لماذا نرفض عبارة "الطبيعة الواحدة"؟

قبل أن نقرأ أعمال المجامع الثلاثة، أردنا أن نوضح لماذا نرفض تعبير "طبيعة واحدة متجسدة".

إن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بأن للآب والابن والروح القدس طبيعة واحدة، ليس كما البشر يملكون الطبيعة البشرية، ولكن بطريقة تفوق الوصف.
فالآب له ذات طبيعة الابن والروح القدس، والروح القدس له ذات طبيعة الآب والابن، والابن له ذات طبيعة الروح القدس والآب.

أما الإنسان، فبطرس له طبيعة مساوية لطبيعة يوحنا وبولسلكنها ليست ذات الطبيعة... إلخ.

ومن هنا نقول أن الترجمة العربية لدستور الإيمان هي ترجمة ليست خاطئة فقط، بل ومضللة إن جاز التعبير –لكن بحسن نيّة- حول طبيعة أقانيم الثالوث القدوس.
إذاً فالطبيعة الإلهية ليست كالبشرية الموزعة بين أشخاص الجنس البشري، ولكنها طبيعة موجودة بملئهاوعينها وذاتها في كل أقنوم من أقانيم الثالوث القدوس.
وهذه الإيمان، يتم إغفاله كثيراً ولا يتم الحديث عنه، مع أنه محوري في فهمنا لعقيدة الطبيعة الواحدة.

إذ أن الخطأ الذي يقع به الغالبية العُظمى، هو أنهم ينطلقون من سنة 430 حتى يصلوا لأوطيخا. ولكن هذه الانطلاقة ناقصة، لأنها تُغيب أموراً كثيرة لا بد من الوقوف عليها.

فلذلك، ليس للابن طبيعة مساوية للآب، تجسدت. بل له ذات طبيعة الآب، فهل يصح أن نقول أن طبيعة الآب تجسدت؟ أو طبيعة الروح القدس تجسدت؟
نوضح أكثر، لو مات إنسان فإن عنصري طبيعته البشرية –الروح والجسد-، ينفصلان عن بعضهما البعض، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال ولا يخص ولا يمس أي شخص بشري آخر لأننا كبشر لا نمتلك ذات الطبيعة، ولكننا نمتلك طبيعة بشرية موزعة بين البشر. أما في الثالوث القدوس، فالأمر مختلف. لأن الطبيعة الإلهية ليست موزعة، بل هي واحدة. وهكذا نؤمن بإله واحد ثالوثي الأقانيم.

وهكذا، لو قلنا أن للمسيح طبيعة واحدة متجسدة، فنحن حُكماً نقول بأن الآب والروح القدس قد تجسدا. لأنه لا يوجد إلا طبيعة واحدة إلهية محتواة بملئها في كل من الأقانيم الثلاثة دون أن تتقسم أو تتجزأ أو تتوزع، كما عندنا البشر.

وهذا هو الذي فهمه البطريرك دميان السرياني الأصل، الذي جلس على كرسي الكنيسة القبطية ورقمه 38 ضمن سلسلة بطاركة الكنيسة القبطية (الرقم يشمل الآباء البطاركة ما قبل الانشقاق أيضاً).

فماذا قال دميان؟
قبل أن نتكلم عن تعليمه، أود أن أعود وأُذكِّر أنه وبكل أسف لا نستطيع أن نعتمد تأريخ الأقباط، لأنهم ليسوا أمينين في تدوين تاريخهم. فبالعودة إلى كل كتب التاريخ المتوفرة لدي، والتي ذكرت البابا دميان، وهي:

1. ساويروس ابن المقفع، تاريخ الآباء البطاركة.
2. إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية
3. الشماس منسى القمص، تاريخ الكنيسة القبطية.
4. موسوعة من تراث القبط، المجلد الأول، رئيس تحريرها: د. سمير فوزي جرجس

بالإضافة إلى مجلة "مرقس" التي يصدرها دير القديس مكاريوس (الأنبا مقار) والتي رأسها بكونه رئيس للدير، الأب متى المسكين، وكذلك موقع "تاريخ أقباط مصر" الذي يشرف عليه السيد عزت اندراوس.

وجدت أنهم لا يذكرون شيئاً عن تعليمه الخاطئ، ولكن يذكرون عن مشكلة حصلت مع الكنيسة السريانية حول عقيدة الثالوث القدوس. وأن بطريرك الكنيسة السريانية في ذلك الحين، بطرس، قد ابتدع في عقيدة الثالوث.

لكن جميع المراجع، لا تأتِ على ذكر المشكلة وما هي الهرطقة التي ظهرت، بل تمتنع عن الخوض في تفاصيل المشكلة. وكأن الأمر فيه "إن".
لذلك شعرت أنهم يجمّلون التاريخ. وبصراحة، أكثر ما صدمني هو مجلة مار مرقس. فكنتُ أعتقد أن هذا الدير، ورئيسه الأب متى المسكين، أمينين على التاريخ. ويضاف هذا الأمر إلى المثال الذي ذكرناه، وهو البابا ثيوفيلوس ومشكلته مع القديس يوحنا الذهبي الفم. والاستماتة على تبرئة البابا ثيوفيلوس بكل إمكانية، وكأن الأمر فيه عار.

المهم الآن أن نعرف ماذا علّم البابا دميانوس؟

جاء في كتاب "د. أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج1، ص 386-387"، التالي: "تثليث الآلهة: وأدى الانشقاق إلى التطرف بالضلال فإن واحداً من أبامية اسمه يوحنا اسكوصناغ Askusagèsعلّم في القسطنطينية في السنة 557 بأن المسيح له طبيعة واحدة وأن كل واحد من الأقانيم له طبيعة واحدة خاصة. فقطع ونفي وتوفي. وانقسم أتباعه فعلّم يوحنا فيلوبونوس الأستاذ الإسكندري بتثليث الآلهة وقال بفناء جسد الإنسان بحسب الهيئة والمادة معاً. وعلّم كونون أسقف طرسوس بأن جسد الإنسان فان بحسب الهيئة فقط. وذهب دميان أحد بطاركة الطبيعة الواحدة في الإسكندرية إلى القول بتربيع اللاهوت أي أنه اعتبر وجوداً خاصاً لكل واحد من الأقانيم الثلاثة ووجوداً رابعاً عاماً للثلاثة معاً".

المرجع الذي استند له الدكتور أسد، حول البابا دميان، هو:
Chabot, M., Documenta ad Origenes Monophysitarum; Illustrandas; Maspero, J., Patr. d'Alex., 194 ff.; Duchesne, L., Eglise au VI Siècle, 243-343.

بتوضيح أكثر، إن الإيمان بالطبيعة الواحدة، قد ضلل دميانوس، وافترض وجود طبيعة لكل أقنوم –وبهذا لا تتأثر طبيعة الأقانيم بتجسد طبيعة الابن-، ووجود طبيعة رابعة تجمع الأقانيم، ولكن بما أنه لا يوجد طبيعة بدون أقنوم، فإن الطبيعة الرابعة هي بالضرورة أقنوم رابع. ولكن هذا القول لم يشبع فضولي عندما قرأته، لأنه بغض النظر عن وجود مراجع، فإنه سيتم الطعن فيه لكون مرجعي هو عربي، ودائماً عندنا شك في المصادر العربية. فلذلك لجأت إلى المراجع الأجنبية، وقالت نفس الكلام. ومنها:

James Hastings, Encyclopedia of Religion and Ethics, Part 24, P. 463.
هناك خطأ بتمسية دميان القسطنطيني، ولكن التاريخ الموضوع بجانبه، هو تاريخ جلوس دميان كبطريرك على الكنيسة القبطية، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك بطريرك يدعى دميان في الكنيسة القسطنطينية. وبالعودة إلى أرثوذكس ويكي لا نجد بطريرك باسم دميان جلس على كرسي القسطنطينية.

وأيضاً نستطيع العودة إلى هذا المرجع:
CATHOLIC ENCYCLOPEDIA: Eutychianism

وأخيراً وليس آخراً، نقرأ:

دميانوس، القائل عبارة "الطبيعة الواحدة"
إن العلاقات الوديّة بين البطريرك دميانوس والبطريرك بطرس مرت بفترات اضطراب كثيرة. انتهت أخيراً لتصبح علاقة عداوة عندما كتب دميانوس رسالة ضد الثالوث وبعثها إلى بطرس (586) ولكن بطرس انتقد هذه الرسالة وهذا التعليم بشكل صارم لائق وحذر.
في أثناء هذا الخلاف بين دميانوس وبطرس عن الثالوث، لم يكن هناك أي نوع من أنواع المصالحة فيما بينهم، بل على العكس، تكاثرت الخلافات والخصومات فيما بعد.

أكد دميانوس بوجود ثلاثة أقانيم ولكل أقنوم له خصائصه المميزة بشكل متماثل، ولكنه أضاف أن الجوهر في هذه الأقانيم الثلاثة (المختلف عنهم طبعاً) هو الـ ousia[الإله الحقيقي أو الجوهري]؛ واعتبر ألوهة الأقانيم الثلاثة ألوهة بالمعنى المجازي ومن خلال المشاركة فقط.

هذا الرأي لدميانوس مأخوذ من Peter’s tractate Contra Damianum

فبطرس ناقش مراراً هذا الرأي المتعلق بخصائص الأقانيم أو الجوهر على أنها واحدة (أي الأقانيم هي نفسها الجوهر ولا يوجد انفصال بينهم)
ولكي يؤكد دميانوس نظريته أورد مقاطع من الآباء (III 16) مثل سيفيريوس (III 7,8,10) ، Damasus and John of Jerusalem (III 16) وكذلك باسيليوس (III 17) وكيرلس (III 29, 30).

اقتبس بطرس البعض من جُمل دميانوس اقتباس حرفي: "الأشخاص (الأقانيم) المتألهة لا تعني إلوهية (III 40). إن اعترفنا أن كل شخص (أقنوم) من الثالوث هو إله فهذا يعني أننا نؤمن بعدة آلهة (III 37). إن الأقانيم والإله ousia [الأوسيا ousia بمعقتد دميانوس هو الإله الجوهري أو الإله الحقيقي] مختلفين بالمفهوم والمعنى الحقيقي (III 46). إن أقانيم الثالوث تظهر بمفهوم مجازي (III 36) من دون أي وجود حقيقي لها (cf. II 21).

دميانوس يصف الأقانيم الثلاثة بالآب والابن والروح القدس كأسماء وألقاب (II 18) ويبدو أنه يتقبلهم كـ نظرية "en theoria" فقط (II 7).

يمكننا إيجاد هذه الأفكار مكتوبة بالأساس في الرسالة المجمعية ليعقوب البرادعي (578)، على سبيل المثال، عندما يكتب: "كل شخص من [الثالوث القدوس] متواجد تماماً في خصائصه – صفاته – من دون أن تختلط أو تندمج إحداها مع الأخُرى. الأشخاص الثلاثة؛ الآب والابن والروح القدس يتواجدون من دون اندماج أو إنفصال في خصائصهم. كما أن الاستقلالية وعدم الانفصال، الذي أوردها لاحقاً كصفات للأقانيم، (III 28) شدد بشكل خاص عليهم هنا. كما لُوحظ أيضاً في الرسالة إلى المجمع كيف أن الإله "ousia" المنفرد من الأقانيم صُنِّف غير مُتصل مع بالأقانيم وخصائصهم؛ إنه يعترف بعدد الأشخاص (الأقانيم) ولكن بإله وحيد وهو الـ "ousia" ،المنفرد بالألوهية، إنه قائم كإله وحيد ومنفرد منفصلاً عن الثالوث.

المعركة ضد الهراطقة والبدع أبقت دميانوس مشغولاً في عدة جوانب، ومعركته ضد الثالوث جعلته يُكون مذهبه وتعليمه الخاص عن الثالوث بإضافة الـ ousia.
والمرجع لهذا الكلام، هو:

Christ in Christian Tradition, Volume 2, From the Council of Chalcedon (541) to Gregory the Great (590 – 604), PART FOUR, The Church of Alexandria with Nubia and Ethiopia after 451. Aloys Grillmeier SJ with Theresia Hainthaler. Translator: O. C. Dean. Page: 78–79.

والآن فلنقرأ أعمال المجمع المجامع الثلاثة المذكورة، من الكتاب المذكور في بداية هذا البحث: