيرلس وممنون إلى منصبيهما ونصَّب على كرسي القسطنطينية مكسيميانوس الكاهن الوقور المحترم. ولكن هذا وحده لم يكف لإعادة السلم والوئام إلى الصفوف. فبنود كيرلس الاثنا عشر كانت لا تزال موضع جدل عنيف بين أنطاكية والإسكندرية.
    ورجع الأساقفة إلى أوطانهم وهم على شقاق لا على سلام واتفاق. وبعد رجوعهم عقد الأنطاكيون مجمعين أحدهما في طرسوس والآخر في أنطاكية وأعادوا حرم كيرلس وبنوده.
    مهمة أرسطولاوس:
    فساء هذا كله في نظر الأمبراطور فشاور مكسيميانوس في الأمر فأشار بدعوة كل من كيرلس ويوحنا إلى اجتماع خصوصي يعقد بينهما وحدهما في نيقوميذية. فاستدعى الأمبراطور القائد أرسطولاوس ودفع له بإرادة سنية قضت بقيام كل من كيرلس ويوحنا إلى نيقوميذية لأجل التفاهم وبامتناعهما عن خلع الأساقفة وسيامتهم حتى وصولهما إلى الصلح والاتحاد.
    ولدى وصول أرسطولاوس إلى أنطاكية رأى من المفيد جداً أن يتصل بعميد الأساقفة وشيخهم الوقور أكاكيوس متروبوليت حلب. ففعل وحمل إليه أيضاً جواب أساقفة أنطاكية وكان هؤلاء قد أكّدوا للإمبراطور أرثوذكسيتهم واستمساكهم بدستور نيقية وبنص رسالة أثناسيوس إلى ابيكتيش ولكنهم أعلنوا عدم استعدادهم لنقبل أية إضافة إلى التعاليم الموروثة.
    ورأى أكاكيوس أن يطلع كيرلس على جواب أساقفة أنطاكية فأوصى أرسطولاوس بذلك. فكتب كيرلس إلى أكاكيوس مبيناً شروط التفاهم المنشود. وأهمها الاعتراف بخلع نسطوريوس وتحريم بدعته. وأما سائر الأمور المتعلقة ولا سيما البنود فإن كيرلس لم يقصد بهم سوى نسطوريوس وعقيدته. فلمس الأسقف الشيخ استعداد كيرلس للمصالحة فكتب إلى ثيودريطس قورش والكسندروس منبج يبين شروط كيرلس وينصح بقبولها ويرجو التفضل بالرد. فرفض الكسندروس هذا النصح وأيده في الرفض عدد من زملائه الأساقفة وأجمعوا أن ما يقوله كيرلس شيئاً من الأبولينارية. أما ثيودوريطس قورش واندراوس سميساط فإنهما لمسا تقرباً في رد كيرلس ولكنهما رفضا ذم نسطوريوس والحكم عليه.
    بولس أسقف حمص:
    وكتب يوحنا أسقف أنطاكية كتاباً كريماً إلى زميله الإسكندري جاء فيه أنه لا يطلب إلا السلام وأنه يغتبط لتمسك زميله برسالة أثناسيوس لابيكتيتس لأنه هو أيضاً مستمسك بها.فرأى أكاكيوس أن يوفد صديقه بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية لينقل رسالة يوحنا ويفاوض كيرلس في التفاهم والاتحاد.
    ووصل بولس إلى الإسكندرية فوجد كيرلس مريضاً. ثم لمس شيئاً من الدس يزرعه البلاط الإمبراطوري طمعاً بالمال فطالت إقامة الرسول الأنطاكي. ونثر كيرلس الذهب مرة ثانية فسكتت القسطنطينية. ثم استأنف الفريقان التفاوض فاتفقا على أن يعلن بولس اعترافه بقانونية انتخاب مكسيميانوس وبصحة التعبير "والدة الإله" وأن يخطّئ نسطوريوس في ما ذهب إليه فيدخله عندئذ كيرلس في شركته. واعترف بولس بهذا كله فاشترك في الذبيحة الإلهية في الإسكندرية مرتين متتاليتين في 25 كانون الأول سنة 432 وفي أول كانون الثاني سنة 433.
    اتفاق وسلام:
    وكان أرسطولاوس قد عرّج على أنطاكية حاملاً رسالة يبين فيها كيرلس موقفه النهائي من المسألة وقد أوجب فيها قطع نسطوريوس ونبذ تعاليمه. ولم يُشر إلى بنوده الاثني عشر. فقبل يوحنا وأرسل إلى كيرلس نص اعتراف كان قد حرره ثيوذوريطس في أفسس. فوافق كيرلس وتم التفاهم بين الإسكندرية وأنطاكية. وأهم ما جاء في هذا الاعتراف[63] :"إننا نعترف بأن سيدنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو إله تام وإنسان تام من نفس ناطقة وجسد, مولود من الآب بحسب اللاهوت وهو عينه مولود في الأزمنة الأخيرة لأجلنا من العذراء مريم بحسب الناسوت.... إذ قام فيه اتحاد الطبيعتين.... وأن القديسة مريم بحسب هذا الاتحاد العادم الاختلاط هي والدة الإله, لأن الإله الكلمة تجسد وتأنس منها ومن بدء الحمل أَتْحَدَ ذاته بالهيكل الذي منها....".
    وصدر عن أنطاكية وعن الإسكندرية رسائل سلامية إلى كل من سيكستوس أسقف رومة ومكسيميانوس أسقف القسطنطينية وثيودوسيوس الأمبراطور تنبئ بالحادث السعيد.
    اختلاف الكلمة في أنطاكية:
    واختلف الأساقفة الأنطاكيون في أمر هذا الاعتراف فاعتبره الكسندروس منبج انتصاراً لكيرلس واندحاراً ليوحنا وأتباعه. وقال هذا القول معظم أساقفة قيليقية الأولى والثانية كما يتبين من مقررات مجمع عين زربة في ربيع 433. وتفرقت الطرق بأساقفة وادي الفرات. فبعضهم أيد الكسندروس والبعض الآخر عاد إلى الشركة مع يوحنا رئيس الكنيسة. وبين هؤلاء أندراوس أسقف سميساط ويوحنا أسقف مرعش.
    وتوفي مكسيميانوس أسقف القسطنطينية في ربيع 433 وحلّ محله بروكلوس. وظل الكسندروس منبج وايلاذيوس طرسوس ومكسيميانوس عين زربة وملاتيوس موبسوستي وثيودوريطس قورش مستبدين برأيهم منفردين به. فأطلت السلطات المدنية وأكدت لهم أن الوقت قد حان للتواضع والتعقل. وضغطت بشكل خصوصي على ثيودوريطس أعلم الأساقفة وأبعدهم أثراً فبعثت بسمعان العامودي ويعقوب وغيرهما من مشاهير الرهبان إليه ليتوسلوا إليه بوجوب المحافظة على الاتحاد. وشجعت السلطات وجهاء رعية هذا الأسقف القديس على مطالبته بالأمر نفسه. وتعددت رسائل زملائه الأساقفة للغاية نفسها. فقبل أن ينهض إلى أنطاكية لمقابلة يوحنا أسقفها. ولدى وصوله إليها اشترك بالذبيحة مع يوحنا ووقع الاعتراف وكتب إلى كيرلس بذلك. ولم يُطلب إليه أن يقطع نسطوريوس. وتبع ثيودوريطس في هذا عدد غير قليل من أساقفة القيليقيتين وأسورية. وأصرَّ الكسندروس منبج على غيّه وأمعن في تيهه فنفي إلى مناجم مصر. وهام في أودية الضلال حتى وافته المنية. وعميت وجوه الرشد على خمسة عشر أسقفاً آخرين فخلعوا وأبعدوا. وأشهر هؤلاء ملاتيوس موبسوستي وانستاسيوس تنذوس.
    اختلاف الكلمة في الإسكندرية:
    وحدث أيضاً في الإسكندرية ما حدث في أنطاكية. إذ ظن بعض الأساقفة السكندريون أن كيرلس في مصالحته مع يوحنا الأنطاكي انتصاراً ليوحنا واندحاراً لكيرلس وبتراجعه عن إيمان أفسس[64]. فأرسل رسائل إلى الأساقفة يشرح فيها كيف أن مصالحته مع يوحنا لا تتعارض مع شرحه للإيمان في أفسس[65].

    وقبل أن ننهي هذا الفصل، من بحثنا هذا، وجب أن نضع رسالة المصالحة، لما تحتويه من تعليم أرثوذكسي قويم:

    ----------
    الحواشي
    ----------
    [60] المرجع السابق، ص 334-336
    [61]
    نحن اليوم نقرأ هذه الإبسالات على ضوء مئات السنين من الحوارات الخريستولوجية. ولكن في ذلك الوقت كانت تعابير القديس كيرلس لها معاني مختلفة عند البعض. وكان هذا هو حال التعليم اللاهوتي بشكل عام. لأن المصطلحات متغيرة المعاني بحسب الشخص والمدرسة اللاهوتية التي ينتمي لها.
    [62]
    الدكتور أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى.
    [63]
    سنورده كاملاً بعد هذه الفقرة
    [64]
    سنفرد لها فقرةً توضحها نوعاً ما.
    [65]
    وهذا هو لب موضوع مجمع خلقيدونية..

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  5. #15
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 7

    كيرلس - إلى سيدي الأخ المحبوب والزميل في الخدمة، يوحنا سلام بالرب:[66]
    "لتفرح السموات ولتبتهج الأرض" لأن حائط العداوة المتوسط قد نُزع الألم قد زال. وكل اختلاف في الرأي قد اضمحل.
    إن المسيح مخلصنا إذ قد منح السلام لكنائسه بواسطة دعوتنا إلى ذلك من قبل ملوكنا الحسني العبادة المحبوبين من الله وهم أفضل من حذوا حذو أسلافهم من المحافظة على الإيمان القويم في نفوسهم ثابتاً غير متزعزع يصرفون عنايتهم بنوع خاص في سبيل مصالح الكنائس المقدسة وهكذا يستحقون دائماً المجد الاثيل ويسيرون إلى أمام بمملكتهم الفائقة الشهرة. فإن المسيح نفسه رب القوات يوزع عليها العطايا الصالحة بسخاء ويمهد لهم في سبيل الغلبة على الأعداء ويمنحهم الصبر والظفر. لأنه لا يخلف في وعده "ما دمت حياً يقول الرب سأكرم الذين يكرمونني". لأنه عندما وصل سيدي وأخي وزميلي في الخدمة بولس المحبوب من الله جداً إلى الإسكندرية امتلأنا سروراً وبالطبع إن توسط شخص في مقامه واستعداده للعمل بما هو فوق الطاقة كان عوناً لنا في التغلب على مكايد إبليس مسبب انقساماتنا وبإزالته أسباب كل ما حدث بيننا من خصومات سيتوج كنيستنا وكنيستكم بالوئام والسلام.
    ليس الحديث عن سبب الاختلاف جوهرياً. وأحسب أنه أجدى لنا عائدة أن نفكر وأن نتحدث بما يلائم عهد السلام. ولذلك سررنا لاجتماعنا بذلك الرجل الممتاز الجزيل التقوى الذي ربما كان يتوقع أن يلاقي عناء غير قليل لإقناعنا بضرورة عقد محالفة من أجل السلام في الكنيسة نحول بها دون هزء غير الأرثوذكسيين ونثلم مناخس عناد إبليس. وقد وجدنا مستعدين بحيث أنه لم يحتج على الإطلاق إلى أقل عناء لإقناعنا. لأننا تذكرنا قول المخلص "سلامي أعطيكم سلامي أترك لكم". وقد تعلمنا أيضاً أن نقول في الصلاة "أيها الرب إلهنا امنحنا سلاماً لأنك أعطيتنا كل شيء". لأن كل من اشترك في السلام الذي أعده الله لا ينقصه شيء من الصلاح. وحقيقة الأمر أن الخلاف بين الكنائس لم يكن له داعٍ على الإطلاق. والآن قد رضينا كل الرضى بالصك الذي أحضره سيدي الأسقف بولس الجزيل التقوى المتضمن اعترافاً بالإيمان لا خلل فيه وقد أكّد لنا أنه من وضع قداستكم وأساقفتكم المحبوبين من الله. وهذا هو نص الصك نورده بالحرف في رسالتنا هذه[67]:
    "فيما يختص بالعذراء نعتقد ونقول أنها والدة الإله. ومن جهة تجسد ابن الله الوحيد نقول بإيجاز لا من قُبيل الزيادة بل لتثبيت ما تسلمناه من البدء في الكتب الإلهية وتقليد الآباء غير مضيفين شيئاً إلى الإيمان الذي وضعه الآباء القديسون في نيقية. لأنه كما قلنا سابقاً كافٍ لمعرفة كل ما يتعلق بالإيمان ولدحض كل اعتقادات المبتدعين الكاذبة. ولكننا نقول غير مدعين المستحيل بل نعترف بضعفنا ونتجنب كل من يريد منا أن نتمسك بما يتخطى الاعتبار البشري.
    "فنحن لذلك نعترف بربنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد أنه إله تام وإنسان تام مؤلف من نفس عاقلة وجسد، مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وفي الأيام الأخيرة ولد لأجلنا ولأجل خلاصنا من مريم العذراء بحسب ناسوته[68]. إنه مساوٍ لأبيه في الجوهر وهو من طبيعتنا نحن ذاتها في الناسوت. وقد حدث اتحاد بين الطبيعتين ولذلك نعترف بمسيح واحد – ابن واحد – ربّ واحد".[69]
    "وبهذا الإدراك للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي والدة الإله. لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس وبهذا المعنى وحَّد بين نفسه والهيكل الذي اتخذه منها.
    "لأننا نعلم أن اللاهوتيين يجعلون بعض الأشياء من التعليم الإنجيلي الرسولي عن الرب عاماً من جهة اختصاصه بالشخص الواحد ويوزعون البعض الآخر مخصصين قسماً لكل من الطبيعتين. فينسبون ما هو جدير بالعزة الإلهية إلى الله من جهة لاهوت المسيح وما هو دون مقامها إلى طبيعته البشرية من جهة ناسوته".
    هذه[70] هي آراؤكم المقدسة وإذ نرانا نعتقد الشيء نفسه[71]
    ، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، نمجد الله مخلص الكل مهنئين أحدنا الآخر أن كنائسنا وكنائسكم تؤمن إيماناً واحداً كما جاء في الكتب التي أوحى بها لله وفي تقاليد آبائنا القديسين.
    وإذا علمت بأن البعض الذين اعتادوا أن يفتشوا عن العيوب كانوا يطنون كالزنابير اللاسعة ويتقيأون أقولاً باطلة ضدي كزعمهم أن قلت أن جسد المسيح المقدس أتى من السماء وليس من العذراء القديسة رأيت من الضرورة أن أقول ما يأتي بهذا الشأن. أيها الحمقى الذين لا تعرفون إلا أن تشوهوا الحقائق من أين أتيتم بهذا الحكم؟ وكيف سقطتم في مثل هذه الحماقة؟ لأنه ليس من شك في أن المنصف يدرك أن كل اعتراض علينا في ما يختص بالإيمان كانت أسبابه تأييدنا للقول بأن العذراء القديسة هي والدة الإله؟ فلو أن جسد المخلص المقدس لم يولد منها بل هبط من السماء فكيف يمكن أن نقول أنها والدة الإله؟. وماذا ولدت إلا إذا كانت قد ولدت حقاً عمانوئيل بالجسد؟ إن الذين يتمتمون بهذه الأقوال يجب حقاً أن يكونوا أضحوكة وهزأة.
    إن النبي أشعياء لا يكذب في قوله: "ها أن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (انظر اش7: 14، مت1: 23، 24) وحقاً قال جبرائيل القديس للعذراء المباركة: "لا تخافي يا مريم فإنك قد نلتِ نعمةً عند الله. وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع" (لو1: 31) "لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21).
    لأننا عندما نقول أن ربنا يسوع المسيح نزل من السماء من العلى لا نقول هذا بمعنى أن جسده المقدس أخذ من السماء فوق بل بالأحرى نتبع ما أعلنه بولس الإلهي: "الرجل الأول كان من الأرض ترابي، والرجل الثاني هو الرب من السماء".
    وإننا نذكر ما قاله المخلص نفسه: "لم يصعد أحد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء أي ابن الإنسان". فإنه وإن يكن قد ولد بحسب الجسد، كما قيل حقاً، من العذراء القديسة فالله الكلمة قد نزل من فوق من السماء. وجعل نفسه بلا شرف واتخذ صورة عبد ودعي ابن الإنسان ولكنه وقد اعتبر واحداً مع جسده قيل عنه أن نزل من السماء.
    وقد دعي أيضاً الإنسان من السماء لأنه تام في لاهوته وتام في ناسوته ويعتبر شخصاً واحداً. لأنه واحد هو الرب يسوع المسيح على الرغم من عدم اختفاء الاختلاف بين طبيعتيه اللتين منهما كان ذلك الاتحاد الذي لا يمكن الإعراب عنه
    [72].
    فهل تأمرون قداستكم بإسكات أولئك الذين يقولون اختلاطاً أو تداخلاً أو مزجاً قد حدث بين الله الكلمة والجسد إذ قد يغتابني البعض زاعمين أن هكذا ارتأيت وهكذا قلت[73].
    مع أني أعتبر كل من يقول أو يظن بحدوث أقل تغيير في طبيعة الله الكلمة إنه يعرّف بما لا يعرف[74]. فإن الكلمة ما زال كما كان لم يطرأ ولن يطرأ عليه تغيير. وكلنا نعرف أيضاً أن كلمة الله غير قابل أن يتألم حتى عند إتمامه بملء حكمته هذا السر العظيم فيظهر كأنه ينسب لنفسه الآلام التي احتملها في جسده. ولهذا السبب عينه قال بطرس الكلي الحكمة عندما كتب عن المسيح "أنه تألم بحسب الجسد". وليس بحسب طبيعة لاهوته التي يتعذر وصفها. ولكن يمكن أن نؤمن به أنه مخلص الكل احتمل آلام جسده بحسب تدبيره الخاص.
    قال النبي كأنه يتكلم بفمه: "بذلت ظهري للضاربين وخديَّ للناتفين الشهر. ولم أستر وجهي عن العييرات والبصق" (أشعيا 5: 6). فأريد من قداستكم أن تقتنعوا أو لا تدعوا مجالاً لأحد أن يشك في أننا كلنا نتبع تعاليم الآباء القديسين ولا سيما أبينا المشهور المغبوط أثناسيوس دون أن نحيد قيد شعرة عنها.
    وكان في إمكاني أن أضيف مقتبسات أخرى من أقوال الآباء لإثبات أقولي لولا خشيتي أن تطول رسالتي وتصير مملة. ولسنا نسمح لأحد أن يتعرض لدستور الإيمان الذي وضعه آباؤنا القديسون في نيقية أو يحاول زعزعته. ولا نجيز لأنفسنا ولا للغير بأن نغير كلمة واحدة من نصه أو نضيف هجاء واحداً أو حرفاً واحداً متذكرين القول: "لا تنزع المعلم القديم الذي وضعه آباؤك" (أم22 : 28). فليس هم الذين نطقوا بل روح الله الآب نفسه الذي ينبثق منه أيضاً وليس هو غريباً عن الابن بحسب الجوهر.. وهذا ما تثبته لنا أيضاً كلمات القديسين الذين منحونا الأسرار. فقد كتب في أعمال الرسل: "وبعد أن أتيا من ميسية حاولا أن يسيرا إلى بيثينية فلم يأذن لهما روح يسوع" (أع 16: 7). وبولس الإلهي كتب: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. أما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله حالاً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس فيه روح المسيح فهو ليس منه" (رومة 8: 8،9).
    فأرجوا من قداستكم ألا تعجبوا إذا صوّر كلامي بعض الذين اعتادوا تزوير الحقائق حسب أرائهم. ولكن كونوا على ثقة أن أتباع كل بدعة يتخذون الحجج لضلالهم من الكتب التي أوحى بها الله مشوهين بأفكارهم الخبيثة الأقوال التي نطق بها الروح القدس وصابين على رؤوسهم ناراً لا يطفأ لهيبها.

    وإذ قد علمنا أن البعض شوّهوا الرسالة الأرثوذكسية التي أرسلها أبونا أثناسيوس الجزيل الشهرة إلى الطوباوي ابتكتيتوس لتضليل كثيرين لاح لنا أنه من الضروري المفيد أن نبعث إلى قداستكم بنسخة منها منقولة عن مخطوط قديم صحيح موجود لدينا – الوداع.


    كان من المفترض أن ينتهي هذا الفصل من البحث، ولكن الأفضل أن نضع مقتطفات من هذه الرسالة التي تحدث عنها القديس كيرلس:


    رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس:[75]

    أي عالم سفلي تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟... أو من سمع في الكنيسة أو بين المسيحيين على العموم، بأن الرب لبس جسداً خيالياً وليس طبيعياً؟... بالعكس فإن الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته... لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها، جسد الكلمة، البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة
    [76]... ومن الغريب، أن الكلمة نفسه كان متألماً وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة، إذ هو إله بالطبيعة. فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجوداً في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي، بعد أن يأخذ ما لنا (أي الجسد) ويقدمه كذبيحة، يقضى على (العلل والضعفات) كلها. وهكذا يلبسنا ما له[77]... وهكذا فإن المولود من مريم هو بشرى بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية... لأنه لم يقل كما تشاهدونني وأنا لحم وعظام، بل قال "كما ترون إنه لي" لكي لا يعتقد أحد بأن الكلمة نفسه قد تحول إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة... لأن الثالوث الحق، والكامل بالحقيقة، وغير المنفصل لا يقبل إضافة، بل إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص... وكيف يمكن أن يظلوا مسيحيين أولئك الذين يخترعون إلهاً آخر مختلفاً عن الإله الكائن... لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلص هو من مريم وأنه بشري، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعاً بدلاً من ثالوث، كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد، وهكذا فإن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثير، إذ أنهم يتوهمون بأنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركوا، أن الكلمة صار جسد، ليس لأجل إضافة (شيء ما) إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد قيامة... كيف إذن يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيء ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه ؟ بل بالعكس فإن الجسد البشرى ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به،.. ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءاً من اللاهوت... لكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (إضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي هو فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل)... أما الكلمة نفسه الذي وًلد من مريم فقد اتخذ منها جسداً وصار إنسان، إذ هو بطبعه وجوهره كلمة الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم...

    يتبع>> مابين المجامع الثلاثة ومجمع خلقيدونية>>
    ---------------
    الحواشي
    ---------------

    [66] الأب حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 380-383.

    [67] ينقل كيرلس الكبير الآن نصاً من رسالة يوحنا أنطاكية ومجمعه.
    [68] لأول مرة نجد اعتراف صريح بالطبيعة البشرية في السيد المسيح
    [69] هذا النص من الرسالة، بالإضافة للذي بعده، كان له أشد وقع على الهراطقة. مما اضطر بعضهم أن يرمي القديس كيرلس بالهرطقة، كما سيأتي.
    [70] عاد الكلام للقديس كيرلس.
    [71] يؤكد القديس كيرلس أن هذا هو أيضاً إيمانه، وسيوضح لاحقاً بأنه لم يؤمن إلا هكذا دائماً.
    [72] اعتراف صريح، وقوي يقول فيه القديس كيرلس إيمانه فيه.
    [73] ينفي القديس كيرلس هنا أي تعليم له بأن للمسيح طبيعة واحدة. وبهذا قوّض كل ادعاء باطل سيأتي بعد ذلك بأنه علم بطبيعة واحدة.
    [74] تصريح آخر من القديس كيرلس، يقول فيه أن طبيعة الكلمة لم تتغير. أي لا يجوز أن نقول أن طبيعته ليست إلهية وليست بشرية، بل هي طبيعة من طبيعتين. لأنه يرفض تغيير طبيعة الكلمة. والتجسد هو أن المسيح له المجد ضم إلى ذاته طبيعة بشرية فلم تتغير طبيعته الخاصة اللاهوتية، بل أضاف لأقنومه طبيعة بشرية كان هو نفسه أقنومها.
    [75] تُرجمت هذه الرسالة عن اليونانية ضمن الجزء الثالث لرسائل القديس كيرلس (ترجمة الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد)، ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1995م
    [76] تعليم واضح عن التأله.. فإن لم يكن هذا تعليم عن التأله، فماذا يكون؟

    [77] نفس التعليق السابق.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  6. #16
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج1

    تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟

    بما أننا الآن سندخل في نقطة التماس بين أفسس وخلقيدونية، فكان الأفضل أن نلجأ إلى كتب أصحاب الرأي الآخر، لنرى ما فيها من معلومات حول هذه الفترة الزمنية. مع أننا، بكل أسف كما وجدنا في موضوع الذهبي الفم في كتاب "تاريخ الكنيسة القبطية" للشماس منسى القمص، لا يمكننا الوثوق بتاريخهم، فهم يجمّلونه، وأعتذر عن قولي هذا. وللتذكير نعيد ما اقتبسناه من ذلك الكتاب سابقاً: "يقول الشماس منسى القمص، تاريخ الكنيسة القبطية، ص 194: "لا ريب أن تاريخ البابا ثيوفيلوس قد تشوه بمقاومته لفم الذهب الرجل الذي أجمعت كل الكنائس على محبته".. ويتابع في نفس الفقرة: "ولكن التاريخ نفسه يخبرنا أنه فيما بعد تجلى له سوء صنيعته وشدة تطرفه ضد أخيه فم الذهب، فندم على ما بدا منه ضده ثم قضى بقية حياته في الأعمال النافعة". رأينا هنا أنه بعد أن يقول بأن هذا العمل شوه سيرة البابا ثيوفيلوس، لكنه يعود ويقول أنه ندم على ما صنع ضد أخيه! ولكن من ثم في صفحة 280 يقول عن القديس كيرلس: "كان هذا البابا على رأي خاله ثيوفيلوس من جهة فم الذهب، ولذلك لم يذكر اسمه في صلوات القداس". فالتناقض واضح هنا جداً. فقبل قليل وجدنا يقول أن البابا ثيوفيلوس قد ندم وتاب على ما صنعه بأخيه الذهبي الفم، ثم يقول أن البابا كيرلس كان من رأي خاله! مما يعني أن خاله، البابا ثيوفيلوس، لم يندم على ما صنع بأخيه".

    وسنرى ذلك لاحقاً مع كتاب آخر، كيف تتم قراءة التاريخ، بحسب معطيات يفترضونها سابقاً. وليس التاريخ فقط، لأنها كانت مشكلة بسيطة أن نختلف في قراءة التاريخ، ولكن الإيمان والعقائد كذلك الأمر.

    على كل حال دعونا نبدأ بمطالعة بعض ما كتب، وتيسر لنا مما كتب عن حقبة ما بعد الصلح الأنطاكي-الإسكندري

    أولاً: الأنبا ديسقوورس، أسقف المنوفية، يتكلم عن المصالحة، فيقول أن هناك من عاب القديس كيرلس على موافقته على نص رسالة المصالحة، وننقل منه قوله التالي[79]: قد ورد في رسالة المصالحة التي وقّع عليها القديس كيرلس، كما قرأنا سابقاً، عبارات عاب البعض على البابا كيرلس قبولها. وهي: "لأنه صار اتحاد الطبيعتين فلذلك نعترف بمسيح واحد. وبحسب معنى هذا الاتحاد الخالي من الاختلاط،[80] نعترف بأن القديسة مريم هي والدة الإله". وأيضاً: "أما الأقوال الإنجيلية والرسولية المقولة في الرب، فنعلم أن علماء اللاهوت يجعلون بعضها عامة تنبغي لأقنوم واحد. ويفصلون بعضها لاختلاف الطبيعتين، وينسبون تلك الواجبة لله للاهوت المسيح وينسبون الوضيعة لناسوته".

    ثانياً: الشماس منسى القمص[81]، فيبدو أنه صاحب الكلام الذي اقتبسه سابقاً الأنبا ديسقوروس. ولا يوجد بها ما يُفيد موضوعنا.

    ثالثاً: الأنبا بيشوي أسقف دمياط وكفر الشيخ، وسكرتير المجمع المقدس. يتوسع قليلاً ويحاول سحب البساط إلى جانبه، بكلمات طنانة، لا طائل منها. ودعونا نقرأ ماذا يقول[82]:
    " 1- إعادة الوحدة عام 433
    لم ينهِ رحيل نسطور الخلاف، فقد تحطمت أواصر الشركة بين روما والإسكندرية من جانب وأنطاكيا من الجانب الآخر، فسعى الإمبراطور نفسه مستخدماً سلطانه ونفوذه ليعيد السلام، وبالفعل حققت مساعيه النتائج المرجوة، وفى عام 433م أرسل يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه اعتراف بالإيمان (أي وثيقة تعلن إيمان يوحنا) وقبله كيرلس، وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة التي أعادت الوحدة، والتي تضمنت جزءً من اعتراف يوحنا يؤكد وحدة شخص السيد المسيح والاستمرارية غير المختلطة وغير الممتزجة للاهوت والناسوت فيه.[83]
    وورد في هذا النص ما يلي: "نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه فى الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه، له الجوهر نفسه مع الآب، بحسب لاهوته، وله نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي "والدة الإله"، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ الحمل به اتحد الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته."[84]
    2- تأزُّم الموقف[85]
    لم تنجح إعادة الوحدة عام 433م في تحقيق الاستقرار والوحدة الكاملة بين الجانبين. فالسكندريون (أي الجماعة المؤيّدة للقديس كيرلس) شعروا بأن كيرلس قدم تنازلات كثيرة للأنطاكيين، أما الأنطاكيون فشعر بعضهم بالاستياء وعدم الرضى في شأن استبعاد نسطور وإدانته.
    غير أن كيرلس كان قوياً ونافذ القول بقدر كاف لاحتواء أتباعه؛ وأرسل كثير من الرسائل إلى أصدقائه مثل أكاكيوس أسقف ميليتين وفاليريان أسقف إيقونية شارحاً كيف أن المصالحة مع يوحنا الأنطاكي لا تتعارض مع شرحه السابق للعقيدة في رسائله إلى نسطور، ولا مع عقيدة مجمع أفسس.[86]
    أما بالنسبة للأنطاكيين، فلم يكونوا كلهم موافقين على إعادة العلاقات أو على الوحدة. وبالرغم من وجود رجال مثل يوحنا الأنطاكي وأكاكيوس أسقف حلب الذين قبلوا إعادة الوحدة وظلّوا مخلصين لمصطلحات الاتفاق الذي تم التوصل إليه سنة 433م، إلا أنه كان هناك آخرون في الجانب الأنطاكي غير راغبين في الإذعان والخضوع للبطريرك الأنطاكي. وهؤلاء كانوا يمثلون اتجاهين:
    من ناحية: كان هناك الكيليكيون المعارضين لكيرلس ولإعادة الوحدة.
    ومن الناحية الأخرى: كان هناك رجال مثل ثيئودوريت أسقف قورش الذي لم يقبل إدانة نسطور.
    وتدخّل الإمبراطور وخضع الكثير من هؤلاء الأساقفة، إلا أن خمس عشر منهم عاندوا فكان مصيرهم الخلع، وفى عام 435م قبِل ثيئودوريت إعادة الوحدة ولكن بدون إدانة نسطور،[87] وهكذا لعب ثيئودوريت أسقف قورش المجادل المقتدر دوراً فعالاً في الجدال الذي تلا إعادة الوحدة[88].
    3- إعادة الوحدة تُفسَّر بطرق مختلفة[89]
    تفاقم التوتر بين الجانبين لأن إعادة الوحدة لم تُفهم بمعنى واحد عند كلا الطرفين، فالسكندريون من جهتهم، نظروا إليها كأمر جعل الأنطاكيين يقبلون مجمع سنة 431م بدون أي شروط أو تحفظات، وكيرلس نفسه فهم الأمر بهذا المعنى وأوضح لمؤيديه عندما سألوه.[90] وهذه النظرة الكيرلسية –كما سنرى فيما بعد- أكد عليها ساويروس الأنطاكي باقتدار في القرن السادس،[91] وكان للسكندريين تبريرهم الكافي لهذا الموقف. ألم يوافق الأنطاكيون، على سبيل المثال، على أن يسحبوا اعتراضاتهم الثلاثة على مجمع أفسس؟ ألم يعيدوا العلاقات مع كيرلس السكندري بدون أن يجعلوه يتراجع عن حروماته (الاثني عشر) أولاً؟
    وبالرغم من أن شرعية هذا الدفاع السكندري لا يمكن أن تُدحض[92]، إلا أن ثيئودوريت أسقف قورش ومؤيديه كانوا غير راغبين في التسليم والإقرار به، ومضى ثيئودوريت، من جهته، قدماً في الاعتقاد بأن إعادة الوحدة سنة 433م ألغت كل قرارات المجمع سنة 431م التي لم يقروها إقراراً تاماً (إيجابياً)، وبالتالي بذلوا قصارى جهدهم ليؤسسوا ويقيموا لاهوتاً أنطاكياً قوياً (أي متطرفاً) على أساس صيغة إعادة الوحدة (بحسب مفهومهم الخاص)، وسعوا كذلك لوضع رجالهم المؤيدين لهم في الأماكن والمناصب الرئيسية والأساسية لينشروا هذا اللاهوت، وظنوا أنهم يستطيعون تحقيق ذلك عن طريق الاعتراف برسالة كيرلس الثانية إلى نسطور، كوثيقة إيمان بالإضافة إلى صيغة إعادة الوحدة نفسها[93]. ولعل الأنطاكيين في اعترافهم بالرسالة الثانية قد فسّروا عبارة "اتحاد أقنومي" hypostatic union)) الموجودة فى الرسالة كمرادف لعبارة "اتحاد بروسوبوني" أي "اتحاد أشخاص" (prosopic union)[94]، بالرغم من أن كيرلس رفض هذه العبارة في رسالته. وفى سعيهم لتطوير لاهوتهم كان من المستشعر أنهم لابد وأن يعترفوا ويعلنوا أن ديودور أسقف طرسوس Tarsus، وثيئودور أسقف موبسويستيا Mopsuestia هم أساتذتهم اللاهوتيين. ونُشرت أعمالهما. بل وكتَبَ ثيئودوريت نفسه دفاعاً عنهما، وما أن تم هذا حتى فنّده البابا كيرلس ودحضه. وجلّس الأنطاكيون (المتطرفون) أيضاً رجالاً من مؤيديهم في كراسي أسقفيات هامة، وكان هيباس واحد من هؤلاء وقد جُلّس على كرسي الرها في سنة 435م. وقدم الجانب الأنطاكي أيضاً تبريرات لأعماله هذه، فقد قالوا على سبيل المثال، إنهم لم يستطيعوا فهم العبارات السكندرية التالية: إتحاد أقنومي، أقنوم واحد، طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة. بل رأوا فيها معنى أبولينارياً، وقالوا إنهم لم يقبلوا حرومات كيرلس.[95]"... انتهى الاقتباس من سيادة الأنبا بيشوي.

    رابعاً: والآن ننتقل إلى مصدر ثالث، تتطرق إلى تبعات المصالحة. وهو الأنبا غريغوريوس، الذي كان أكثر صراحة من غيره. ونطق الكلمات الصحيحة التي يرتكز عليها فهم الطبيعة الواحدة فيما بعد. إذ يقول[96]:
    "[بعد ذكره النص الأنطاكي في رسالة المصالحة، يقول]: الملاحظ في هذه الصيغة الجديدة أنها توافق الأنطاكيين أكثر مما توافق رأي الإسكندرية، ولكنها اعترفت صراحة بتلقيب العذراء بوالدة الإله، كما استخدمت لفظة الاتحاد بدلاً من اتصال أو اقتران أو مصاحبة وما إليها من تعبيرات.
    عدم رضى الفريقين بهذه التحديدات: على أن ذلك الاتحاد لم يكن مرضياً لكل من الفريقين، وذهب بعض أتباع البابا كيرلس إلى أنه قد أقر الأخطاء النسطورية، وآخرون أساءوا فهم المصطلحات والتعبيرات التي عبّر بها كيرلس، ولكن آخرين ذهبوا أبعد من هذا، فأنكروا صراحة التعليم الذي علّم به كيرلس. أما البابا كيرلس فقد كتب عدة رسائل يشرح فيها معنى الإتحاد الذي يقول به بين اللاهوت والناسوت[97]، وقال إن الإتحاد بين اللاهوت والناسوت اتحاد كامل من غير اختلاط بينهما. والخطأ الذي وقع فيه النساطرة هو أنهم لم يعترفوا باتحاد حقيقي بين اللاهوت والناسوت. ويقول كيرلس أننا لا نجيز الفصل بين الطبيعتين، ونعلم فقط بالتمييز بينهما تمييزاً ذهنياً. وفيما يتصل فالأفعال المنسوبة إلى السيد المسيح في الكتب المقدسة، لا نقول أن بعضها يختص فقط بكلمة الله وبعضها الآخر يختص فقط بابن الإنسان، وإنما نقول أن بعضها يختص فقط باللاهوت والبعض الآخر فقط بالناسوت، وهذه وتلك على السواء تنسب إلى الابن الواحد بعينه".
    وإني أرى أن كلامه في غاية الرزانة، ولكن للأسف ليس الوضع هكذا في كل المواضع لا من هذه الموسوعة ولا في أي كتاب مستقل. وقبل الانتهاء، من هذه الفقرة، وهي الصلح من وجهة الرأي الأُخرى، نود أن ننقل هذا الاتهام الصريح، للأسقف غريغوريوس يتهم فيها ساويروس الأنطاكي، ومن جرى مجراه بالنسطورية، إذ يقول في الصفحة 195: إن النساطرة يقولون بالجمع بين اللوغوس وإنسان في ثنائية صريحة، وهم على قول الباب كيرليس يقولون بأقنومين وبابنين في مركب هو أقرب إلى مزيج أي خليط منه إلى اتحاد بالمعنى الدقيق. بينما ينكر الأرثوذكسيون [ويقصد فيها أصحاب الطبيعة الواحدة، لأنهم يسمون نفسهم أرثوذكسيين] هذه الثنائية وينادون بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت في أقنوم واحد وطبيعة واحدة جمعت بين صفات وخصائص اللاهوت والناسوت معاً على أن مركز الشخصية أو الأقنومية في الكلمة الذي كان هو الله وصار إنساناً هو في اللاهوت، لأن الناسوت غير مشخص، وعلى ذلك فالأقنوم الذي اتخذ أحوال الحياة الإنسانية وقبل الحد من حياته الإلهية لسبب تلك الأحوال الإنسانية، هو أقنوم اللاهوت الذي اتخذ الأحوال والخبرات والصفات الإنسانية فصارت أيضاً أحواله وخبراته وصفاته.
    كما رأينا تعليم الأنبا غريغوريوس يرفض وجود أقنوم بشري اندمج مع أقنوم إلهي فكان أقنوم الكلمة. لكنه يقول في موضع آخر أن المسيح له جوهر واحد[98]. لقد تجاوز الطبيعة الواحدة إلى الجوهر، وهو ليس وحيداً في هذا المضمار.

    نكتفي بهذا القدر من المراجع، والآن نجد أنفسنا مُضطرين لوضع الرسائل التي ذُكرت، لنرى إن كان ما ادعته المرجع أعلاه، صحيح أم هو نصف الحقيقة فقط؟ وبعد أن ننتهي من رسائل القديس كيرلس[99]، سنعرض دراسةً في الألفاظ اللاهوتية، وخاصة للقديس كيرلس الكبير.

    يتبع>> ج2>>

    -------------
    الحواشي
    -------------
    [79] الأنبا ديسقوروس، أستاذ التاريخ بالإكليرية وأسقف المنوفية (الجزءان في مجلد واحد)، ص 248-249
    [80] هذا النص الذي يذكره سيادة الأسقف ديسقوورس، لا نجد فيه ما يخالف أسلوب القديس كيرلس السابق في شرحه للتعليم، إلا هذه الجملة بأن الاتحاد لم يعني الاختلاط والامتزاج. فهذا يعني أن هؤلاء الذين كانوا يوالون القديس كيرلس ومن ثم انقلب البعض عليه، كما سيمر علينا، كانوا يؤمنون بطبيعة إليهة واحدة متجسدة بما يشبه تعليم أبوليناريوس الهرطوقي ويقولون بالاختلاط.
    [81] راجع كتابه المذكور آنفاً، ص 294.
    [82] الأنبا بيشوي، أسقف دمياط، وسكرتير المجمع المقدس: اللقاء الثالث للجنة المشتركة للعلاقات بين الكنيسة الروسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، 12- 16 ديسمبر 2005، كاثوليكوسية بيت كيليكيا العظيم - أنتلياس -لبنان، ملف بعنوان "مجمع خلقيدونية 451م" تحم تحميله من موقعه الشخصي.
    [83] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Samuel, V.C., The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, p. 8.
    [84] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: St. Cyril of Alex, Letter to John of Antioch, The Fathers of The Church, C.U.A. Press, Washington D.C., Vol. 76, 1978, par. 3, p. 148-149.
    [85] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Samuel, V. C., The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, p. 11.
    [86] نفهم من هذا القول أن هذه المصالحة، كانت ثورة لاهوتية على المصطلحات المستخدمة. لأن إيمان القديس كيرلس هو هو نفسه لم يتغير. ولننتظر لما سيأتي بعد ذلك.
    [87] ولكنه أدانه في نهاية المطاف كما سيمر معنا في خلقيدونية.
    [88] بل وقبل الوحدة، لأن النص الذي وقعه القديس كيرلس، هو بالأساس من وضع ثيودوريتوس، وسنرى القديس كيرلس لاحقاً يستخدم تعليم ثيودوريتوس.
    [89] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid. p. 12-13.
    [90] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: "عند هذه النقطة كتب ف. س. صمويل التعليق التالى: رسائل القديس كيرلس إلى أكاكيوس وفالريان وسكسينسوس تحمل شهادة قوية لهذه الحقيقة. فعلى سبيل المثال الرسالة إلى أكاكيوس توضح أن إعادة الوحدة كانت سعياً لعودة السلام فى الكنيسة (P.G. LXXVII, 184 A-B) أما بخصوص عبارة "طبيعتان" فى صيغة الوحدة فقد قال القديس كيرلس أن الطبيعتان اللتان منهما تكوّن المسيح الواحد هما إثنان وأنه فى الاتحاد لم يكن هناك إمتصاص ولا إمتزاج ولا إختلاط بينهما. ولكن العبارة لا تحمل معنى الانفصال كما يؤكد نسطور. ومع ذلك يقول كيرلس أنه لم يستخدم هذه العبارة إنما الذى استخدمها هو يوحنا (P.G. LXXVII 200C).".. انتهى. ولكننا سنبين كيف أن هذا التعليق للاب صموئيل، واقتباسه من الأنبا بيشوي ما هو إلا ليّ عنق النصوص. وسنرى كيف أن القديس كيرلس يستخدم نص المصالحة ليشرح إيمانه. وأن هذا الذي يقوله الأب صموئيل، كان قد جاء عرضاً وليس هو السبب الرئيسي كما سنبين ذلك من خلال عرضنا لهذه الرسائل الثلاثة كاملة، وبترجمة قبطية.
    [91] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid. p. 194.. ولكننا عندما سنضع نصوص الرسائل، ستبين أن إيضاح ساويروس ما هو إلا هرطقة فعلية للقديس كيرلس. لا ننسى أن ساويروس الأنطاكي علّم، بأن المسيح أقنومين مندمجين كما راينا سابقاً، فنرجو مراجعتها.
    [92] لا نفهم قوله هنا: "لا يمكن أن تُدحض"! يبدو أنه يستخدم أسلوب التأثير النفسي على القارئ.
    [93] إن رسالة المصالحة وعودة الشركة، تُسمى الدستور الأفسسي. لأنها اعتمدت في كنائس المسكونة.
    [94] إن كان يناقش هنا فكر الأنطاكيين المتطرفين، فهو حق. ولكن إن كان يُناقش هنا الأنطاكيين الذين قبلوا المصالحة مع كيرلس، فيجب أن يُعيد القراءة. وبكل الأحوال نقول لسيادته، أن من فهم اتحاد الطبيعتين على أنه اتحاد أقنومين ودمجهما، فهو ساويروس الأنطاكي.
    [95] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid., p. 11-13.
    [96] الأنبا غريغوريوس أسقف عام للدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، موسوعة الأنبا غريغوريوس، المجلد الأول، اللاهوت المقارن، ص 193-194.
    [97] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: "منها رسالة إلى أكاكيوس وهي الرسالة رقم 40، ورسالة إلى يولوجيوس وهي الرسالة رقم 44، ورسالة إلى فاليريان وهي الرسالة رقم 50 والرسالة إلى سكيسوس وهي الرسالة رقم 45، راجع مجموعة مين محلد 77 ص 181 ومايليها ثم المجامع الهيفيلة جزء 3 ص 240 وما يليها"... وسوف نضع هذه الرسائل كما قلنا وسنزيد عليها الرسالة التي طهرحها نيافته.
    [98] تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يختص بطبيعة السيد المسيح، ص 15.
    [99] كلها من مرجع واحد: الدكتور موريس تاوضرس والدكتور نصحي عبد الشهيد، رسائل القديس كيرلس، الجزء الثالث

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  7. #17
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج2

    رسالة 40: من كيرلس إلى أكاكيوس [100]أسقف ميليتيني
    كيرلس يهدي تحياته في الرب إلى سيدي وأخي المحبوب والشريك في الخدمة أكاكيوس
    1- مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للأخوة ويستوجب الإعجاب ويستحق كل اعتبار بين أولئك الذين يفكرون تفكيراً سليماً بالحق. وأنا أقول إنه من الضروري أن أولئك الذين لهم إيمان واحد ونفس واحدة ينبغي أن يسرعوا ويفعلوا هذا بلا انقطاع، حيث إنه لا شيء يقف عائقاً ولا أي شيء يصد الرغبة الحارة والشوق نحو هذا الأمر. ولكن توجد أوقات، بسبب طول المسافات أو لندرة الذين يمكن أن يحملوا الرسالة، تغرينا ضد إرادتنا بعدم المراسلة. ومع ذلك فحينما يدع لنا الوقت فرصة أن يخاطب أحدنا الآخر، فإنه من المناسب أن نعتبر هذا الأمر مرسلاً من الله، وأن نقتنص الفرصة بفرح لنتصل بأولئك الذين نشتاق إليهم كثيراً. لذلك قد ابتهجت كثيراً جداً بالرسالة المرسلة من كمالكم، وإذ قد تعجبت من موقفك تجاهي، فكرت أنه من المناسب أن أعرفك الكيفية التي بها حل السلام بين الكنائس وأن أُبيّن كيف حدث كل شيء.
    2- فان الملك التقي جداً والمحب للمسيح، له اهتمام عظيم جداً والذي يقدم العناية اللازمة للكنائس المقدسة، لم يعتبر الشقاق بينها أمراً يمكن احتماله. لذلك فبعد أن دعا الملك، الموقر جداً والمتقي لله جداً أسقف الكنيسة المقدسة بالقسطنطينية مكسيميانوس وكثيرين من الأساقفة الآخرين من الذين كانوا هناك وقتئذ، فإنه فكر في الكيفية التي يمكن بها أن يزول الشقاق بين الكنائس من وسطنا، وكيف يدعى إلى السلام الخدام المقدسون للأسرار الإلهية. ولكنهم قالوا إن هذا لن يحدث بأية طريقة أخرى، والذين يختص بهم النقاش لن يأتوا إلى وحدة الفكر نحو بعضهم البعض سوى برابطة وحدة الإيمان المشرق أمامهم وكما لو كان منقذاً لهم. لقد قالوا إن يوحنا أسقف أنطاكية وهو أسقف مملوء من تقوى الله، ينبغي أن يحرم تعاليم نسطوريوس ويقر كتابة بعزله. أما فيما يتصل بالأحزان الشخصية فإن أسقف الإسكندرية سينساها كلها لأجل المحبة، وسوف يعتبر المعاملة المهنية التي نالها في أفسس كأنها لا شيء، رغم أنها كانت خشنة جداً ويصعب احتمالها.
    3- لذلك حيث إن الملك الموقر جداً وافق وكان مسروراً جداً بهذه الكلمات، فانه أرسل سيدي المدهش جداً التريفون والسكرتير أرسطولاوس، ليتمم هذا الأمر نفسه. ولكن حينما أطلع الأساقفة في الشرق على القرار الملكي وشرح لهم أن هذا القرار هو متفق مع رأي الأساقفة الذين كانوا موجودين في مدينة قسطنطين العظيمة، وأنا لا أعلم ماذا قصدوا، لكنهم إجتمعوا مع المقدس جداً والمتقي لله جداً أكاكيوس أسقف بيرويا، وإهتموا أن يكتبوا إليّ، أنه في طريقة الاتفاق أي في سلام الكنائس المقدسة، فإنه من المناسب أن يتحقق ليس بطريقة أخرى سوى تلك التي بدت أفضل بالنسبة لهم. كان هذا مضجراً وثقيلاً، لأنهم رغبوا أن يبطلوا كل ما كتبته في الرسائل والمجلدات والوثائق، ويوافقون فقط على الإيمان المحدد في نيقية بواسطة آبائنا القديسين. فكتبت رداً على أننا جميعاً نتبع عرض الإيمان المحدد من الآباء القديسين في مدينة نيقية، ولا نحّرف إطلاقاً أي أمر من الأمور التي تحددت هناك، لأن كل شيء فيه صحيح ولا ينبغي أن يمُس[101]، وبعد التحديد لم يكن أمراً مأموناً أن يتطفل أحد بعد ذلك.
    4- أما من جهة الأشياء التي كتبناها بصواب ضد تجاديف نسطوريوس، فليست هناك أية مجادلة يمكن أن يقنعنا أن نقول أنها لم تعمل بصواب. بل بالحري كان من الضروري أنهم بحسب مابداً أفضل للملك التقي جداً والمحب للمسيح، وللمجمع المقدس والمجتمع في مدينة أفسس أن يحرموا التجاديف غير المقدسة لذلك الذي يحارب مجد المخلص، ويقروا بعزله، ويوافقوا على سيامة المقدس جداً والمتقي لله جداً الأسقف مكسيميانوس. وعلى ذلك فحينما سُلِمتَ إليهم هذه الرسائل، فإنهم أرسلوا إلى الإسكندرية الموقر جداً والمحب لله جداً الأسقف بولس أسقف إيميسا[102]، الذي أجريت معه أحاديث طويلة وكثيرة عن الأمور التي قيلت وحدثت بصورة غير شرعية وغير لائقة في أفسس[103]. وإذ وضعت هذه الأمور بعيداً عن ذهني - حيث أنه من المناسب بالحري أن نتبع بحماس الأمور الضرورية- فسألته إن كان يحمل رسائل من المتقي لله جداً الأسقف يوحنا. ثم قدم لي رسالة لم تكن تحتوي على الأشياء التي ينبغي أن تحتويها. ولكنها قد أُمليت بطريقة لم يكن ينبغي أن تملى بها لأنها تحمل قوة الإثارة وليس قوة التعزية[104]. وأنا لم أقبل هذه الرسالة. ورغم أنه كان من المناسب أن يزيلوا أحزاني باعتذارات عن الأمور التي سبقت ، ولأجل الأشياء التي حدثت في أفسس، فإنهم انتهزوا الفرصة لكي يقولوا أنهم أستشيروا ضدي بواسطة غيرتهم من أجل التعاليم المقدسة. ولكني سمعت أنه لا الغيرة الإلهية قد حركتهم، ولا هم اصطفوا ضد بسبب أنهم كانوا يحاربون لأجل تعاليم الحق، بل بسبب أنهم يخضعون لمداهنة الناس وبسبب أنهم كانوا يختطفون فرصة لأنفسهم على صداقة الذين كانوا في السلطة في ذلك الوقت.
    5- ورغم ذلك، فحينما قال الأسقف المتقي لله جداً بولس انه مستعد أن يحرم تجاديف نسطوريوس وأن يقر كتابة بعزله، وأنه يفعل هذا نيابة عن الجميع وفي حضور كل أساقفة الشرق المتقين لله، فاني عارضته قائلاً أنه يكفي أن يقدم خطاباً منه بخصوص هذا لكي تتحقق الشركة التي نحتاج إليها نحن جميعاً.[105] إني أكدّت بقوة بكل طريقة وبكل الوسائل أنه من المناسب أن الموقر جداً والمتقي لله جداً يوحنا أسقف أنطاكية، يقدم اعترافاً مكتوباً بخصوص هذه الأمور. وهذا قد تم فعلاً، والحاجز والانفصال بين بعضنا البعض الذي يضل الكنائس قد انتهى. ولكن لم يكن هناك شك في أي مكان أن سلام الكنائس المقدسة يتحقق بملاشاة المدافعين عن تجاديف نسطوريوس.
    6- إنهم يبدون لي أنهم مثل أولئك الذين يسقطون من سفينة دون أن يعرفوا كيف يسبحون. وحينما يكون هؤلاء البائسون يختنقون، فإنهم يضربون بأيديهم وأرجلهم جيئة وذهاباً، ويمسكون بأي شيء كان يأتي في طريقهم حباً في الحياة. أفليس صحيحاً أن يقال أنهم ينقلبون بعنف حيث إنهم قد سقطوا، وهم ينعزلون من الكنائس، وهم يبقون خارج الكنائس التي ظنوا أنها ستكون حامية لهم؟ أو ألا يغتاظون إلى درجة غير محتملة حينما يرون أولئك خدعوا منهم يتحولون عنهم، وأولئك الذين، كما لو كانوا، قد اسكروا بابتداعات دنسة، يصيرون الآن صاحين في الحق؟ ومع ذلك فيمكن أن نقول لهم ما هو مناسب جداً، وهو ما قيل بصوت النبي:"تجمعي واجتمعي أيتها الأمة غير المهذبة قبل أن تصيروا مثل الزهرة التي تمضي" (صفنيا 2 : 1،2) فلماذا إذن قد صاروا آكلين لقيئ غيرهم، وهم لا يخجلون بينما هم يدنسون قلوبهم نفسها بنجاسة آخر؟ "أيها الصم اسمعوا، ويا أيها العمي والأفكار المنحرفة؟ لماذا تشمتون الطريق المستقيم، وتعوجون طرقكم الخاصة (أنظر أمثال4 : 25) "أحرثوا من جديد أرضكم المراحة ولا تزرعوا في الأشواك"(إر4 : 3) ولكونكم شديدي الاهتياج، كما قلت - بسبب حلول السلام في الكنائس المقدسة فإنهم يسخرون من أولئك الذين لم يحتملوا مشاركتهم في شرهم، ويشجبون بمرارة دفاع الأساقفة المقدسين، وأنا أعني الأساقفة الذين من الشرق، ثم إذ يعوجونهه إلى ما هو مُرضٍ وعزيز على أنفسهم، وإذ يفكرون بغير إستقامة، فإنهم يقولون إن هذا الدفاع غير متعارض مع ابتداعات نسطوريوس.[106]
    7- وهم قد اشتركوا في انتقادنا نحن كما لو كنا نفكر ضد ما قد كتبناه فعلاً. ولكني أعلم أنهم يقولون هذا أيضاً :أننا حديثاً قد قبلنا بياناً إيمانياً أو قانون إيمان جديد، كأننا لا نكرم القانون القديم والجليل."الأحمق يتكلم بحماقات وقلبه يفكر باطلاً" (أش32 : 6) وفضلاً عن ذلك فنحن نقول هذا، إنه لم يطلب أحد بياناً للأيمان منا ولا نحن قبلنا بياناً جديداً صاغه آخرون. لأن الكتب الإلهية الموحى بها، وصحوا آبائنا القديسين، وقانون الإيمان الذي صيغ بواسطة أولئك الذين هم مستقيمون من كل جهة، هذه تكفينا. وحينما اختلف معنا في أفسس، أساقفة الشرق المقدسون جداً، وصاروا موضع شك في أنهم اصطيدوا في فخاخ تجاديف نسطوريوس، بسبب هذا بالحري بإحساس مرهف، لكي يخلصوا أنفسهم من الخطأ المتضمن في هذا، بسبب أنهم كانوا مهتمين أن يرضوا تماماً محبي الإيمان الذي بلا لوم، لأنهم يعرفون كيف يكونون غير مشتركين في تصرفه المخزي، فإنهم صنعوا اعتذارا. إن الأمر بعيد جداً عن كل انتقاد ولوم. لأن نسطوريوس نفسه في ذلك الوقت الذي كانت فيه حاجة إلى إدانة تعاليمه الخاصة وإلى اختيار الحق بدلاً منها، لو أنه صنع اعترافا مكتوباً بهذه الأمور فهل كان يقول أحد انه اخترع اعترافا جديداً للإيمان؟ فلماذا إذن يشجبون عبثاً تحديد اعتراف الإيمان بأن يسموا اتفاق أساقفة فينيقية المتقين لله جداً، اعترافا جديداً. هذا الاتفاق قد عُملَ بطريقة نافعة وضرورية، إذ تحدثوا دفاعاً عن أنفسهم ولمصالحة أولئك ظنوا أنهم (أي أساقفة فينيقية) يتبعون التعابير الباطلة لنسطوريوس. لأن المجمع المقدس المسكوني الذي انعقد في مدينة أفسس عرف مقدماً بالضرورة أنه لا توجد حاجة لإقرار إيمان آخر غير ذلك الموجود الذي حدده الآباء المثلثو الغبطة الناطقون بالروح القدس.
    8- أولئك الذين أختلفوا مرة مع المجمع - وأنا لا أعرف كيف - بعد أن تعرضوا للشكوك في أنهم لم يختاروا أن يفكروا تفكيراً صحيحاً وأنهم لا يتبعون التعاليم الرسولية والإنجيلية، فهل يتخلصون من الخزي بصمتهم أم بالحري بالدفاع وإظهار معنى رأيهم. وفي الحقيقة فان التلميذ الموحى له من الله قد كتب :"كونوا مستعدين دائماً لمحاربة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم" (1بط3 : 15) فذلك الذي يختار أن يفعل هذا، لا يصنع شيئاً جديداً ولا يُرى أنه يصيغ إقرار إيمان جديد، بل بالحري يوضح لأولئك الذين يسألونه، الإيمان الذي عنده فيما يخص المسيح.
    9- ولكن بالإضافة إلى هذه الأمور، علمت أن أعداء الحق، بسبب أن لهم وجوهاً عابسة جداً من إجماع الأساقفة المتقين لله جداً، يقبلون كل شيء رأساً على عقب، ويقلبون إن معنى الإقرار الذي عمله الأساقفة يتفق مع لابتدعاتهم غير المقدسة، وهذا الإقرار صاغه الأساقفة في الإيمان المستقيم دون أن يجددوا شيئاً كما قلت، أو يضيفوا شيئاً على الإطلاق إلى ما سبق أن تحدد منذ زمن طويل، بل بالحري تابعين التعاليم التي بلا عيب التي للآباء القديسين. ولكن لكي نبرهن أنهم يتكلمون كلاماً زائفاً[107]، تعالوا ودعونا نعرض علناً هراء نسطوريوس وبيانات الأساقفة،[108] لأن الفحص سوف يظهر الحق بهذه الطريقة وليس بطريقة أخرى.
    10- وبناء على ذلك، فإننا نجد أن نسطوريوس قد أنكر تماماً ميلاد ابن الله الوحيد حسب الجسد، لأنه يقول إنه لم يولد من امرأة حسب الكتب، فهو يتكلم هكذا:" تعلمت من الكتب الإلهية أن الله جاء من العذراء أم المسيح، ولكن لم أتعلم في أي مكان أن الله ولد منها. وأيضاً في تفسير آخر يقول:" لا يذكر الكتاب الإلهي في أي موضع أن الله ولد من العذراء أم المسيح، بل المسيح يسوع، الابن، والرب. وحيث إنه يقول هذا، فكيف يشك أي واحد أنه بقوله هذه الأشياء هو يقسم الابن الواحد إلى ابنين، واحد منهما مأخوذاً على حدة، يقول إنه هو ابن ومسيح ورب، الكلمة المولود من الله الآب، أما الآخر وأيضاً مأخوذاً على حدة إنه ابن ومسيح ورب، ولد من العذراء القديسة؟. ولكن أولئك الذين يدعون العذراء القديسة والدة الإله، يقولون إنه ابن ومسيح ورب واحد، كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت، ويرون أن جسده محياً بنفس عاقلة. لأن كونهم لا يقولون أن هناك ابناً هو الكلمة الذي من الله الآب، وآخر أيضاً الذي ولد من العذراء القديسة كما يعلن نسطوريوس، بل بالحري ابن واحد الذي هو نفسه، يصير مؤكداً وواضحاً جداً من الآتي، إنهم يضيفون - مشيرين إلى من يكون هو - أنه كامل كإله وكامل كإنسان، وقد ولد قبل الدهور من الآب حسب اللاهوت، و"في الأيام الأخيرة" لأجلنا ولأجل خلاصنا ولد من مريم العذراء القديسة حسب ناسوته، وانه هو من الجوهر نفسه الذي للآب حسب لاهوت، ومن الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته.
    11- لذلك فهم لا يقسمون الابن الواحد والمسيح والرب يسوع إلى اثنين بل يقولون إنه هو نفسه، قبل الدهور وفي الأيام الأخيرة، أي أنه من الله الآب كإله ومن امرأة حسب الجسد كإنسان، لأنه كيف يمكن أن يُدرك أنه من الجوهر نفسه الذي لنا بحسب ناسوته ومع ذلك يكون مولوداً من الآب بحسب لاهوته، إن لم يكن هو نفسه يدرك ويقال عنه أنه إله وإنسان معاً.
    12- ولكن عند نسطوريوس لا تبدو الأمور هكذا، بل بالحري فإن قصده قد تحول إلى العكس تماماً. وفي الحقيقة أنه قال وهو يعلّم في الكنيسة:"لهذا السبب أيضاً يسمى المسيح الله الكلمة، ومن أجل أن له اتصال غير منقطع بالمسيح" وايضاً قال، "فلنحفظ الاتصال غير المختلط الطبيعتين، لأنه دعنا نعترف بالله في الإنسان، وبسبب الاتصال الإلهي دعنا نكرم الإنسان المعبود مع الله الكلي القدرة".
    13- لذلك أنتم ترون كيف أن تفكيره غير معقول، لأنه مملوء حتى النهاية بعدم التقوى. فهو يقول أن كلمة الله على حده يسمى المسيح، وله اتصال غير منقطع مع المسيح. لذلك ألا يقول هو بكل وضوح بمسيحين؟ ألا تعرف أنه يكرم إنساناً - لست أعرف كيف- وهو الذي يُعبد مع الله؟ ألا يظهر أن أقواله هذه ليست لها علاقة بأقوال أساقفة الشرق؟. أليست أفكاره متناقضة؟ لأنه يقول بوضوح أنه يوجد اثنان، أما هم فيعترفون أنهم يعبدون مسيحاً واحداً وابناً وإلهاً ورباً، وهو نفسه من الآب بحسب اللاهوت ومن العذراء القديسة بحسب الناسوت. لأنهم يقولون إنه قد صار إتحاد لطبيعيتين ولكنهم يعترفون بوضوح بمسيح واحد، وابن واحد، ورب واحد. لأن " الكلمة صار جسداً" حسب الكتب، ونحن نقول أن إتحاداً تدبيرياً بلا انفصال ويفوق التعبير، قد تم حقاً بين أشياء غير متشابهة.
    14- لأننا لن نفهم مثل بعض الهراطقة القدماء، أن كلمة الله أخذ من طبيعته الخاصة أي الإلهية وأعد لنفسه جسداً، بل إذ نتبع، من كل ناحية، الكتب الموحى بها، نحن نؤكد بقوة أنه أخذ جسده من العذراء القديسة. وهكذا فنحن نقول أن الطبيعتين اتحدتا ومنهما يكون الابن الواحد والوحيد الرب يسوع المسيح، كما يتفق مع أفكارنا، ولكن بعد الإتحاد حيث أن الانفصال إلى اثنين قد بطل الآن فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد[109]، قد صار إنساناً وتجسد. ولكن إن كان وهو الله الكلمة يقال أنه تجسد وصار إنساناً، فدع الشك في حدوث تغيير أن يطرح بعيداً لأنه قد ظل على ما كان عليه، ولنعترف بالإتحاد غير المختلط بالمرة. ولكن ربما يقول ذو الفكر المضاد:
    هوذا أولئك الذين يصيغون الاعتراف بالإيمان المستقيم يذكرون طبيعتين بوضوح، ولكنهم يقولون أن تعبيرات أولئك الموحى لهم من الله تنقسم حسب اختلاف الطبيعتين. وحينئذ كيف لا تكون هذه التأكيدات مضادة لأقوالكم، لأنك لا تسمح بأن تنسب التعبيرات إلى شخصين أي إلى أقنومين.[110] ولكن يا أصدقائي أقول لكم، لقد كتبت في الفصول:
    من ينسب الأقوال التي في الأناجيل والكتابات الرسولية إلى شخصين أي إلى أقنومين، ناسباً بعضها كما إلى إنسان على حدة منفصلاً عن كلمة الله، وناسباً الأقوال الأخرى كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الآب وحده، فليكن مداناً.
    15- ولكننا لم نرفع التمييز بين الأقوال بأي حال، حتى وان كنا عملنا شيئاً يجعلنا غير جديرين وذلك بتقسيم الأقوال كمنسوبة للابن معتبراً على حدة كالكلمة الذي من الله الآب، وعلى الابن ثانية معتبراً على حدة كإنسان من امرأة. لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت.[111] إن كان أحد يرغب في معرفة الطريقة التي بها تجسد وصار إنساناً، دعه يتأمل في الكلمة: إله من إله، "آخذاً صورة عبد وصائراً في شبه الناس" (في2 : 6-9) كما هو مكتوب. وبناء على هذا وهذا فقط يفهم اختلاف الطبيعتين أي الأقنومين،[112] لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية. وإلا فكيف أن الكلمة وهو الله، أخلى نفسه ووضع ذاته إلى ما هو أقل، أي إلى حالتنا. وبناء على ذلك فحينما تُفحص طريقة التجسد بعمق، فان العقل البشري بلا شك يرى الاثنين مجتمعين معاً في إتحاد يفوق التعبير وبلا اختلاط. والعقل الإنساني لا يقسمهما بأية طريقة بعد أن اتحدا، بل يؤمن ويقبل بقوة أن الواحد الذي من الاثنين هو الله والابن والمسيح الرب.
    16- ولكن هرطقة نسطوريوس تختلف تماماً عن هذا. لأنه يتظاهر أنه يعترف أن الكلمة الذي هو الله تجسد وصار إنساناً، ولكنه إذ لم يعرف معنى التجسد فانه يسمّى طبيعتين ويفصلهما عن بعضهما، وبالمثل الإنسان على حدة متصلاً بالله نسيباً فقط، بحسب مساواة الكرامة أي قوة السيادة. لأنه يقول ما يلي:" الله منفصل عن ذلك الذي هو منظور، ومن أجل هذا، أنا لا أفصل كرامة الذي هو غير منفصل، أنا أفصل الطبيعتين ولكني أوحد العبادة.
    17- ولكن الإخوة في أنطاكية إذ يفهمون المسيح بأفكار عالية ووحيدة، فإنهم يقولون باختلاف بين الطبيعتين، لأنه كما قلت فإن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية ولكنهم كرزوا بابن واحد ومسيح ورب باعتباره واحداً حقاً، وهم يقولون أن شخصه (proswpon) واحد، ولا يفصلون بأي حال ما قد اتحد. وهم لا يقبلون انفصال الطبيعتين مثلما كان يسر أن يفكر مبتدع الاختراعات البائسة، ولكنهم يؤكدون أن الأقوال الخاصة بالرب هي فقط منفصلة، ليس أنهم يقولون أن بعضها يختص على حدة بالابن الكلمة الذي من الله الآب، وبعضها الآخر يختص بابن آخر أيضاً، الذي من امرأة، ولكنهم يقولون أن بعضها يناسب لاهوته، وبعضها الآخر يناسب ناسوته[113]. لأنه هو نفسه إله وإنسان[114]. ولكنهم يقولون أنه توجد أقوال أخرى مشتركة بطريقة ما، وتختص كما لو بكليهما، أعني اللاهوت والناسوت.
    18- وما أقواله أنا هو مثل هذا:[115] فمن ناحية، بعض الأقوال تناسب على الأخص لاهوته، وأقوال أخرى أيضاً تناسب ناسوته، ولكن هناك أقوالاً تتصل بنوع خاص بموقف متوسط معين لأنها تعلن الابن كإله وإنسان معاً في نفس الوقت وفي شخصه. لأنه حينما يقول لفيلبس أنا معكم زماناً هذا مدته ولم تعرفني يا فيلبس، ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ، من رآني فقد رأى الآب" (يو14 : 9،10) "أنا والآب واحد"(10 : 30)، ونحن نؤكد أن هذا الكلام هو لائق جداً بلاهوته. ولكنه حينما يوبخ الشعب اليهودي قائلاً لهم: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق. هذا لم يعمله إبراهيم" (يو8 : 39،40) فنحن نقول أن مثل هذه الكلمات لائقة بناسوته. ومع ذلك فنحن نقول أن تلك الكلمات اللائقة بلاهوته وتلك اللائقة بناسوته هي كلمات الابن الواحد، لأنه وهو الله صار إنساناً، ومع ذلك عندما صار إنساناً لم يترك ما لكينونته الإلهية باتخاذه اللحم والدم. ولكن حيث أنه واحد: الابن والله والرب، فنحن نقول أن شخصه واحد، نحن وهم[116] نقول هذا.
    19- ولكننا نؤكد بقوة أن هناك أقوالاً أخرى متوسطة مثلما حين يكتب بولس المبارك:" إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد." (عب8 : 13) وأيضاً:
    "لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء وعلى الأرض...لكن لنا إله واحد الآب الذي منه كل الأشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به كل الأشياء ونحن منه" 01كو8 : 5،6).
    وأيضاً:
    "كنت أود لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح من أجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والنجد والعهود والاشتراع. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل وإلهاً مباركاً إلى الأبد آمين." (رو9 : 3،5) لأنه هوذا، إذ قد سماه المسيح يسوع، فهو يقول إنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، والذي به صارت كل الأشياء والذي من اليهود يسميه إلهاً على الكل ويؤكد قائلاً إنه مبارك إلى الأبد.
    20- لذلك فلا تقسم في هذه الحالات، الأقوال التي عن الرب لأن فيها في نفس الشخص ما هو لائق بالله وما هو لائق بالإنسان، بل بالحري طبقها على الإبن الواحد، أي على الله الكلمة المتجسد. وبناء على ذلك، فإنه شيء أن تفصل الطبيعتين وذلك بعد الإتحاد وتقول أن الإنسان متصل بالله فقط بحسب مساواة الكرامة، وأيضاً هو شيء آخر أن تعرف الاختلاف بين الأقوال. لذلك فكيف تتوافق أقوال أولئك [الذين من الشرق] مع أقوال نسطوريوس الباطلة؟ لأنه ليس عجيباً إن كان بالنسبة للبعض أيضاً، فإن صياغة الأقوال والتعبير عن المعاني تبدو أنها تعجز عن التعبير الدقيق، لأن مثل هذه الأمور من الصعب جداً التعبير عنها. ففي هذا الأمر حتى بولس الموحى له، طلب من الله أن يعطيه كلاماً عند افتتاح فمه. (أف6 : 19).
    21- لذلك أليس من الواضح للجميع أنهم (أساقفة الشرق) لا يقسمون المسيح الواحد إلى اثنين، حينما يقولون إنه من الضروري أن نطبق الأقوال اللائقة بالله على لاهوته، وأيضاً تلك الأقوال الإنسانية على ناسوته. وإنهم يؤكدون كما قلت أنه هو الكلمة الذي من الله الآب المولود قبل الدهور، وولد في الأيام الأخيرة حسب الجسد من العذراء القديسة. وهم يضيفون أن ولادته حسب الجسد هي باتحاد لا يُعبرّ عنه وغير مختلط، ويؤمنون أن العذراء القديسة هي والدة الإله، ويعترفون بوضوح بابن واحد ومسيح ورب. إنه أمر لا يصدق بالمرة، إنهم وهم يقصدون أن يقولوا إنه واحد، ومع ذلك يقسمون الواحد إلى اثنين. إنهم لم يصلوا إلى مثل هذه الحالة من الغباء حتى أنهم هم أنفسهم يعيدون العصاة إلى مركزهم السابق، وبطياشة يعيدون بناء ما قد هدموه بصواب. فإذا اتفقوا مع آراء نسطوريوس، فكيف يحرمونها كنجسة وبغيضة.
    22- ولكني أظن أنه من الضروري أن أخبر بالأسباب التي من أجلها أستعمل أساقفة الشرق مثل هذه الدرجة من دقة الكلام[117]. لأن مؤيدي كفر أريوس - إذ يغشون بمكر معنى الحق، يقولون أن الكلمة الذي صار إنساناً، ولكنه أخذ جسداً بدون نفس، وهم يفعلون هذا بدافع من الخبث لكي إذ ينسبون إليه الأقوال الإنسانية فإنهم يظهرون لأولئك الذين يضلون بواسطتهم أنه في وضع أقل من سمو الآب ويعلنون أنه من طبيعة أخرى مختلفة عن الآب. وبسبب هذا فإن أساقفة الشرق لخوفهم من الإقلال من مجد وطبيعة كلمة الله، لأجل ما يقال عنه بشرياً بسبب تدبير التجسد، فإنهم يفصلون الأقوال دون أن يقسموا الابن الواحد والرب إلى شخصين، كما قلت، بل ينسبون بعض الأقوال إلى لاهوته وبعضها الآخر إلى ناسوته، ومع ذلك فالأقوال كلها ينسبونها إلى واحد.
    23- ولكني علمت أن الأسقف يوحنا الموقر جداً والمتقي لله جداً كتب إلى بعض أصدقائه كما لو كنت قد علّمت بوضوح واعترفت بصوت واضح بالاختلاف بين الطبيعتين وأني قسمت الأقوال بحسب الطبيعتين،[118] ولهذا السبب فإن البعض قد تعثّر. لذلك كان من الضروري أن نتكلم عن هذا. وكما لكم لو يكن يجهل أن أولئك الذين يصبّون تهمة رأي أبوليناريوس على رسائلي، ظنوا أنني أقول أن جسد المسيح المقدس هو بدون نفس، وأن هناك امتزاجاً أو اختلاطاً أو اندماجاً، أو أن الله الكلمة تغير إلى جسد، أو أن الجسد انتقل إلى طبيعة اللاهوت، حتى أن شيئاً لم يحفظ خالصاً أو يبقى كما هو. وبالإضافة إلى ذلك، ظنوا أنني وافقت على تجاديف آريوس بسبب عدم الرغبة في رؤية اختلاف الأقوال وأن بعضها لائق باللاهوت وأن بعضها الآخر إنساني ولائق بالحري بتدبير التجسد. ولكني أنا برئ من مثل هذه الأخطاء، وكما لكم تشهدون بهذا للآخرين.
    24- ومع ذلك كان من الضروري أن يحدث دفاع من أجل أولئك الذين تعثروا، ولهذا السبب كتبت إلى تقواه أنه لم يكن لي آراء آريوس وأبوليناريوس بالمرة، ولا أقول في الواقع أن كلمة الله تغير إلى جسد، كما أني لا أقول أن الجسد تحول إلى طبيعة اللاهوت، لأن كلمة الله غير قابل للتغير أو التبدل. والعكس مستحيل. ولكني لم أبطل اختلاف الأقوال بل إني أعرف أن الرب تكلم بطريقة لائقة بلاهوته، وإنسانياً في نفس الوقت، حيث عنه هو في ذاته إله وإنسان معاً. لذلك، فبسبب ؟إنه[119] يرغب أن يشير إلى هذا كتب أنه علم أنني أعترف باختلاف الطبيعتين وأني أفصل الأقوال بحسب الطبيعتين. ولكن مثل هذه التعبيرات ليست تعبيراتي، بل هو الذي نطق بها.
    25- ولكني أظن أنه ينبغي إضافة الآتي لما سبق أن قيل، لأن المتقي لله جداً بولس أسقف إيميسا[120] أتى إلىّ، ثم بعد أن بدأنا مناقشة عن الإيمان المستقيم الذي بلا لوم، سألني باهتمام إن كنت قد وافقت على الرسالة المرسلة من أبينا المثماث الغبطة ذي الذكر الشهير أثناسيوس إلى إبكتيتوس أسقف كورنثوس. وقلت أنه "أن كانت الرسالة محفوظة عندكم بغير تحريف" - لأن أشياء كثيرة فيها قد أصابها التزوير بواسطة أعداء الحق- فإني أوافق عليها من كل ناحية وعلى كل الأحوال. ولكنه قال مجيباً على كل هذا أنه هو نفسه عنده الرسالة وانه يرغب أن يتأكد منها تماماً بواسطة النسخ الموجودة عندنا وأن يعرف هل النسخ التي عندهم قد حُرِفّت أم لا. وأخذ النسخ القديمة وقارنها بتلك التي احضرها هو، فوجد أن هذه الأخيرة قد حرفت، وترجي أن ننسخ له نسخاً من التي عندنا ونرسلها إلى كنيسة أنطاكية. وهذا ما قد حدث فعلاً.
    26- وهذا ما قد كتبه عني الأسقف يوحنا الوقر جداً والمحب لله جداً إلى كارينوس، إنه "بحث التعاليم الخاصة بالتأنس ونسج بالاشتراك معنا تقليد الآباء، وهو تقليد كان معرضاً كما لو كان لخطر أن يتضاءل بين الناس." ولكن أن كان بعض الناس يجولون برسالة كما لو كانت قد كتبت بواسطة فيلبس كاهن كنيسة روما المقدس جداً، تفيد بأن الأسقف المقدس جداً كسستوس كان مغتاظاً جداً بسبب عزل نسطوريوس وكان يساعده، فلا تثق قداستكم في هذه الرسالة. لأن كسستوس كتب متفقاً مع المجمع المقدس ووافق على كل شيء فعله المجمع، وهو له رأينا نفسه.
    27- ولكن أن كان بعض الناس يجوبون برسالة كأنها مكتوبة مني تفيد بأني غيرت رأيي في الأمور التي حدثت في أفسس فليكن هذا مثاراً للسخرية، لأننا نحن بنعمة المخلص نتمتع بصحة عقلية جيدة، ولم نصل إلى نهاية حسن استعمال العقل. سلم على الأخوة الذين معك، الأخوة معي يحيونك في الرب.
    انتهى نص الرسالة...
    أكثر ما يهمني من هذه الرسالة، هو إهمال، من ساويروس الأنطاكي حتى الأنبا بيشوي، أكثر من 25 فقرة من هذه الرسالة، والتركيز فقط على فقرتين. وهذا الأسلوب لا يليق بأبناء المسيح. لأننا نعرف من هم الذين يقتطعون جملة، أو فقرة من كتاب كامل ليبنوا عليها ما يريدون.
    وسنكمل لاحقاً، وبالترتيب الرسائل التي ذكرت في المراجع.

    يتبع>> ج3>>


    --------------
    الحواشي
    --------------
    [100]حاشية من المرجع، مرتبطة مع النص: أكاكيوس، اسقف ميليتيني في كبدونية، توفى سنة 438م.
    [101]ولكننا نعرف كما عرضنا سابقاً أن دستور إيمان نيقية، لم يبقَ كما كان بعد مجمع القسطنطينية الأول. ويمكن ملاحظة التعديلات التي أدخلوها أو التي حذفوها من النص النيقاوي.
    [102]حمص
    [103]ويقصد الإهانة التي تعرض لها آباء مجمع أفسس كما أسلفنا من الكونت كانديديان صديق نسطوريوس، وكان برضى مجمع يوحنا
    [104]لا يتكلم عن التعليم التي تحتويه الرسائل، بل عن لغة الخطاب كما سيوضح ذلك لاحقاً.
    [105]هذا النصف الذي تحدثوا عنه سابقاً، والذي يقول الأنبا بيشوي أن ساويروس الأنطاكي بيّنه لاحقاً. وهو أن القديس كيرلس فعلاً سعى للصلح ولكننا نراه هنا لا يهتم بما جرى له، ولا للغة الخطاب. ولكن هل القديس كيرلس لم يهتم بالإيمان القويم؟ هذا ما سيتضح من خلال قراءة الرسائل، ومنها هذه الرسالة.
    [106]هذا المقطع لم يكن ليقصد فيه الأنطاكيين الأرثوذكسيين. بل أولئك الذين شق عليهم أن يعود الصلح والسلام في الكنيسة.
    [107]كم هو تعبير قوي هذا يا أبينا الحبيب كيرلس
    [108]سيبدأ الآن كيرلس بالدفاع عن النص الذي وقعه وأرسله ثانية ليوحنا، يقوم بعمل مقارنة بينه وبين تعليم نسطوريوس. وهذه الجزء من الرسالة لم يأتِ على ذكره لا ساويروس الأنطاكي –كما يُفهم-، ولا الاب صموئيل –كما يُفهم- ولا الأنبا بيشوي. ولذلك قلنا أعلاه أنهم تكلموا عن نصف الحقيقة.
    [109]لا يجب أن نذعر إن قرأنا عبارة طبيعة واحدة عند القديس كيرلس، لأن كنيستنا الأرثوذكسية لا تنكرها، ولا يجب أن نفهمها على ضوء تحديدات خلقيدونية العقائدية واصطلاحته. بل يجب أن نفهمها كما فهمها ذاته القديس كيرلس، فقد كان عنده مصطلح طبيعة وأقنوم متداخلين، ولذلك فهم منه البعض أنه يقول بوجود أقنومين في المسيح. بل يجب أن نفهم الآن تعبير الطبيعة الواحدة على ضوء مدافعته عن رسالة المصالحة ودستور الإيمان الذي فيها. ولكن إن دققنا بعد بالجملة ذاتها " فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد ، قد صار إنساناً وتجسد"، نجد أن الوحدة التي يتكلم عنها هي وحدة الأقنوم. فهو يقول نؤمن بطبيعة واحدة للابن، ثم يضيف ويقول "كواحد" قد صار إنساناً وتجسد. فعلمياً هذه العبارة "الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد" عنت دائماً في فكر كيرلس "أقنوم واحد للكلمة المتجسد"، كما كان قد قلنا سابقاً وسنقول لاحقاً.. وفيما بعد سيتضح أكثر فأكثر تعليم القديس كيرلس في هذه الرسالة نفسها.
    [110]واضح في هذه الفقرة التداخل بين تعبيري طبيعة وأقنوم.
    [111]أخي القارئ/أختي القارئة، حاولوا أن تفسروا هذا النص: "لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت". ونتركه لفطنتكم.
    [112]الطبيعتين أي الأقنومين! هل من شكّ بعد هذا أن القديس كيرلس كان يستخدم مصطلحات، هي التي أودت حقيقةً لوجود بدعة الطبيعة الواحدة، ولكن فكره وإيمانه وتعليمه بريء منها. هل يعقل أن يقول القديس كيرلس "اختلاف الأقنومين" في المسيح، ويقصد ما نفهمه نحن اليوم؟ للأسف جاء ساويروس الأنطاكي ورسخ هذا المفهوم، ولكن كما رأينا الأنبا غريغوريوس اتهم بالنسطرة من يقول بوجود أقنوم بشري، بل إن أقنوم الكلمة هو نفسه أقنوم الطبيعة البشرية. ولذلك متى واجهنا عبارة "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" أو "طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد" لا يجب أن نخشى هذا القول، ولكن علينا أن يكون لنا فكر المسيح، الذي كان للقديس كيرلس، فنفهم العبارة كما قالها القديس كيرلس نفسه، وليس كما يريد أن يقوله الآخرين.
    [113]تذكر جيداً هذه الجملة، هنا يقتبسها القديس كيرلس من الأنطاكيين. ولكن بعد ذلك، في رسالة أُخرى، سيشرح تعليمه معتمداً عليها.
    [114]بالإجماع، من خلال قرآتي الشخصية المتواضعة جداً، لا يوجد كتاب يقول هذا. فقد رأينا اعتراض القمص الورع تادرس يعقوب ملطي على تعليم البابا بطرس الشهيد. وأيضاً نذكر على سبيل المثال لا الحصر الأنبا غريغوريوس في كتابه "تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يختص بطبيعة السيد المسيح"، ص 15، يقول: " لا نجروء على القول إنه إله وإنسان معاً". يبدو أننا بحاجة إلى جرأة القديس كيرلس حتى نعود إلى الشركة.
    [115]الآن تعليمه الشخصي للقديس كيرلس.
    [116]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي أساقفة أنطاكية..
    واسمحوا لي أن أزيد، وأقول: إن جملة "نحن وهم نقول هذا"، تعني أن هذا هو تعليم القديس كيرلس منذ البداية حتى النهاية، ولكن هناك بعض الأناس الذين فهموا ما لم يقصده القديس، وللأسف مازالوا يفهمون هكذا. فكيف يأتي ساويروس الأنطاكي، ومن ثم يقتبس منه الأب صموئيل صاحب كتاب "مجمع خلقيدونية إعادة فحص"، ويقتبسها أيضاً الأنبا بيشوي، ويقولون أن القديس كيرلس وقع المصالحة من أجل السلام فقط.
    [117]القديس كيرلس يسمي كلماتهم، أي يوحنا وأساقفته الأنطاكيين، ومصطلحاتهم بـ"الدقيقة".
    [118]هنا القديس كيرلس يرد على من يفهم من أقواله، أن يقسم ويفصل الطبيعتين بعد الاتحاد، وهذا كفر نسطوريوس. وبنفس الوقت يحاول امتصاص غضب الأساقفة ضده. لأنه أرسل رسائل كثيرة بعد المصالحة مع يوحنا أنطاكية. نستطيع أن نقول أن هذا القديس قد خاض مجمعاً كاملاً يدافع به عن نفسه.
    [119]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي يوحنا الأنطاكي.
    [120]حمص

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  8. #18
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج3

    والآن بعد أن أثبتنا، عدم صدق الادعاء، وأن القديس كيرلس بحسب الرسالة الأولى قد تبنى تعليم نص المصالحة، سننتقل إلى رسالة أُخرى وردت ضمن المراجع التي وضعناها، والتي قيل فيها نفس الأمر، لنفحص مدى صحة هذا الكلام.

    رسالة 44: تذكير إلى إفلوجيوس الكاهن المقيم بمدينة القسطنطينية من رئيس الأساقفة كيرلس


    1- كيرلس أسقف الإسكندرية يهدي تحياته إلى إفلوجيوس. يهاجم البعض عرض الإيمان الذي أعده الشرقيون ويسألون: "لماذا يحتمل أسقف الإسكندرية أو حتى يمتدح أولئك الذين يقولون بوجود طبيعتين؟". أما أولئك الذين يتبعون نسطوريوس فيقولون أنه يفكر نفس التفكير وبذلك يختطفون إلى جانبهم أولئك الذين لا يدركون دقائق الأمور. ولكن من الضروري أن أقول لأولئك الذين يتهمونني أنه لا يلزم الهروب من كل ما يقوله الهراطقة، ولا أن أتحاشاه. لأن (الهراطقة) يعترفون بكثير من الأمور التي نعترف بها نحن. فمثلاً حينما يقول الآريوسيون إن الآب هو خالق كل الأشياء وربها، فهل يتبع ذلك أن نتحاشى هذين الاعترافين؟ وهكذا أيضاً بالنسبة لنسطوريوس، فحتى إن قال إنه توجد طبيعتان مشيراً إلى الاختلاف بين الجسد وكلمة الله، لأن الكلمة له طبيعته، وجسده له طبيعة أخرى مغايرة، ولكن نسطوريوس لا يعترف معنا بالإتحاد.
    2- لأننا حينما نوحدهما نعترف بمسيح واحد وهو نفسه رب واحد. وإذن فنحن نعترف بأن "طبيعة الابن المتجسدة واحدة[121]."[122] ومن الممكن أن يقال مثل هذا الكلام عن الإنسان بوجه عام، لأنه من طبيعتين مختلفتين أي من الجسد والنفس. والفكر والتأمل يدركان هذا الاختلاف، ولكن حينما تتحد الطبيعتان فإننا نحصل على طبيعة واحدة للإنسان، ومن ثم ندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد إلى اثنين[123]. ولكن بما أن جميع الأساقفة الذين من الشرق يظنون أننا نحن الأرثوذكس نتبع آراء أبوليناريوس وأننا نرى أنه قد حدث امتزاج أو اختلاط (لأن هذه هي الكلمات التي استعملوها)، أي كما لو أن كلمة الله قد تغير إلى طبيعة الجسد، وجسده قد تحول إلى طبيعة اللاهوت ونحن قد صفحنا عنهم دون أن نقسم المسيح الواحد إلى اثنين، حاشا. ولكننا نعترف فقط أنه يحدث امتزاج ولا اختلاط، بل إن الجسد كان جسداً لأنه مأخوذ من امرأة، والكلمة هو الكلمة لأنه مولود من الآب. ومع ذلك فالمسيح والابن والرب هو واحد حسب قول يوحنا:"والكلمة صار جسداً " (يو1 : 41).
    ونحن نعدهم ونلفت نظرهم ليقرأوا رسالة بابانا المغبوط أثناسيوس.[124]
    4- فقد كان في عصره أناس محبون للنزاع يقولون أن الله الكلمة شكّل لنفسه جسداً من طبيعته الخاصة. وعلى العكس تماماً فقد أصر أثناسيوس أن جسد الكلمة ليس من الجوهر الذي للكلمة. فإن كان ليس من نفس الجوهر، إذن فهناك طبيعة ما كما أنت هناك بالتأكيد طبيعة أخرى مغايرة، ومن كليهما معاً يعرف المسيح الواحد والوحيد. ويلزم لأولئك ألا يكونوا جاهلين بهذا الأمر، لأنه حيث يكون هناك ذكر للإتحاد، فهو لا يعني أن الاجتماع يحدث من شيء واحد بل من اثنين أو أكثر يختلفان عن بعضهما من جهة الطبيعة. إذن، فإن تكلمنا عن إتحاد فنحن نعترف بإتحاد الجسد ذي النفس العاقلة، مع الكلمة، وأولئك الذين يقولون بطبيعتين يفكرون هكذا أيضاً.
    5- ولكن بمجرد أن نعترف بالإتحاد، فإن تلك الأشياء التي اتحدت لا تعود تنفصل عن بعضها بل يوجد حينئذ ابن واحد وطبيعته واحدة باعتبار أن الكلمة صار جسداً. والأساقفة الذين من الشرق قد اعترفوا بهذه التعاليم[125] رغم أنهم غامضون نوعاً ما من جهة التعبير، لأنه حيث أنهم يعترفون أن الكلمة الوحيد الجنس المولود من الله الآب هو نفسه ولد من امرأة حسب الجسد، وأن العذراء القديسة هي والدة الإله، وأن شخصه واحد، وأنه لا يوجد ابنان أو مسيحان بل واحد، فكيف يتفقون مع آراء نسطوريوس.
    6- لأن نسطوريوس في تفسيراته يدعي أنه يقول بابن واحد ورب واحد ولكنه ينسب النبوة والربوبية لكلمة الله وحده، ولكنه عندما يأتي إلى الحديث عن التدبير، فإنه مرة أخرى يقول أن الإنسان المولود من المرأة هو رب آخر على حده متصل بالأول بمساواة الكرامة. ولكن كيف يمكن القول أن الله الكلمة بهذه الطريقة يُسمّى مسيحاً لأن له اتصال مع المسيح[126]، دون أن يذكر صراحة أن هناك مسيحين، إن كان مسيح له اتصال مع مسيح آخر كواحد مع آخر؟ ولكن الأساقفة الذين من الشرق لم يقولوا مثل هذا القول بل هم يقسمون الأقوال [127].
    7- وهم يقسمون الأقوال بهذه الكيفية، فبعضها لائق بألوهيته، وبعضها الآخر لائق بناسوته، وأقوال أخرى لها وضع مشترك لكونها تليق بلاهوته وناسوته معاً. ومع ذلك فهي أقوال قيلت عن واحد وهو هو نفسه، وليس كما ينسب نسطوريوس بعضها لله الكلمة على حده وبعضها الآخر لذلك المولود من امرأة، كابن آخر. لأن معرفة الاختلاف بين الأقوال شيء، وشيء آخر أن نُقّسِم الأقوال بين شخصين بعضها لواحد وبعضها الآخر لشخص آخر غيره.
    8- ولكن الرسالة إلى أكاكيوس، وخاصة تلك التي بدايتها "مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للإخوة ويستحق الإعجاب [128]"، وهي تحوي دفاعاً حسناً عن كل هذه الأمور[129]، وأنت تحتفظ برسائل كثيرة في خزانتك، ينبغي أن تعطيها بحماس، وتحضر أيضاً إلى المقدم [130] المعظم جداً الكتابين المرسلين مني، الأول منهما بعنوان ضد تجديفات نسطوريوس، والثاني يحوي الأعمال المجمعية ضد نسطوريوس ومشايعيه، والردود التي كتبتها أنا ضد من كتب ضد الفصول [131]، وهذان هما الأسقفان أندراوس وثيئودوريتوس[132]. ونفس الكتاب يحوي في نهايته عروضاً مختصرة حول التدبير الخاص بالمسيح وهي حسنة جداً وكثيرة النفع. وعليك أن تقدم له بالمثل، الرسائل الخمس المكتوبة على الجلود: الأولى منها من المغبوط البابا أثناسيوس إلى أبكتيتوس، والثانية الرسالة المرسلة منا إلى يوحنا [133]، ورسالتان إلى نسطوريوس واحد قصيرة [134] والأخرى طويلة [135]، وأخيراً الرسالة إلى أكاكيوس [136]، لأنه طلب هذه الرسائل منا.

    حقيقة يؤسفني أن يقول هؤلاء، الذين يجب أن يكونوا مثل وقدوة وقديسون، أنصاف الحقائق. والكتاب المقدس يعلمنا أن قول نصف الحقيقة هو أسلوب الشيطان. لأنه يكون كذبٌ خدّاع، يجعل السامع الساذج يُصدق ما يُقال عن النصف لأن النصف الأول كان صحيح. ولننتقل إلى الرسالة التالية، وهي:

    ------------
    الحواشي:
    ------------

    [121] نحن لا نعرض هذه الرسائل لشرح لاهوت القديس كيرلس الكبير، وإنما لتبيان أسلوب أنصاف الحقائق الذي تم ابتاعه لنفي أن القديس كيرلس تبنى التعليم الأنطاكي في نص المصالحة. وسوف نفرد مقالة لدراسة ألفاظ كيرلس الكبير، ثم سنضع بعض أقواله الخريستولوجية من ناحية أخرى. ولكن نود أن نطلب من القارئ أن يتأمل في هذه العبارة بهذه الصيغة التي تنفي أي إمكانية لنسب هذا الإيمان للقديس كيرلس الكبير. لنقوم بالفصل على الشكل التالي: طبيعة الابن المتجسدة هي واحدة. ولنجاوب على هذا السؤال: هل الطبيعة الإلهية هي التي تجسدت؟ أم الأقنوم هو الذي تجسد؟ وبالتالي دعونا نتأمل الجملة على الشكل التالي: أقنوم الكلمة المتجسد هو واحد.
    [122] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: العبارة باليونانية هي:Mian Tyn TOU UIOU Phusiv Sesakwmenyn وفي بعض المخطوطات وردت "طبيعة الله بدلاً من طبيعة الإبن".
    [123] تتحد الطبيعتين، فنحصل على طبيعة واحدة، فندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد... هذا تعليم واضح أن القديس كيرلس يقصد طبيعتين وأقنوم واحد.
    [124] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: هي رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيوس أسقف كورنثوس، وقد ترجمها من اليونانية إلى العربية المرحوم صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد ونشرها بيت التكريس لخدمة الكرازة سنة1981.
    [125] نفس الأمر الذي تكلمنا عنه. لأن الأنطاكيين –أساقفة الشرق- قالوا أن المسيح أقنوم واحد. ولم يأتوا بل رفضوا القول بطبيعة واحدة.
    [126] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يقصد بالمسيح هنا ذلك المولد من إمرأة.
    [127] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: الأقوال التي في الأناجيل والرسائل سواء التي قالها المسيح أو التي قيلت عنه، يفسرون بعضها عن اللاهوت الكلمة والبعض الآخر عن ناسوته.
    [128] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: رسالة 40.
    [129] القديس كيرلس، لم يكفتِ بما عرضه هنا من دفاع عن نص المصالحة وإيمان الأنطاكيين. بل طب إلى الكاهن إفلوجيوس أن يعود إلى الرسالة المرسلة إلى الأسقف أكاكيوس، والتي قرأناها سابقاً.
    [130] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقدم "Preapositio" رتبة عسكرية عالية.
    [131] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقصود هو فصول كتابه ضد تعاليم نسطور.
    [132] قد قرأنا عنهما سابقاً، وثيودوريتوس وقع كل أعمال مجمع أفسس عدا حرمان نسطوريوس، أما الثاني فكان قائد المعارضة ضد كيرلس.
    [133] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 39.
    [134] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 2أو4.
    [135] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 17.
    [136] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 40.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  9. #19
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج4

    رسالة 45: رسالة كيرلس إلى سوكينسوس الأسقف المغبوط جداً أسقف ديوقيصرية في ابرشية إيسوريا
    1- قرأت المذكرة المرسلة من قدسكم وسررت بها جداً، لأنه رغم أن لك المقدرة أن تساعدنا نحن والآخرين بحبك العظيم جداً للمعرفة، إلا أنك تتلطف وتحثنا أن نكتب عما في فكرنا، وهو ما نظن أنه هو نفسه ما تفكر فيه أنت أيضاً وتبعاً لذلك، فبخصوص تدبير مخلصنا، نحن نفكر مثلما فكر أيضاً الآباء القديسون السابقون علينا. لأننا حينما نقرأ كتاباتهم، فنحن نضع فكرهم أمامنا لكي نتبع خطواتهم ولا نضيف شيئاً غريباً على تعاليمهم الصحيحة.
    2- وحيث أن كمالكم تسأل إن كان من المناسب أن نتكلم عن طبيعتين في المسيح أم لا، لذلك فكرت أنه يجب أن أتكلم في هذا الأمر. شخص ما يدعى ديودوروس كان لفترة ما محارباً للروح القدس كما يقولون، وكان في وقت ما في شركة مع كنيسة الأرثوذكس، فبعد أن ترك جانباً كما ظن هو، وصمة الهرطقة المقدونية، سقط في مرض آخر. لأنه فكر وكتب أنه يوجد، على حدة، ابن مولود من نسل داود من العذراء القديسة والدة الإله، وأيضاً على حدة ابن آخر هو الكلمة الذي من الله الآب. وإذ كان كذئب مختف في جلد حمل، تظاهر أنه يقول بوجود مسيح واحد بإطلاق اسم المسيح على الابن الوحيد الجنس الكلمة المولود من الله الآب، حيث أنه على سبيل النعمة ينسب له الاسم، كما يقول هو نفسه، ويدعوه الابن الذي من نسل داود، كأنه متحد بذاك الذي هو الابن بالحقيقة. ولكن ليس كما نمجده نحن بل فقط بحسب التأهيل وبحسب السلطان، وبحسب مساواة الكرامة.
    3- ونسطوريوس صار تلميذاً لديودوروس هذا، وإذ أظلم عقل بكتب ديودوروس، تظاهر بأنه يعترف بمسيح واحد، الابن، والرب، ولكنه هو نفسه أيضاً يقسم الواحد إلى اثنين قائلاً إن الإنسان، بدوره كان متصلاً بالله الكلمة بنفس الاسم، وبمساواة الكرامة (الرتبة)، وبالتأهيل. وهكذا فهو يقسم الأقوال التي قيلت عن المسيح في الكرازة الإنجيلية والرسولية ويقول، إن بعضها يجب أن ينسب إلى الإنسان، وهي الأقوال التي تخص الإنسانية، وبعضها الآخر فقط يليق بالله الكلمة وهي تلك التي تليق بالألوهية. وحيث أنه في مواضع كثيرة يقسم الأقوال ويعتبر على حدة، الواحد الولود من العذراء القديسة كإنسان، وبالمثل على حدة، الابن الكلمة الذي من الله الآب، لهذا السبب، فهو يقوا إن العذراء القديسة ليست والدة الإله، بل بالحري والدة الإنسان.
    4- ولكننا لسنا على استعداد أن نقبل هذه الأمور على أنها حقيقية، بل قد تعلمنا حسب الكتب الحقيقية والآباء القديسين نعترف بابن واحد المسيح الرب أي الكلمة الذي من الله الآب الولود من قبل الدهور بكيفية إلهية وتفوق الإدراك، وأنه في الأزمنة الأخيرة الابن نفسه وُلد لأجلنا حسب الجسد من العذراء القديسة. وحيث أنها ولدت الله المتأنس المتجسد، لهذا السبب فنحن أيضاً نسميها والدة الإله. لذلك يوجد ابن واحد "رب واحد يسوع المسيح" (1كو8 : 6) هو نفسه فبل تجسده وبعد تجسده. فليس هناك ابن هو الكلمة الذي من الله الآب وابن آخر أيضاً من العذراء القديسة. بل نحن نؤمن أنه هو نفسه الذي كان قبل الدهور، هو الذي قد وُلد حسب الجسد من امرأة، ليس أن ألوهية أخذت بداية وجودها أو أنها دُعِيت إلى بداية وجودها بواسطة العذراء القديسة، بل بالحري كما قلت، أن الكلمة الذي كان قبل الدهور، يقال عنه أنه قد وُلد حسب الجسد. لأن جسده هو خاص به كما أن كل واحد منا - بلا شك - له جسده الخاص.
    5- ولكن حيث إن بعض الناس يحسبون علينا آراء أبوليناريوس ويقولون:" إذا قلتم بابن واحد - بحسب تام ومختلط - الذي هو الكلمة الذي من الله الآب متأنساً ومتجسداً، فأنتم بلا شك تبدون أنكم تفكرون وتدركون أن اختلاطاً أي اندماجاً، أو امتزاجاً حدث للكلمة مع جسده، وإلا يكون قد حدث تحول لجسده إلى طبيعة اللاهوت. لهذا السبب فنحن بكل حكمة نجيب على هذا الافتراء بأن الكلمة الذي من الله الآب وحّد بنفسه جسداً حياً بنفس عاقلة بطريقة تفوق الفهم وبكيفية لا يمكن التعبير عنها وجاء إنساناً من امرأة إذ قد صار مثلنا ليس بتغير في طبيعته بل بالحري بالمسرة الخاصة بتدبير تجسده، لأنه سُر أن يصير إنساناً دون أن يفقد ما هو عليه بالطبيعة كإله. ولكن وحتى وإن كان قد نزل إلى الحدود التي لنا "أخذ صورة عبد " (في2 : 7)، فرغم هذا، ظل في سمو ألوهية وفي ربوبيته الطبيعية.
    6- وتبعاً لذلك، فحينما نؤكد إتحاد الكلمة الذي من الله الآب بجسده المقدس ذي النفس العاقلة، وهو إتحاد يفوق الإدراك ويعلو على الفكر، وقد حدث بدون اختلاط، وبدون تغيير، وبدون تحول فنحن نعترف بمسيح واحد الابن والرب، وهو نفسه إله وإنسان، وليس واحداً وآخر، بل هو واحد وهو نفسه، هكذا هو كائن وهكذا يدرك (بفتح الراء). لذلك فهو أحياناً كان يحاور كإنسان حسب التدبير وحسب ناسوته، وأحياناً أخرى كإله يعطي كلماته بسلطان لاهوته. ونحن نؤكد ما يأتي أيضاً. فبينما نحن نبحث كيفية تدبيره بالجسد ونسبر أعماق السر، نرى أن الكلمة الذي من الله الآب تأنس وتجسد وأنه لم يصنع ذلك الجسد المقدس من طبيعته الإلهية بل بالحري أخذه من العذراء مريم. لأنه كيف صار إنساناً لو لم يكن قد لبس[137] جسداً مثل أجسادنا؟ لذلك فعندما نعتبر - كما قلت - كيفية تأنسه نرى أن طبيعتين اجتمعتا احدهما مع الأخرى في إتحاد لا يقبل الانفصام، وبدون إختلاط وبدون تغيير، لأن جسده هو جسد وليس لاهوتاً رغم أن جسده قد صار جسد الله. وبالمثل فالكلمة أيضاً هو الله وليس جسداً، رغم أنه جعل الجسد خاصاً به بحسب التدبير. لذلك فحينما تكون لنا الأفكار، فنحن عندما نقول إنه كان من طبيعتين فنحن لا نحرج الوحدة، ولكن بعد الإتحاد لا نفصل الطبيعتين احدهما عن الأخرى، ولا نجزئ الابن الواحد غير المنقسم إلى ابنين، بل نقول بابن واحد، وكما قال الآباء: طبيعة واحدة متجسدة لكلمة الله[138].
    7- لذلك، فبخصوص فهمنا وبخصوص تأملنا فقط بعيون النفس في كيفية تأنس وحيد الجنس، نقول أن هناك طبيعتين اتحدتا، ولكن المسيح واحد الابن والرب، كلمة الله الآب المتأنس والمتجسد. وإن كان يبدو حسناً، فدعونا نقبل كمثال ما في ذواتنا من التركيب والذي بحسبه نحن بشر، لأننا نتكون من نفس وجسد، ونحن نرى طبيعتين :الواحدة هي طبيعة الجسد والأخرى طبيعة النفس. ولكن هناك إنساناً واحداً من الاثنين بواسطة الإتحاد. ولكن ليس لأن الإنسان مركب من طبيعتين هو إنسانان يحسبان إنساناً واحداً، ولكنه هو نفسه الإنسان الواحد المركب من نفس وجسد كما قلت. لأننا إن كنا ننكر أن المسيح الواحد والوحيد هو من طبيعتين مختلفتين، وأنه لا يقبل الانقسام بعد الإتحاد، فأولئك الذين يحاربون الإيمان المستقيم سوف يقولون:"إن كان الكل طبيعة واحدة فكيف تأنس وأي نوع من الجسد جعله خاصاً به؟".
    8- ولكن حيث أني وجدت في المذكرة تأكيداً معيناً لمثل هذا التعبير بمعنى أن الجسد المقدس للمسيح مخلصنا جميعاً، قد تغير بعد القيامة إلى الألوهية، حتى أن الكل هو لاهوت فقط، لذلك رأيت من الضروري أرد على هذا أيضاً. فبولس المغبوط يكتب في موضع ما حينما يشرح أسباب تأنس ابن الله الوحيد الجنس هكذا:" لأن ما كان الناموس عاجزاً عنه فيما كان ضعيفاً بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد. لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو8 : 3،4). وأيضاً في موضع آخر يقول:
    " فإذ قد شارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس. ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية. لأنه حقاً لم يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم. من ثم كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء" (عب2 : 14،17).
    9- لذلك نقول أنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد أي حركاته المغروسة فينا، فقد من الضروري - لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض - أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعاً للفساد ومريضاً بحب اللذة - خاصاً به. وحيث إنه الحياة ومعطي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكناً أن تمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضاً أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا "ناموس الخطية" (رو7 : 25). لذلك حيث إن الجسد الإنساني صار خاصاً بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث إنه كإله " لم يعرف خطية " (1بط2 : 22)، فإنه اتحد بالجسد وأعلنه خاصاً به كما قلت، فهو نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه (لأنه هو كما هو دائماً) بل واضح أنه لأجلنا. لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضاً تأتي علينا كلها معاً.
    10- ولذلك فقد صار إنساناً، ولم يتخذ إنساناً كما يبدو لنسطوريوس. ولكي نؤمن أنه صار إنساناً، رغم أنه بقى كما كان إلهاً بالطبيعة، لذلك فقد قيل عنه أنه جاع، وأنه تعب من السفر، واحتمل النوم والاضطراب، والحزن، وآلام بشرية أخرى لا لوم فيها.
    11- وأيضاً لكي يعطي يقيناً لأولئك الذين يرون أنه بعد أن صار إنساناً فهو أيضاً إله حقيقي، وكان آيات لاهوته بانتهار البحار، وإقامة الموتى، وصنع أعمالاً أخرى تفوق العقل. واحتمل الصليب أيضاً، لكي بمعاناة الموت بجسده وليس بطبيعة لاهوته، فإنه يصير " البكر من بين الأموات" (كو1 : *18)، ويفتح لطبيعة الإنسان الطريق إلى عدم الفساد، وإذ يسلب الهاوية يحرر النفوس المحبوسة هناك.
    12- وبعد القيامة كان له نفس الجسد الذي كان قد تألم سوى أن الضعفات البشرية لم تعد موجودة فيه، لأنه لم يعد قابلاً للجوع أو التعب أو أي شيء آخر مثل هذه، ومن ثم غير قابل للفساد. وليس هذا فقط بل أيضاً صار معطياً للحياة، لأنه جسد الحياة أي جسد الوحيد الجنس. وهو أيضاً جُعل (بضم الميم) يلمع بالمجد اللائق بلاهوته، ويعرف أنه جسد الله. لذلك حتى إن قال البعض أنه إلهي، كما أنه بالبديهة هو جسد بشري لإنسان، فإنه لم يضل عن التفكير اللائق. ولذلك أظن أن بولس الحكيم جداً قال :" وان كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد " (2كو5 : 16). وحيث أنه جسد الله الخاص - كما قلت - فهو تعالى على كل الأجساد البشرية.
    13- ولكن لا يمكن أن يكون أمراً مقبولاً أن الجسد وهو من الأرض، يتعرض للتغير إلى طبيعة اللاهوت، فهذا أمر مستحيل. لأننا لو قبلنا هذا فإننا ندعي على اللاهوت كأنه شيء صار إلى الوجود وكأنه يضيف إلى ذاته شيئاً لم يكن خاصاً به بحسب الطبيعة. لأنه أمر غير معقول أن يقال أن الجسد قد تحول إلى طبيعة اللاهوت. وبالمثل أن يقال أن الكلمة تحول إلى طبيعة الجسد بالقول أن اللاهوت قد غير نفسه إلى طبيعة الجسد. وكما أن هذا الأمر الأخير هو مستحيل، لأنه (اللاهوت) غير قابل للتغير والتحول، هكذا أيضاً الأمر الأول هو مستحيل لأنه أمر غير معقول أن يتغير أي مخلوق إلى جوهر اللاهوت أو طبيعته. والجسد مخلوق. لذلك، فمن ناحية نقول أن جسد المسيح هو إلهي إذ أنه جسد الله، ونقول انه يلمع بالمجد الذي لا يوصف، وهو غير قابل للفساد ومقدس ومعطي الحياة. ولكن من الناحية الأخرى، فانه لا أحد من الآباء القديسين ولا نحن، فكر أو قال أن (الجسد) تغير إلى طبيعة اللاهوت.
    14- ولا يمكن أن قدسكم تجهلون أن أبانا أثناسيوس المغبوط الذكر، الذي كان لفترة أسقفاً للإسكندرية - بسبب بعض الأشخاص الذين كانوا مضطرين في ذلك الوقت - كتب رسالة إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس، مملوءة بالتعليم الأرثوذكس، وحيث إنه كان فيها دحض لتعاليم نسطوريوس، ولأن أولئك الذين اتفقوا على الدفاع عن الإيمان المستقيم أخذوا منها - بعد قراءتها - برهين، وأخجلوا بها أولئك الذين أرادوا أن يفكروا مثلهم (مثل نسطوريوس)، فهؤلاء (أصحاب نسطوريوس) ارتكبوا أمراً رديئاً يتناسب عدم تقواهم الهرطوقي. لأنهم بعد أن أفسدوا الرسالة بحذف بعض الأجزاء وإضافة أجزاء أخرى فقد نشروها حتى يبدو أبونا المجيد كأنه يتفق مع فكر نسطوريوس والذين معه. لذلك، فلئلا يظهر البعض عندكم النسخة المفسدة (بضم الميم وفتح السين)، كان من الضروري أن نأخذ نسخة مماثلة تماماً للنسخ التي عندنا ونرسلها إلى وقاركم.
    15- ولأن، الوقور جداً والتقي جداً بولس أسقف إيميسا بعد مجيئه إلى الإسكندرية أثار مناقشة حول هذه الأمور (هذه الرسالة)، ووجدنا أن نسخة الرسالة التي أحضرنا قد أفسدت وزيفت بواسطة الهراطقة حتى أنه طلب أن ترسل نسخة من تلك الرسائل التي عندنا إلى الذين في أنطاكية، ونحن قد أرسلنا هذه النسخة. ونحن إذ نتبع تماماً التعاليم المستقيمة للآباء القديسين، فقد وضعنا كتاباً ضد تعاليم نسطوريوس، وكتاباً آخر حيث أن بعض يحرفون معنى المبادئ[139] وأنا أرسلت هذين الكتابين إلى وقاركم حتى إن وُجد بعض من أخوتنا المماثلين لنا في الإيمان وفي الفكر، ولكنهم حمُلوا بحماقات بعض الناس، يظنون أننا قد غيرنا فيما قيل ضد نسطوريوس، يمكن أن يدحضوا بقراءة هذين الكتابين، ويتعلموا أننا وبخناه حسناً وباستقامة كمن ضل (عن الحق) والآن نحن لسنا أقل اهتماماً بمحاربة تجاديفه في كل مكان. ولأن كمالكم تستطيعون أن تفهموا هذه الأمور الهامة جداً، فإنكم ستكونون عوناً لنا بالكتابة وأيضاً بالصلاة.
    هذه الرسالة التي أوصى الأنبا غريغوريوس بقراءتها، ولكن بما أن الأنبا بيشوي يستخدم رسالة رقم 46 فإننا سنودر نصها، كالتالي:

    --------
    الحواشي
    --------
    [137] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: Peforike
    [138] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: باليونانية mian physin Theou Logou cesarkwmenin
    [139] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: يشير إلى الحروم الذي أوردها في رسالة 17 (أنظر الجزء الأول من رسائل القديس كيرلس نشر مركز دراساتالآباء 1988).

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

  10. #20
    https://www.orthodoxonline.org/forum/members/1-Alexius الصورة الرمزية Alexius - The old account
    التسجيل: Dec 2006
    العضوية: 629
    الإقامة: Europe
    هواياتي: اللاهوت ودراسة الأديان والإسلام خاصةً
    الحالة: Alexius - The old account غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3,595

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج5

    رسالة 46: رسالة ثانية إلى سوكينسوس[140] مرسلة من كيرلس جواباً على الأسئلة.
    1- الحق يجعل نفسه واضحاً لأولئك الذين يحبونه، ولكني أظن أنه يخفي نفسه ويسعى إلى أن يحتجب عن أفكار الماكرين. فهم لا يظهرون أنفسهم مستحقين أن ينظروا الحق برؤية واضحة. ومحبو الإيمان غير الملوم يطلبون الرب "بقلب بسيط" كما هو مكتوب (الحكمة1 : 1). لكن أولئك الذين يسيرون في طرق ملتوية ولهم "قلب معوج" (مز100 : 4س) كما قيل في المزامير، يجمعون، لأجل أغراضهم الخاصة حججاً ماكرة لخطط منحرفة، لكي يشوهوا طرق الرب المستقيمة، ويضلوا نفوس البسطاء إلى الاضطرار للتفكير فيما غير صحيح. وأنا أقول هذا بعد أن قرأت المذكرات المرسلة من قداستكم، فوجدت بعض أمور مقترحة فيها وهي غير مأمونة، من أولئك الذين - لا أعلم كيف - أحبوا انحراف العلم الكاذب الاسم.
    2- وكانت اقتراحاتهم هكذا: I.[إن كان عمانوئيل مركباً من طبيعتين، ولكن بعد الإتحاد تعرف طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فيتبع هذا - من جميع النواحي - أن يكون ضرورياً القول أنه تألم في طبيعته الخاصة.]
    3- آباؤنا المغبوطون الذين حددوا الاعتراف المهيب للإيمان قالوا إنه هو نفسه الكلمة الذي من الله الآب، والذي هو من جوهره، والوحيد الجنس، والذي به صارت كل الأشياء، وإنه تجسد وتأنس، وبلا شك نقول، إن أولئك الرجال القديسين لم يكونوا يجهلون أن الجسد المتحد بالكلمة كانت تحييه نفس عاقلة. لذلك، فإن قال أحد إن الكلمة تجسد، فانه يعترف أن الجسد الذي اتحد به (أي الكلمة)، لم يكن بدون نفس عاقلة. وهكذا كما أظن، أو بالحري كما يقال صراحة، فان الانجيلي يوحنا الحكيم جداً قال إن "الكلمة صار جسداً" (يو1 : 14)، ليس أنه اتحد بجسد بدون نفس، حاشا، ولا أنه تعرض للتغير أو التحول، لأنه ظل كما هو، أي إلهاً بالطبيعة، وإذ قد اتخذ لنفسه أن يصير إنساناً أي يصير مثلنا حسب الجسد من امرأة، فقد ظل هو الابن الواحد، فيما عدا أنه ليس بدون جسد كما كان سابقاً أي قبل فترة التأنس التي لبس فيها طبيعتنا. ولكن إذا كان الجسد المتحد به ليس من نفس جوهر الكلمة المولود من الله الآب، وهو متحد بنفس عاقلة، فعلى الرغم أن عقلنا يتصور اختلاف الطبيعتين اللتين قد اتحدتا إلا أننا نعترف بابن، ومسيح، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسداً. وحينما نقول جسداً، فنحن نتحدث عن إنسان.
    4- وتبعاً لذلك، فأي ضرورة هناك أن يتألم في طبيعته الخاصة[141]، إن كان ينبغي أن يقال أنه بعد الإتحاد توجد طبيعة واحدة متجسدة للابن؟. لأنه لو لم يكن في الكلام عن تدبير التجسد أنه يولد ليحتمل الألم لكان قولهم صحيحاً، لأن إن كان الذي ولد ليتألم لم يكن موجوداً، لكان هناك كل ضرورة أن تحدث الآلام لطبيعة الكلمة. ولكن إن كانت خطة التدبير بالجسد كلها موجودة في عبارة "صار جسداً"، [لأنه صار جسداً ليس بطريقة أخرى سوى بأن "يمسك نسل إبراهيم"، "ويشبه أخوته في كل شيء" (في2 : 7)]، إذن فهم باطلاً قد تكلموا كلاماً لا معنى له، أولئك الذين يقولون أنه يتبع ذلك أنه ينبغي على أية حال أن يحتمل الألم في طبيعته الخاصة، لأن جسده خاضع للألم، الذي من جهته يعتبر معقولاً أن يحدث الألم، حيث أن الكلمة غير قابل للتألم. ونحن ليس لهذا السبب نستعبده من أن يقال عنه أنه قد تألم. وكما أن الجسد صار جسده الخاص، هكذا أيضاً فكل ما هو من الجسد ما عدا الخطية وحدها يقال عنه أنه خاص به، حيث أنه أخذه خاصاً به حسب التدبير.
    5- ولكن أولئك الذين من جهة المضادة، سيقولون:
    II.[إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فهناك كل الضرورة أن يقال أنه قد حدث امتزاج واختلاط، كما لو أن الطبيعة البشرية فيه تُصّغر (بضم التاء وتشديد الصاد وفتحها)، وتُسلب. (بضم التاء وفتح اللام].
    6- وأيضاً، فأولئك "الذين يعوجون المستقيم" (ميخا 3 : 9)، جهلوا أنه في الحقيقة توجد طبيعة متجسدة للكلمة. لأنه إن كان هناك ابن واحد، الذي هو بالطبيعة وبالحق الكلمة الذي من الله الآب والمولود منه ولادة تفوق العقل، والذي بحسب اتخاذه جسداً ليس بدون نفس، بل محياً بنفس عاقلة، صار إنساناً من امرأة، فليس لهذا السبب يقسم إلى شخصين وابنين بل ظل واحداً، ومع ذلك ليس بدون جسد ولا خارجاً عن جسده، بل له جسده الخاص بحسب إتحاد لا يقبل انفصالاً. فالذي يقول هذا فهو بأي حال أو بأية طريقة لا يعني امتزاجاً أو اختلاطاً أو أي شيء آخر من مثل هذا، ولن ينتج هذا عن ضرورة منطقية بأية حال. لأنه حتى وان كنا نحن نقول إن ابن الله الوحيد الجنس هو واحد، متجسد ومتأنس، فهو ليس ممتزجاً بسبب هذا كما يبدو لهم. فطبيعة الكلمة لم يتحول إلى طبيعة الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، بل كل منهما ظلت كما هي في ذاتيتها بحسب طبيعة كل منهما، وتعتبران متحدتان بطريقة تفوق الفهم والشرح، وقد ظهر لنا من هذا طبيعة الابن الواحدة، ولكن - كما قلت - متجسدة.
    7- لأنه ليس في حالة ما هو بسيط بالطبيعة يكون فقط تعبير " الواحد" مستعملاً استعمالاً حقيقياً، بل أيضاً من جهة ما قد جمع بحسب التركيب، مثلما أن الإنسان هو كائن واحد، وهو من نفس وجسد.لأن النفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر في الجوهر، ولكن حينما يتحدان يؤلفان طبيعة واحدة للإنسان، على الرغم أنه من جهة اعتبارات التركيب فإن الاختلاف موجود بحسب طبيعة تلك الأشياء التي أتت معاً إلى الوحدة. وتبعاً لذلك فإنهم يتكلمون باطلاً أولئك الذين يقولون :إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فانه من كل جهة ومن كل طريقة سيتبع ذلك أن اختلاطاً وامتزاجاً يكونان قد حدثا كما لو كان ثمة تصغير وسلب لطبيعة الإنسان. لأنها، من جهة لم تُصّغر، ومن الجهة الأخرى لم تُسلب كما يقولون. لأن القول بأنه قد صار جسداً هو كاف كأكمل بيان عن كونه صار إنساناً. لأنه لو كان هناك صمت عن هذا من جهتنا، لكان هناك مجال لافترائهم. ولكن حيث أن القول بأنه قد صار جسداً قد تم الإدلاء به كما هو لازم، فهل يكون هناك مجال للتصغير أو السلب؟[142].
    8- أيضاً III.[إن كان المسيح يقال عنه إله كامل، وان كان يعرف أنه هو نفسه إنسان كامل، وإن كان من نفس الجوهر مع الآب حسب اللاهوت، ولكن بحسب البشرية هو من نفس الجوهر معنا، فأين يكون الكمال إن كانت طبيعة الإنسان لم تعد قائمة؟. وأين هي الوحدة في الجوهر معنا إن كان الجوهر، الذي هو طبيعتنا، لم يعد قائماً؟].
    9- يكفي الحل أو الرد الذي ورد في القسم السابق كتوضيح لهذه الأسئلة أيضاً. لأننا لو كنا قد قلنا طبيعة واحدة للكلمة وصمتنا بعدم ذكر "متجسدة"، كما لو كنا قد وضعنا جانباً تدبير تجسده، فبلا شك فان قولهم يكون مقبولاً بالنسبة لهم، كما يتظاهرون أن يسألوا قائلين:" أين هو الكمال في البشرية أو كيف صار الجوهر المماثل لنا قائماً؟". ولكن حيث أن كمال بشريته والدليل على جوهر مماثل لنا قد قدمناه بقولنا " متجسدة"، فليكفوا عن أن يستندوا على قضيب من القصب.[143] لأن كل من أسقط التدبير وأنكر التجسد فينبغي أن يتهم بحق أن سلب الابن من بشريته الكاملة. ولكن كما قلت، إن كان في القول عنه أنه قد صار جسداً، يوجد اعتراف واضح وغير متلبس بأنه صار إنساناً، فلم يعد هناك شيء يعوق المعنى بأنه: حيث إنه هو الابن والمسيح الواحد والوحيد، فهو إله وإنسان، وكما أنه كامل في لاهوته هكذا هو أيضاً في ناسوته. وبالإضافة إلى ذلك، فان كمالكم قد شرحتم بكل صواب وبفهم كامل، الأمر الخاص بآلام مخلصنا، بدفاعكم بقوة أن ابن الله الوحيد كما يعرف، وكما هو في الحقيقة، الله، لم يحتمل آلام الجسد في طبيعته الخاصة بل تألم بالحري في طبيعته الأرضية.
    10- لأنه كان لائقاً بالضرورة أن نلاحظ من جهة الابن الواحد الحقيقي، أنه لم يتألم لاهوتياً، ونؤكد أيضاً أنه تألم إنساناً لأن جسده تألم. ولكن أولئك يظنون مرة أخرى أننا بذلك نُدخل ما يسمونه هم "تألم الله"، وهم لا يدركون التدبير، بل بخبث شديد يحاولن أن ينقلوا الألم إلى الإنسان بمفرده، وبذلك يصطنعون بغباوة توقيراً ضاراً، حتى أن لكلمة الله لن يعترف به أنه مخلص أعطى دمه الخاص لأجلنا، بل بالحري إنه إنسان منفصل، معتبراً ابناً بمفرده، ويقال أنه أكمل هذا. ولكن التفكير على هذا النحو يلقي بكل خطة التدبير بالجسد بعيداً، ويحول سرناً الإلهي عملياً وبشكل يقيني إلى عبادة إنسان، وهم لا يفهمون أن بولس المبارك قال إن ذاك الذي هو من اليهود بحسب الجسد، أي المسيح، من نسل إبراهيم ويسى وداود هو "رب المجد" (1كو2 : 8) وهو" الله المبارك إلى الأبد" (رو9 : 5) وهو" الكائن على الكل"، مظهراً أن جسد الكلمة هو جسده الخاص، وهو الذي سمر على الخشبة، ولهذا السبب نُسِبَ الصليب له.
    11- وأيضاً: IV [ ولكني أعرف أن هناك شيئاً آخر - بجانب هذه الأمور - يسألون عنه. لأن ذاك الذي يقول إن الرب تألم في جسده مجرداً إنما يجعل الألم غير عقلي وغير إرادي. ولكن إن قال أحد إنه تألم بنفس عاقلة لكيما يكون الألم إرادياً، فليس هناك ما يمنع القول إنه تألم في طبيعة بشرية. ولكن إن كان هذا حقيقياً فكيف لا نكون مقرين بأن الطبيعتين قائمتان بدون انفصال بعد الاتحاد؟ حتى أنه إن قال أحد أن " المسيح تألم لأجلنا بالجسد" (1بط4 : 1)، فهو لا يقول شيئاً آخر سوى أن المسيح تألم لأجلنا في طبيعتنا ].
    12- وهذه المسألة أيضاً ليست محاربة لأولئك الذين يقولون أن هناك طبيعة واحدة متجسدة للابن. وأصحاب هذه المسألة يناضلون لكي يبرهنوا أن الطبيعتين قائمتان دائماً، راغبين أن يبرهنوا أن هذه الصيغة هي بالحري بلا معنى، ولكنهم قد تجاهلوا حقيقة أن تلك الأشياء التي يتم عادة التميز بينها ليس ذهنياً فقط، تختلف كلية وبنوع خاص احدهما عن الأخرى بكل طريقة، منقسمة ومتنوعة.
    فلنأخذ مرة أخرى مثلنا كنموذج أمامنا. لأننا نعرف أن هناك طبيعتين في هذا الإنسان، احدهما للنفس والأخرى للجسد. ولكن حينما نقسمه ذهنياً وندرك الاختلاف في تأملات عالية، أو تصورات عقلية، فنحن لا نضع الطبيعتين منفصلتين الواحدة عن الأخرى، ولا ننسب إليهما بالمرة في الحقيقة وجوداً فعلياً بواسطة الانقسام، بل نحن ندركهما كطبيعتي إنسان واحد حتى أن الاثنتين لا تعودا بعد اثنتين بل ينتج مهما معاً كائن حي واحد. وتبعاً لذلك، حتى لو تكلموا عن الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية في عمانوئيل، فالإنسانية صارت خاصة الكلمة، وابن واحد يدرك مع ناسوته.
    13- وحيث أن الكتاب الإلهي الموحى به يقول أنه تألم بجسده، فمن الأفضل أن نتكلم نحن أيضاً هكذا بدلاً من أن نقول في طبيعة إنسانيته، حتى لو أن هذا لم يقل بطريقة منحرفة من البعض، فلن يسيئوا بالمرة على أية حال لحقيقة السر. لأنه ما هي الطبيعة الإنسانية سوى جسد حي عاقل، وهو الجسد الذي نقول أن الرب تألم فيه؟. ومن ثم فهم يتكلمون بدقة مفرطة عنه أنه تألم في طبيعة إنسانيته، كما لو كانوا يفصلونها عن الكلمة ويضعونها خارجاً على حدة، ويقصدون اثنين لا واحداً وهو الكلمة الذي من الله الآب، المتجسد والمتأنس. ويبدو لنا أن لفظة " غير المنقسم" التي أضافوها لها أهمية كبيرة في التعليم المستقيم. ولكنهم لا يفكرون على هذا النحو، أن كلمة " غير المنقسم" عندهم يفهمونها بمعنى مختلف بحسب كلمات نسطوريوس الفارغة. لأنهم يقولون أنه بواسطة المساواة في الكرامة والمماثلة في الإرادة وبواسطة السلطان، فان الإنسان الذي سكن فيه الكلمة الذي من الله، غير منقسم عنه، حتى أنهم لا يفهمون هذه الكلمات ببساطة بل ببعض المكر والخبث. فهو[144] يقول أن كلمة الله على حدة يسمى المسيح، وله اتصال غير منقطع مع المسيح. لذلك ألا يقول هو بكل وضوح بمسيحين؟ ألا يعترف أنه يكرم إنساناً. ليست أعرف كيف - وهو الذي يُعبد من الله؟. ألا يظهر أن أقواله هذه ليست لها علاقة بأقوال أساقفة الشرق؟ أليست أفكاره متناقضة؟ لأنه يقول بوضوح إنه يوجد اثنان، أما هم فيعترفون أنهم يعبدون مسيحاً واحداً وابناً وإلهاً...إلخ.


    وهذه الرسالة، أيضاً تشبه سابقيها، بأن القديس لا يعزو فقط الصلح من أجل السلام. بل نجده يُدافع عن الإيمان المعلن في نص الصلح، ويتبناه.

    --------------
    الحواشي
    ---------------
    [140] القديس يوحنا الدمشقي يستخدم هذه الرسالة ليشرح فيها فكر القديس كيرلس حول وحدة أقنوم يسوع وطبيعتيه.
    [141] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: هذا ما قال به المعترضون (أنظر نهاية فقرة2 في هذه الرسالة)
    [142] هذا ما سوف يقوله اوطيخا لاحقاً.
    [143] القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، 50: 2: "وعليه إن المغبوط كيرلس، في رسالته الثانية إلى صوكنصين، يقول هكذا، وهو يفسر عبارة "طبيعة كلمة الله الواحدة المتجسدة".
    لو كنّا قلنا: طبيعة الكلمة الواحدة وصمتنا، غير مُضيفين إليها المتجسّدة، بل أعرضنا بذلك عن التدبير، ربما كان لمن يحاجّون بسؤالاتهم كلامٌ أيضاً غير مستنكر، وإذا كان الكل طبيعة واحدة، فأين الكمال في الناسوت؟ أو كيف حصل الجوهر الذي هو على مثالنا؟ ولكن بما أنّ الكمال في الناسوت وإيضاح الجوهر الذي هو على مثالنا قد حصلا بقولنا المتجسدة، فلكيفَّ إذاً هؤلاء عن وضع قضيب من قصب مكانهما!". إن كيرلس إذاً يستعمل هنا طبيعة الكلمة بدل الطبيعة. فلو كان قد استعمل الأقنوم بدل الطبيعة، لما كان مستنكراً أن يقول ما قاله بمعزل عن المتجسدة. وإننا لا نتردّد في قولنا جازمين. أقنوم كلمة الله الواحد. وكذلك فإن لاونديوس البيزنطي أيضاً قد فهم بأن ما يُقال عن الطبيعة ليس بمضادّ لما يُقال عن الأقنوم. والمغبوط كيرلس -في احتجاجه على تفنيد ثاودوريتوس بشأن الحرم الثاني- يقول هكذا: "إنّ طبيعة الكلمة أي الأقنوم، وهو الكلمة نفسه". لذلك فإن المقول بطبيعة الكلمة لا يعني الأقنوم وحده ولا ما هو عام للأقانيم، بل الطبيعة العامة في أقنوم الكلمة باعتبارها ككلّ.
    نخبة من التعابير المعتاد سماعها والمقبولة: إذاً إنها لعبارة تُقال بأن طبيعة الكلمة قد تجسدت أو أنها اتحدت بجسد. ولم نسمع قطّ حتى الآن أنّ طبيعة الكلمة تألمت بالجسد. لكننا تعلّمنا أنّ المسيح تألم بالجسد. ونستنتج من هذا أنه لا يبدو أنّ القول بطبيعة الكلمة يعني الأقنوم. بقي إذاً أن نقول بأن التجسد هو الاتحاد بجسده، وإنّ الكلمة يصير جسداً هو أنّ أقنوم الكلمة نفسه يصير جسداً بدون استحالة. -وإنّه يقال بأن الله صار إنساناً وصار الإنسان إلهاً. لأنه لمّا كان الكلمة إلهاً فقد صار إنساناً بدون تغيير. أمّا أن يقال بأن اللاهوت صار إنساناً أو أنه تجسّد أو أنه تأنس فلم نسمعه قط. وقد تعلّمنا بأنّ اللاهوت قد اتحد بالناسوت في أحد أقانيمه. ويقال إنّ الله يتنكّر أو يتجوهر بالغريب أو بما هو على مثالنا فإنّ كلمة الله تصحّ في كل الأقانيم، أما كلمة لاهوت فلا يمكننا قولها عن أقنوم لأننا لم نسمع بأن كلمة لاهوت تُقال في الآب وحده ولا في الابن وحده ولا في الروح القدس وحده. لأن اللاهوت يدلّ على الطبيعة والآب يدل على الأقنوم كما يدلّ الناسوت على الطبيعة وبطرس على الشخص. وإن كلمة الله تعني ما هو عام في الطبيعة وتدلّ بالتساوي على كل الأقانيم، وكذلك كلمة إنسان. فإنه هو الله ذاك الذي يحصل على طبيعة إلهية، وهو إنسان ذلك الحاصل على الناسوت."
    [144] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: تشير طبعة ميني P.M.G ا انه ابتداء من هنا يكرر القديس كيرلس ما سبق أن ذكره في رسالة 40 فقرة13... انتهى.
    ونحن أيضاً لن نضيفها، ولكن نذكر بضرورة قراءة هذه الرسالة الذي فيها يقوم القديس كيرلس بالدفاع وشرح تعليم أساقفة الشرق، الأنطاكيين، من خلال نص المصالحة. مما ينفض الادعاءات الكاذبة حول أسباب الصلح.

    †††التوقيع†††

    تنبيه
    هذا الحساب معلق! وفي حال أردت مراسلتي الرجاء الانتقال لهذا الحساب
    إن كان لديك أي شكوى أو اقتراح أو رأي...إلخ. يمكنك مباشرةً مراسلتي على الخاص

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. تقرير أعمال اليوم الثاني من المجمع الإنطاكي المقدس
    بواسطة Gerasimos في المنتدى الأخبار المسيحية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2010-08-19, 08:15 PM
  2. المجمع الانطاكي المقدس
    بواسطة frEsber في المنتدى الأخبار المسيحية
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 2010-08-17, 01:48 PM
  3. قرار المجمع الأنطاكي المقدس
    بواسطة Paraskivy في المنتدى الأخبار المسيحية
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 2009-06-30, 12:01 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •