أهم الشخصيات التي سنتعرف إليها لاحقاً هي:

البابا لاون
أسقف القسطنطينية الشهيد فلابيانوس
أسقف دوريليم أوسابيوس
الملكة بوليخيارية
أسقف الإسكندرية ديسقوروس
الأرشمنديت أوطيخا

أعتقد عن نفسي أن أهم شخصية محورية بين هذه الأسماء، وخلال العشرين سنة الفاصلة بين هرطقة نسطوريوس وهرطقة أوطيخا، هو الأسقف أوسابيوس.
لأن هذا الأسقف الذي كان مُحامياً قبل أسقفيته، هو أول من جاهر بهرطقة نسطوريوس. فكان له الفضل الأول في شرارة محاربة هذه الهرطقة، وهو هو نفسه بعد عشرين عاماً كان أول من جابه هرطقة أوطيخا. فنحن أمام شخص يجحد نسطوريوس من الدرجة الأولى. وقد كان أوسابيوس أصلاً زميلاً لأوطيخا، وكيرلس الكبير، في الحرب اللاهوتية ضد نسطوريوس. ولكن سرعان ما لاحظ أن أوطيخا بدأ يتطرف في تعليم القديس كيرلس.
الشخصية الثانية، هي القديس البابا لاون الكبير. هذا القديس هو الذي طلب إلى القديس يوحنا كاسيانوس، عندما كان في روما، أن يقوم بتأليف كتاب عن التجسد الإلهي ليفنّد فيه هرطقة نسطور، ومن ثم قام بتقديم الكتاب. فنحن أيضاً أمام محارب صنديد لنسطور وهرطقته. ولمن يرغب بقراءة الكتاب: "On the Incarnation of the Lord (Against Nestorius)"
الملكة بوليخارية القديسة، وهي أحد الأشخاص الذين ساعدوا كيرلس الكبير في عقد المجمع المسكوني الثالث، وكانت من الأشخاص المحسوبين بصفه. ولذلك سنجد آباء الإسكندرية يهتفون باسمها في أعمال المجمع الخلقيدوني، مما يدل صداقتها لكرسي الإسكندرية وجحدها لهرطقة نسطوريوس.
الشهيد فلابيانوس، هو ليس بصانع أحداث، بقدر ما هو الحدث بنفسه.
ديسقورس، ويمثل بحق الجهة التي عارضت الصلح مع أنطاكية، وينطبق عليه قول الأنبا غريغوريوس بأن البعض اتهم القديس كيرلس بالنسطورية.
أوطيخا، هذا الأرشمندريت هو محور القصة كاملة. فبعد أن كان صديق كيرلس وأوسابيوس في ضد نسطوريوس، أصبح صاحب بدعة الطبيعة الواحدة.

ما هو دستور الإيمان حتى الآن؟

هنا يكمن ذكاء أوطيخا وصحبه. فكما قلنا إن المجمع المسكوني الأول قد حدد أن المسيح، الإله المتجسد، له ذات الطبيعة الإلهية مع أبيه. دون أن يأتي على ذكر الطبيعة البشرية.
ثم جاء المجمع المسكوني الثاني وحدد أن الابن قد تجسد من مريم العذراء. ولكن لم يُعترف بمسكونيته حتى 451 م.
وجاء مجمع أفسس، المسكوني الثالث، ورفض أي إضافة على دستور نيقية، وتجاهل كلياً القسطنطينية الأول، وحدد بحسب تعليم كيرلس أن المسيح شخص واحد. وأن هذا الشخص تجسد، ولكن بقيت طبيعته الإلهية كما هي.
فمن هنا جاء أوطيخا ومن جرى مجراه وقال: بما أفسس يصر على تعليم نيقية الأولى ويقول أن لدينا طبيعة واحدة متجسدة، فإذاً نحن لدينا إن جمعنا هاتين العبارتين: طبيعة واحدة إلهية متجسدة. ولا يجوز لنا أن نتكلم عن الطبيعة البشرية في المسيح، ولكننا لا ننكر أنه قد تجسد.
فقال مقولته بأن في المسيح طبيعة إلهية واحدة، دون أن ينفي التجسد. فهو كما سنرى يقول بطبيعة متجسدة، ولكن هذا الطبيعة الواحدة هي إلهية لأنه هكذا سنّت القوانين القديمة. أي أنه كان وفياً لدستور نيقية وشرح كيرلس وأفسس ما قبل المصالحة. طبعاً لم يكن وفياً بالمعنى الإيجابي، ولكن بالمعنى السلبي. أي أنه تمسك بحرفية النصوص، من أجل إعلان هرطقته.
ولكن هل كان ديسقوروس أرثوذكسياً؟
إن ما سيأتي من أعمال مجمع خلقيدونية، سنرى فيها أن ديسقوروس وأساقفته يرفضون الاعتراف بمجمع القسطنطينية الأول أي المجمع المسكوني الثاني. ويرفضون زيادة "تجسد من الروح القدس ومريم العذارء وتأنس".
ويقول ديسقورس في أعمال المجمع أيضاً: أقبل الذي من طبيعتين ولا أقبل الذي في طبيعتين.
والسؤال هنا: هل كان وجود لطبيعتين قبل التجسد...
وإذا قارنا ما سنضعه الآن من أقوال لديسقوروس مع ما حدث في التاريخ، طبيعة إلهية واحدة، متجسدة، وأقنوم واحد في المسيح يسوع.
1) أعرف تماماً أنه ولد من الآب بكونه الله، وفي نفس الوقت ولد من مريم كإنسان.[191]
2) رأه الناس ماشياً على الأرض، ورأوه خالق القوات السمائية بكونه الله.[192]
نلاحظ هنا في القولين، يأتي على الكينونة الإلهية، ولكنه بالنسبة للناسوت فهو يستخدم نفس أسلوب أبوليناريوس، وأوطيخا وكيرلس الكبير قبل المصالحة، وهو عدم التركيز على الطبيعة البشرية. لا نجد في القولين أعلاه، ما يؤكد وجود طبيعة بشرية. وخاصةً لو أخذنا هذه الأقوال في عصرها التي قبلت بها.
ولذلك سنسأل سؤال طبيعي: هل بالفعل كان أوطيخا قادراً على خداع ديسقوروس؟
إنها كذبة يتم تلفيقها.
لأن ديسقوروس عقد مجمعاً محلياً برّأ فيه أوطيخا. فكيف برّأه إن لم يسمع إيمانه؟
وسنجد لاحقاً في أعمال المجمع الأفسسي الثاني، من يلمح بالكلام إلى أن أوطيخا هرطوقياً ولكن لن نجد أن ديسقوروس سيقوم باستجوابه والتأكد من هذه التهمة.
ثالثاً عدم قراءة طومس لاون
كلها أمور تدل على أن ديسقوروس كان أوطاخياً.

فمع احترامي، لكل القامات، التي تكلمت واتخذت من ذريعة عزل ديسقوروس لأسباب أخلاقية، أدبية، وإدارية. إلا أنهم لم يكونوا آمينين في استخلاص النتيجة من سائر أعمال المجمع.
لأننا سنرى آن آباء المجمع سيقولون للأساقفة السكندريني لماذا لا تلعنوا ديسقوروس وأوطيخا مع سائر الهراقطة؟ وسيضعون اسم ديسقوروس في أكثر من موضوع مع نسطوريوس وأوطيخا.
صحيح أن المجمع لم يدينه من أجل العقائد، ولكن لأن ديسقوروس رفض الحضور والمثول أمام المجمع. وسنرى أن إدانة ديسقوروس الإدارية والأخلاقية والأدبية قد تمّت منذ الجلسة الأولى، بقرار من القضاء وممثلي الأمبراطور.
ولكن الأساقفة حينها لم تصادق، بل تم تأجيل الحكم إلى ما بعد.

-وبالنسبة لموضوع عقد المجمع الافسسي اللصوصي، لقد وجدنا سابقاً أن القديس كيرلس قد أرسل يسال نسطوريوس عن هرطقته. فلو كان ديسقوروس يستحق خلافة كيرلس الكبير، ولو كان الإيمان يهمه، لماذا لا نراه يراسل فلابيانوس ويستوضح منه مشكلة أوطيخا؟ هذا ما سنعرفه من خلال أعمال المجمع. طبعاً ناهيك عن أنه قد برّأ أوطيخا، متعدياً على القوانين الكنسية التي لا تجيز له تبرئة من هو ليس في حدود ابرشيته.

لن نطيل كثيراً في الكلام، وسنترك للكتاب أن يتكلم.

والآن سننتقل إلى أعمال المجامع الثلاثة: القسطنطينية 448، أفسس اللصوصي 449، وخلقيدونية العظيم المقدس 451.
وكل هذه الأعمال هي مدونة في كتاب، يقول عنه الأقباط أن الكنيسة الكاثوليكية قد ندمت على طباعته.
فلنقرأ هذه الأعمال...

------------
الحواشي
------------
[191]الأب تادرس يعقوب ملطي، الاصطلاحان طبيعة وأقنوم، ص 20
[192] المرجع السابق