المسيح ، الشخص الإفخارستي
أولا : الإفخارستيا
1- رمزية أركان وجودنا الحيواني العتيق ، في هذا العالم
. لاشك أن الطعام والغذاء هو أحد أهم أركان وجودنا البيولوجي . والمعنى البسيط هو أن الأكل يعني الحياة البيولوجية ، الحيوانية . ولكن الطبيعة الإنسانية قد كشفت بعدا آخرآ لحدث الأكل ، فقد أصبح للأخير بعد إحتفالي ؛ فتكاد تتم أغلب المناسبات الإنسانية الإحتفالية على خلفية الولائم وشركة الأكل بين جميع المحتفلين .
إذن ، هناك معنيان أساسيان وراء الأكل والطعام : معنى الحياة والوجود ، ومعنى الشركة مع الآخر . ولكن حقيقة الصورة المعزولة للطعام ولحدث الأكل تفشل في تحقيق هذين المعنيين ، واقعيا ؛ فيظل الإنسان يأكل ولكنه في النهاية يموت ، ويظل الإنسان يشارك الآخرين طقس الطعام ولكنه في النهاية يبقى معزولا عن الآخر فلاتضمه به شركة كيانية حقيقية .
ولكن في الإفخارستيا يتحول المعنى إلى رمز يمتلئ في المسيح فيتكشف معنى الحياة والوجود كرمز للحياة الأبدية التي يتم نوالها في المسيح . ويتكشف معنى الشركة كرمز للشركة في حياة الكلمة المتجسد والشركة مع جميع أفراد الكنيسة القديسين الآخرين ، في الجسد الواحد الذي للمسيح .
. الإفخارستيا هي شركة الحياة الأبدية في كيان المسيح المستوعب للكل . وفيما فشل الطعام المادي أن يحقق المعنى الذي يشير إليه - من وجود أبدي ومن شركة مع الآخر - فقد نجحت العضوية في المسيح ( بالإفخارستيا ) في تحقيقه ، لذلك فهي الطعام الباقي ، وهي الخبز الحي النازل من السماء ، هي المأكل الحق والمشرب الحق .
2- طبيعة وجودنا الروحاني الجديد ، في المسيح
. الإنسان الجديد ، آدم الأخير ، الذي من السماء ، القائم من الموت والمنتصر على الفساد الطبيعي بفضل الكلمة الحال فيه هو - بحسب تعبير الرسول بولس في ( 1كو 15 ) - جسم روحاني ، عوضا عن الجسم الحيواني ، الترابي ، الذي من آدم الأول . ولم يكن ذاك مجرد جسم روحاني حي بل صار " روحا محييا " ، صار رأسا للوجود الروحاني ، الجديد ، عديم الفساد ، للإنسان . وفي الإفخارستيا تتدفق الحياة الروحية الأبدية من رأس هي الرب يسوع ، الابن البكر ، إلى جميع أعضاء الجسد . وبامتلاء وتكميل الحدث الإفخارستي يكتمل بنيان الكنيسة ، يكتمل بنيان جسد المسيح .
الأكل الإفخارستي ليس أكلا بالمفهوم البيولوجي بل هو ولوج إلى الوجود الروحاني الجديد في المسيح ، هو دخول إلى الطبيعة الجديدة عديمة الفساد القائمة من الموت . وفي الأكل الإفخارستي نحن نتجاوز ونتخطى ظاهر صورة الأكل البيولوجي الطبيعي إلى جوهر الحدث المحمول بقوة الرمز ، في الروح القدس ، إلى شركة الحياة الأبدية ، في المسيح .
. في الإفخارستيا نحن نرتحل من صورة وجودنا العتيق إلى المسيح .
نحن نتحول إلى المسيح وليس هو الذي يتحول إلينا .
نحن لانبتلعه لنسكنه في بطوننا ، بل هو الذي يختطفنا لنسكن ونستوطن في جسده ، كأعضاء .
نحن لانجعله عتيقا مرة أخرى ، بتعاطينا البيولوجي معه ، بل هو يجعلنا جددا ، بتعاطيه الروحاني معنا .
نحن نتناوله ، أي نحن نصير إياه ، نصير مسيحا .
3- طبيعة شخص المسيح
. لم تذكر الأناجيل التي رصدت مشهد التأسيس الإفخارستي أن الرب يسوع قد أكل مع تلاميذه من الخبز أوشرب من الخمر اللذين قسمهما عليهم بعد تناولهم الفصح ، بل أنه بعد أن أخذ الخبز وكسره وقسمه عليهم قال لهم : " خذوا ( اقبلوا ) كلوا . هذا هو جسدي " ( مت26: 26 ) ،" هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم . اصنعوا ( أثمروا ) هذا لذكري " ( لو22 : 19 ) . وأيضا أخذ الكأس قائلا : " اشربوا منها كلكم ، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا "( مت26 : 27 ) .
وكأن لسان حال السيد : " كما أخذت ( قبلت ) أنا في جسدي الخاص ، خذوا ( اقبلوا ) أنتم أيضا . فإن صنعتم هذا صرتم أعضائي وأنا صرت رأسكم ، فهذا الذي تثمرونه هو جسدي الذي يستوعبكم جميعا "
. وبالفعل قد كان جسد الرب يسوع التاريخي هو أول كيان بشري يعتمل فيه الحدث الإفخارستي ؛ فبتجسد الكلمة صار لجسده الخاص ، الرب يسوع ، الحياة وعدم الموت بالقيامة من الأموات بفضل الكلمة الحال فيه ، فأكلت فيه الطبيعة البشرية وشبعت وامتلأت . ولكن هذا لم يكن نهاية الأمر فقد صار جسد الكلمة الخاص نبعا للحدث الإفخارستي الفائض على الجميع لكي مايصير لهم الإمتلاء ، فيه ، " فقد رأينا مجده ،... مملوءا نعمة وحقا ... ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ، ..." ( يو1 : 14-16 ). إن ناسوت يسوع ، ذاته ، قد أكل وشبع وصار مصدرا لشبع الجميع .
. ووفقا للدقة اللاهوتية المطلقة لكلمات الإنجيل ، نحن نقول بأننا نأكل جسد المسيح . ونقول بأن الكنيسة هي جسد المسيح ، ولانقول بأننا نأكل جسد يسوع أو أن الكنيسة هي جسد يسوع . والفرق دقيق جدا وهام جدا ؛ فمعنى أننا نأكل جسد المسيح هو أننا نصير جميعا مشتركين في المسيح ، ذلك الكيان الكاثوليكي الذي يستوعب الجميع والذي رأسه هو الرب يسوع التاريخي . فيسوع هو خمير الإفخارستيا الذي بواسطته يختمر كل عجينها صائرا كنيسة ، صائرا مسيحا مستوعبا للجميع .
نحن نقبل من الرب يسوع كل مايملأنا ، وحينئذ نستطيع أن نملأه ، كشخص المسيح المستوعب للكنيسة .
نحن لانأكل ناسوت الرب يسوع التاريخي ، بل نأكل ونمتلئ حينما نتقبل الفيض الإفخارستي النابع منه والممتد فينا محققا انتماءنا إليه كأعضاء ، ومحققا - في ذات الحدث - انتماءه إلينا كرأس .
. لقب الرب يسوع التاريخي بلقب " المسيح " . وشخص المسيح هو الشخص الإفخارستي ، هو الشخص الآتي الآن في البشر ، في الكنيسة . وإن كان الكلمة بتجسده قد أشبع جسده الخاص ، فمتى امتد هذا الشبع ، إفخارستيا ، إلى كل أعضاء الكنيسة - وامتلأ شخص المسيح بلملمة أعضاءه المشتتين في الزمان والمكان - استعلن شبع الجميع ، فيه .
ثانيا : الشخص الإفخارستي
. من منظور الكنيسة يبدو الحدث الإفخارستي هو سر تكريس وتحقيق وجودها ككنيسة ، وجودها كجميع أعضاء جسد المسيح ، وفي ذلك يقول الرسول بولس : " وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا ، والبعض...لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة ، لبنيان جسد " المسيح "، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل . إلى قياس قامة ملء " المسيح "...ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس : "المسيح "، الذي منه كل الجسد مركبا معا ، ومقترنا بمؤازرة كل مفصل ، حسب عمل ، على قياس كل جزء ، يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة ." ( أفس 4 : 11-16 ) .
. ولكن إذا كان الحدث الإفخارستي - من منظور الكنيسة - يعني كشف وتجلي الكنيسة جسدا للمسيح ، فماذا يعني ذلك من منظور شخص المسيح ، نفسه ؟ ألا يعني ذلك أن الإفخارستيا هي سر امتلاء شخص المسيح بامتداده في الكنيسة ؟ ألا يعني ذلك أن كيان المسيح الممتلئ هو كيان يتحقق متعاظما متناميا منطلقا من شخص الرب يسوع التاريخي الكلمة المتجسد ليبلغ كمال امتلائه باستيعابه لجميع أفراد الكنيسة كأعضاء فيه ؟
. إذا كان الأمر هكذا ، فالمسيح هو الشخص الإفخارستي الذي يتحقق ويتكمل منطلقا من مركزه الرب يسوع . هو جسد يتكمل وينمو منطلقا من رأسه . هو بيت الله الذي يتكمل منطلقا من حجر زاويته . وفي ذلك يقول الرسول بولس : " فلستم إذا بعد غرباء ونزلا ، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله ، مبنيين عل أساس الرسل والأنبياء ، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ، الذي فيه كل البناء مركبا معا ، ينمو هيكلا مقدسا في الرب . الذي فيه أنتم أيضا مبنيون معا ، مسكنا لله في الروح ." ( أفسس 2 : 19- 21 )
. المسيح ، الشخص الإفخارستي هو الشخص الذي يتحقق - ويجيء ، ويظهر ، ويستعلن - الآن ، بإظهاره للكنيسة جسدا له بامتداده فيها ، واستيعابه لها ، وامتلائه بها ، وتعظمه وتضخمه فيها .
. المسيح ، الشخص الإفخارستي هو الشخص المتنامي من داخله نحو الخارج بأن يضم الذين هم في الخارج ، أي شعب كنيسته ، فيتعظم بهم وينمو فيهم ويبلغ كماله بوجودهم فيه ، كأعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه .
. المسيح ، الشخص الإفخارستي هو الشخص الذي يتكمل الآن في الكنيسة ، ومتى تم ذلك يكون قد اكتمل مجيء الرب ، يكون قد اكتمل مجيء ابن الإنسان .
خلاصة
مفهوم الشخصية الإفخارستية للمسيح هو أن شخص المسيح ، بظهوره في تاريخ البشر في شخص الرب يسوع التاريخي الكلمة المتجسد ، قد ظهر ككيان يتضخم ويتنامى - كميا - بضم أفراد الكنيسة - المبعثرين في الزمان والمكان - كأعضاء في جسده . هو يتنامى ويتضخم الآن ، وسيظل هكذا إلى الحد الذي فيه يستعلن جميع أفراد الكنيسة . سيظل يتنامى ويتضخم إلى أن يمتلئ بجميع الأعضاء اللازمين لجعله جسدا كاملا . وحينئذ فقط يكون قد اكتمل الحدث الإفخارستي ، يكون قد امتلأ شخص المسيح ، يكون قد امتلأ الشخص الإفخارستي .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات