شخص المسيح ، المتفرد


يمكننا أن نرصد تفرد شخص المسيح من جهة هويته كشخص يثمره الاتحاد الأقنومي بين عنصرين : الله والإنسان . وأيضا نستطيع أن نرصد تفرد كل عنصر من العنصرين ، على حدة ، كالآتي :

1- تفرده ، كشخص الكلمة المتجسد

كلمة " شخص " - بالرغم من بساطتها الظاهرة - هي كلمة عميقة جدا ، ويكاد يكون عدم سبر أغوارها هو الباعث الأساسي لجميع الهرطقات التي شكلت تحديا للفكر الخريستولوجي على مر العصور . وليس أدل على ذلك من هرطقة نسطور ، التي كانت تعني بكل بساطة أن الرب يسوع المسيح ليس " شخصا " ؛ فما يعنيه أن للرب طبيعتين - حسب زعمه - هو أننا بصدد " مسيحين " لا مسيح واحد : مسيح اللاهوت ، ومسيح الناسوت ( طبيعة اللحم والدم ) !
ولكي ندرك عمق مفهوم " الشخص " وضلوعه في وجودنا أكثر مما نتخيل أو نتصور، نعود بالقضية إلى أصولها فنناقش بعض الأمثلة :
. هوية المادة - كمادة ، كما نختبرها في هذا العالم وكما كشفها العلماء - هي ثمرة تواجد متبادل ( أو احتواء متبادل أو ضمنية متبادلة ) بين ظاهر المادة الذي نختبره وندركه بحواسنا وبين باطنها الذي هو منظومة معقدة من القوانين الطبيعية المفعلة بصور مختلفة من الطاقة . المادة والطاقة صورتان ووجهان لعملة واحدة ، وإمكانية تحول صورة إلى أخرى تبقى من أعظم الحقائق التي كشفها العلم ، بفضل عبقرية أينشتين ومعادلته الشهيرة .
خلاصة القول هي أن هوية " المادة " - كمادة - هي في "الضمنية المتبادلة " بين ظاهر المادة المحسوس وباطنها الخفي ، وأما فض تلك العلاقة ، فض تلك الهوية ، فهو انهيارالمادة وفناؤها .
. أيضا هوية الوجود البيولوجي ( الحيواني ) هي ثمرة " ضمنية متبادلة " بين ظاهرمحسوس هو " اللحم والدم " وباطن خفي هو " الفسيولوجي " الذي يستعلن كل مظاهر الحياة البيولوجية ، في منظومة أكثر تعقيدا للقوانين الطبيعية مما هو كائن في المادة غير الحية . وأما فض تلك العلاقة فمعناه الموت البيولوجي .
. وأيضا هوية الوجود البشري هي ثمرة " ضمنية متبادلة " بين الجسد البشري الظاهر والنفس البشرية العاقلة ، التي تمثل قمة هرم الوعي الكوني ( كبنية معقدة من القوانين الطبيعية ) .
الإنسان هو النفس البشرية المستعلنة جسدا بشريا . والإنسان ، أيضا ، هو الجسد البشري المستعلن نفسا بشرية . وأما فض تلك العلاقة من الإحتواء المتبادل بين النفس والجسد هو " الموت " للنفس وللجسد في ذات الوقت .
إذن ، الهوية الشخصية هي سر وجود كل ما هو موجود . فالوجود هوية شخصية ، والعدم هواللاهوية واللاشخصية .
وأما هوية " شخص المسيح "، الكلمة المتجسد فهي قائمة ومحققة كثمرة للاتحاد الأقنومي ( الشخصي ) ( Hypostatic Union) بين لاهوت الكلمة المتجسد وناسوت الكلمة المتجسد . وأما قبل - أو بعد - الاتحاد (بالتجسد ) فلا وجود منعزل أو مستقل أو منفصل لأي عنصر من عنصري الاتحاد ، ويظل التعبير الوحيد الصحيح عن الاتحاد الأقنومي هو في قدرتنا أن نقول- فقط - أن الرب يسوع هو الله الكلمة ، وهو قدرتنا أن نقول أيضا - فقط - أن الرب يسوع هو الإنسان الكامل ؛ فكلا العبارتين صحيحتان لأن إنسانية الكلمة المتجسد تستوعب لاهوت الكلمة المتجسد - بنفس القدر - في تلازم وتزامن لاستيعاب لاهوت الكلمة المتجسد لإنسانية الكلمة المتجسد .وفقط في هذه الضمنية المتبادلة بين العنصرين يتجلى عمق الاتحاد الأقنومي المحقق لشخص المسيح .
والأمر بخصوص " شخص " المسيح ليس انقطاعيا - كما يبدو في ظاهره - بالنسبة للمفهوم العام الذي رصدناه للشخص بخصوص الوجود الطبيعي في كل الخليقة ، فحقيقة الأمر هي أن شخص المسيح يمثل قمة تجلي مفهوم هوية الشخصية الكونية . فالقضية تبدو مفهوما متصلا ( continuum ) يمكن رصده ؛ فما قصدناه بتعبير " الوعي " الكائن في أعماق المادة ، والمتمثل في منظومة القوانين الطبيعية - والذي يتطور ويتعقد ليبدو وعيا حيا ( في الوجود البيولوجي ) ، ويبلغ ذروة تطوره وتعقيده بظهور الوعي البشري ( النفس البشرية ) - هو هذا الطيف من الاحتمالات المتصاعدة ، تعقيدا ، لمفهوم الهوية ( الشخص ) . ذلك الطيف الذي يستعلن مستويات متصاعدة من كثافة حضور الكلمة في الخليقة ؛" فكل شيء به كان" وهو حاضر ، وحضوره مستعلن في كل موجود . ومن هنا نستطيع أن نقول بأن ظهور" شخص " الكلمة المتجسد في الكون ليس حدثا تعسفيا، بل أن ذاك الذي هو حاضر في كل ما يمكن أن نرصده من " شخوص وهويات " ، هو ذاته قد ظهر بكل ملء لاهوته في إنسان ينتمي إلى الخليقة .
وهنا نستطيع أن نرصد فرقا نوعيا هائلا في مفهوم حضورشخص المسيح، فلم يعد شخص الكلمة حاضرا بصفة مؤقتة في الكون - تدوم باستمرار الكون ، وفقا لاستمرارية حضوره فيه - بل أصبح حاضرا إلى الأبد في اتحاد شخصي لا ينحل لأن الجسد الذي أخذه بتجسده قد أصبح جسده الخاص الذي يتضمن ويستوعب ملء لاهوته .
وهنا نستطيع أن نقول بأن شخص المسيح ، الكلمة المتجسد هو " شخص الشخوص " ( إن جاز التعبير ) ، وهو مآل كل الشخوص والهويات . هو ملء السر الكوني ،الذي كانت كل الشخوص والهويات - التي نستطيع أن نرصدها والتي لا نستطيع - رمزا له .

2- تفرده ، كشخص الابن الذاتي

هنا يحملنا حديث التفرد إلى الثالوث القدوس لنرصد مفهوما آخرا للشخص . فشركة الثالوث القدوس هي شركة ديناميكة يتضمن كل شخص ، فيها كل من الشخصين الآخرين . كل شخص بالنسبة لأي من الشخصين الآخرين هو " هوموأوسيوس " ، أي له ذات الجوهرالذي يستعلنه كل شخص من الشخصين الآخرين .
إذن ، تفرد شخص المسيح من منظور شركته في الثالوث ، كشخص الابن ، هو في كونه الابن الوحيد ( الفريد = monogenis ) ، هو الشخص الذي يقوم وجوده من خلال ضمنية متبادلة مع كل شخص من الشخصين الآخرين ، مع الوضع في الاعتبار أن كل شخص من هذين الشخصين له ذات الجوهر الذي للابن . بمعنى أن الوحدة المقيمة للشخص ليست وحدة بين عناصر متمايزة ، أو مختلفة في طبيعتها وجوهرها - كما في الوجود الطبيعي ، وكما في شخص الرب يسوع ، ذاته - بل هي وحدة وشركة بين من هم لهم ذات الجوهر الواحد .
المسيح ، كشخص الابن ، هو الابن الذاتي ، لأنه وحده ، دونا عن غيره - من ضمن من قيل لهم أنهم أبناء - الذي يستقبل وجوده من أبيه بينما هو له ذات الجوهر الذي لأبيه ، أي : " هوموأوسيوس" بالنسبة لأبيه ( Homoousios tou Patri ) .

3- تفرده ، كشخص الإنسان الكامل

هوية شخص المسيح كإنسان كامل قد طالها الكثير من عدم الوضوح ، بل عدم الفهم ؛ فالشائع هو أن إنسانية الرب الكاملة لا تعني أكثر من أن الكلمة بتجسده قد صار " فردا " إنسانيا ، كأي إنسان آخر . وأما واقع الحق الإنجيلي فهو أن إنسانيته الكاملة لاتعني أنه فرد إنساني ، بل تعني شخصا فريدا لامثيل له ، تعني شخصا " جماعيا " يستوعب شعبا في جسده ، ليس على سبيل مجازي أو بلاغي بل على سبيل " عضوي " ، تعني شخص المسيح الممتلئ والمتحقق بوجود جميع أفراد الكنيسة ( جميع أفراد الخليقة الإنسانية الجديدة ) في علاقة عضوية كيانية جسدية ، معه ، وفيه . فالرسول بولس يقرر ذلك في وضوح شديد ، إذ يقول : " وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا ، والبعض أنبياء ، والبعض مبشرين ، والبعض رعاة ومعلمين ، لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة ، لبنيان جسد المسيح ، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله . إلى " إنسان كامل " ( andra teleion ) . إلى قياس قامة " ملء المسيح " ... بل صادقين في المحبة ، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس : المسيح ، الذي منه كل الجسد مركبا معا ، ومقترنا بمؤازرة كل مفصل ، حسب عمل ، على قياس كل جزء ، يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة " . ( أفس 4 : 11 - 16 ) .
الملحوظة الهامة - هنا - هي ما يأخذنا إليه النص اليوناني لهذا الاقتباس من عمق كاشف لحقيقة هوية المسيح كإنسان كامل ، فلم ترد كلمة " إنسان = anthropos " بل وردت كلمة " رجل = andra "، وهذا يعود بنا إلى أصل الأشياء ، فالله خلق الإنسان - من البدء - رجلا وامرأة ، بمعنى أن كلمات الرسول تكشف أن حقيقة شخص المسيح كإنسان كامل هي في كونه رجلا واحدا يحتوي امرأته ( الكنيسة ) داخل كيانه ؛ فهي قد صارت لحمه وعظامه ومفاصله وأعضاءه . وقد أشار الرسول إلى هذا المعنى في موضع آخر إذ قال : " خطبتكم لرجل واحد ، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح " ( 2كو 11 : 2 ) . هذا هو " السر العظيم " ( أفس 5 : 32 ) ، سر شخص المسيح الإنسان المستوعب لكنيسته في داخله .
. والمسيح ، كشخص الإنسان الكامل ، يعبر عنه إنجيليا بلقب آخر - قد طاله ماطال " الإنسان الكامل " من عدم الفهم العميق - هو " ابن الإنسان " . وهو أيضا لا يعني أن الرب قد دعي - بتجسده - إبنا للإنسان لأنه صار فردا إنسانيا ، بل يعني أن شخص المسيح الممتلئ بكنيسته هو الوجود الحقيقي ، الجديد ، " للجنس البشري " . هو آدم الأخير ، هو موطن وجود كل البشر المعينين للخليقة الجديدة ، فيه .
ولقب " ابن الإنسان " يمتد بجذوره في عمق الكتاب ، فهذه هي شهادة دانيال في رؤياه ( دا 7: 13-19 ) ، إذ رأى "ابن الإنسان " كمعادل وكمكافئ " لقديسي العلي " ، بمعنى أنه كيان جماعي يضم جميع القديسين الذين هم - جميعا ، معا - الإنسانية الجديدة .
ومن هذا المنظور نستطيع أن نفهم فحوى ذلك المشهد الإنجيلي " الكلاسيكي " لمجيء " ابن الإنسان "، ، إذ يأتي على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ويرسل ملائكته فيجمعون المختارين من الأربع الرياح . إذن مجيء ابن الإنسان هو مناسبة وحدث تجميع المختارين في كيان عضوي واحد ، الحدث الذي يتحقق الآن في الكنيسة إلى أن يمتلئ ابن الإنسان بالمختارين ويتحقق وجوده وحضوره ( parousia ) الكامل ،أي يتحقق الإنسان الكامل .
. تفرد شخص المسيح كإنسان كامل هو في جماعيته ( كاثوليكيته ) ، فهو ليس ربا يعبده البشر، من الخارج ، بل هو رب جامع لشعبه في شخصه ، في جسده ، في ذاته ، حتى أن كماله كشخص إنساني لا يتحقق إلا بوجود الجميع فيه ، كملء له ، وإلا فالفرض المستحيل هو أن يبقى البشر خارج كيانه فيبقى هو رأسا بلا أعضاء ، وتبقى الكنيسة جسدا مقطوع الرأس !

. كلمة أخيرة

ليس لدينا عبارة ، من الممكن أن تكثف هذه الرؤية البانورامية " الثالوثية " - كما رصدناها - لشخص المسيح المدهش ، أعظم مما قد جاء على لسان الرب ذاته ، مخاطبا الآب : " وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ، ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد . أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد ، وليعلم العالم أنك أرسلتني ، وأحببتهم كما أحببتني " .( يو17 : 22 و 23 ) .