ميلاد العذراء
كثيراً في السابق ما تناولت سيرة العذراء القيل والقال في الأمور المتعلقة بها فما يطرح حديثاً قد طرح قديما بصورة مشابهة و لكن الشكر للرب الذيلم تخلو كنيسته أبداً من رجال قديسين كانوا أهلاً لحمل راية المسيح عالياً والرد على كل فكر غريب هاجم و مازال يهاجم الكنيسة حتى اليوم, وقبل البدء بموضوعنا هذا أود الحديث عن ميلاد العذراء مريم بحسب سنكسار الكنيسة([1])
فقد ولدت العذراء القديسة مريم من أبوين قديسين متعبدين لله, سالكين في جميع وصايا الرب بتقوى ومخافة و ورع.
أما والدها فيدعى يواقيم و معناه بالعبرانية "يهوه يقيم" وأما أمها فتسمى حنّة ومعناه بالعبرانية "حنان" وكانت حنة امرأة فاضلة وعفيفة وطاهرة, اشتهرت في زمانها بالتقوى والإحتشام, وكانت تعيش مع زوجها البار يواقيم في هدوء وسلام, غير أنه كان ينغّصهما أنه لم يكن لهما ولد يحمل اسمهمها, وقد كان العقم في ذلك الوقت عاراً, وكان الناس يعيّرون المرأة العاقر بأنها ملعونة ومغضوب عليها من السماء. ولعلّ هذا هو ما قصدت إليه أليصابات عندما حملت بالقديس يوحنا المعمدان بقولها "هكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرَّبُّ فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ، لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ" (لو25:1).
وما عبّرت عنه حنّة أم النبي صموئيل, اذ كانت هي الأخرى عاقراً, وقد عيّرتها بذلك ضرّتها"فَصَلَّتْ إِلَى الرَّبِّ، وَبَكَتْ بُكَاءً، وَنَذَرَتْ نَذْرًا وَقَالَتْ: «يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِنْ نَظَرْتَ نَظَرًا إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ، وَذَكَرْتَنِي وَلَمْ تَنْسَ أَمَتَكَ بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ"(1صم10:1-11).
وظلّت حنّة عاقراً, ومرّ على زواجها عدد من السنين ولم ترزق نسلاً, فحزنت حزناً شديداً, وشرعت تصلّي إلى الله بحرارة ومرارة.
ويقول القديس افرام السرياني (306-373م) في ميمر له: "بينما كانت حنة تندب نفسها في كل وقت قائلة: أي شيء تساوي حياتي من الدنيا, مع تجردي من الثمر؟ وهوذا البهائم والطيور وكلّ المخلوقات ترزق نسلا, أما أنا فلا أرزق, الويل لي أنا, وعظيم هو حزني وألم قلبي. أسألك أيها الإله الدائم وحده, الذي سمع صوت سارة زوجة أبينا ابراهيم, وأعطاها إسحق بعد الكبر, وسمع لراحيل وأعطاها يوسف وبنيامين ... أن تسمع صوت دعائي, أنا المسكينة الخالية من النسل, وتعطيني زرعا يسرّ به قلبي لأني صرت مرذولة بين أهلي وعشيرتي, سيما بعلي (يواقيم) الحزين القلب كثيرا. وها أنا أنذر بين يديك يا إلهي أنّ النسل الذي تعطيني لا أدعه يمشي على الأرض حتى أقدّمه لهيكلك المقدّس, وكانت القديسة حنة تقول هذا الكلام وهي تبكي بكاء مراً وفيما هي تصلي, ظهر لها الملاك جبرائيل بنور سماوي, وقال لها: يا حنة إنّ الله سمع لدعائك وصلواتك. وها أنت ستحبلين و تلدين ابنة مباركة, وسيكون لها الطوبى في جميع الأجيال, وفي كل أقطار المسكونة, ومنها يولد الخلاص من أسر إبليس, لآدم وذرّيته, فأجابت (حنّة) الملاك جبرائيل وقالت: حيّ هو الرب, لو أنّني رزقت بمولودة كما قلت لي, لسوف أقدّمها قرباناً للرب الإله, لتخدمه كلّ أيام حياتها في هيكله المقدّس. وأما (يواقيم) زوج حنّة فكان قد ذهب إلى البرّية وبنى لنفسه مظلّة, وعكف صائما مدّة أربعين يوما يصلي إلى الله, فظهر له الملاك المبشّر جبرائيل وبشّره بأن امرأته (حنّة) ستحبل وتلد إبنة تدعوها مريم تقرّ عينيه وتسر قلبه ويحصل بسببها الفرح والسرور للعالم أجمع. فعاد إلى بيته وأخبر زوجته (حنّة) بالرؤيا فصدّقتها, وحدّثته بما أعلمها به الملاك نفسه ففرحا معا فرحاً عظيماً, وقالا: ليكن اسم الرب مباركاً ثمّ أولما وليمة كبيرة, وقدّما لله قرابين الشكر لعزته" من ميمر القديس أفرام السرياني.
وحبلت حنة كقول الملاك, ثمّ بعد تسعة أشهر وضعت الطفلة المباركة وسمّتها مريم, وبرّت حنّة بوعدها, و وفّت بنذرها, فما إن بلغت مريم العذراء الثالثة من عمرها (وهي بالعادة مدة الرضاعة) حتى حملتها إلى الهيكل لتكون خادمة للرب في بيته.
وكانت الأم (حنّة) تزور إبنتها من وقت إلى آخر تحمل إليها هداياها من طعام ولباس إلى أن بلغت العذراء الثامنة من عمرها فتوفّيت أمّها, وكان الأب يواقيم قد سبقها إلى العالم الآخر منذ سنتين, أي عندما كانت العذراء مريم في السادسة من عمرها, و بهذا أمست العذراء مريم في الهيكل يتيمة الأبوين, وظلّت هناك في بيت الرّب إلى أن صار لها إثنا عشر عاماً.
والمعروف عن (حنّة) أم العذراء أنها بعد أن ولدت العذراء مريم, فتح الله رحمها فولدت بنتاً أخرى دعتها هي الأخرى بإسم (مريم) وهي التي عرفت بإسم "مريم الأخرى" (متى61:27 و 1:28) " وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ"(يو25:19).
وقالت حنّة: مريم الأولى (وهي العذراء) صارت من نصيب الله, أمّا مريم هذه وهي الصغرى فقد صارت من نصيبي. ومريم الأخرى, عندما كبرت تزوّجت برجل يدعى حلفى (كلوبا)([2])
ومن الجدير بالذكر أنّ والد العذراء مريم (يواقيم) من سبط يهوذا من نسل داود, و والدتها حنّة إبنة الكاهن متّان من قبيلة هارون.
(1) السنكسار: كلمة أصلها اليوناني سيناكساريون ومعناها جامع أي جامع السير, ويجمع سير القديسين وتذكارات الأعياد والأصوام.
(2)سنتطرق إلى مريم الأخرى لاحقاً في هذا الكتاب في موضوع "أخوة الرّب".
يتبع ....

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات