العذراء باللاهوت المقارن
سأتطرق هنا للحديث عن العذراء في منظور الكنائس المسيحية وطرح التعليم المختص بها بين كل من الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.
{العذراء في الفكر الأرثوذكسي}
إن الكنيسة الأرثوذكسية تكرّم العذراء مريم إكراماً كبيراً ولائقاً مع مكانتها فهي بنظر الكنيسة المكرمة, والدة الإله, المطوبة من السمائيين والأرضيين, الشفيعة غير الخازية, والدائمة البتولية كل حين, أم النور, حواء الجديدة, التي لها دالة عند الله, التي لم تعرف زواجاً أو رجلاً, عروس لا عروس لها, الدائمة الطوبى, الممتلئة نعمة, أكرم من الشيروبيم و أرفع مجداً بغير قياس من السيرافيم, وأماً للجميع.
ونرى جليّاً أن الكنيسة الأرثوذكسية قد أعطت للعذراء مريم ألقاباً كثيرة و هذه التسميات والألقاب التي تستعمل في النّصوص الليتورجية وعند بعض الآباء والتي في معظمها تتعلّق بالتجسّد وإبراز مريم كأداة لهذا التّجسد وإظهارها من ثم كعذراء قدّيسة لحياتنا الخاصة, صورة الكنيسة ومستقر لحكمة الله.
ويؤمن الأرثوذكسيون كافةً أن مريم هي أم لهم كما أمر الرب يوحنا الحبيب أن يتّخذها أماً له.
ولكن باللجوء إليها لا تنسى الكنيسة الأرثوذكسية أبداً أنها شفيعة فقط, فهي من الجنس البشري ولا ينظر إليها مطلقاً بالإستقلال عن إبنها لأنها مهما سمت دالتها عند الرب وعظمت تبقى عضواً في الكنيسة, ونرى ذلك جلياً في الأيقونة الأرثوذكسية التي تصوّر العذراء مريم دائما مع الرب يسوع المسيح, والكنيسة في سر الشكر الإلهي (الإفخارستية) لا تصلّي للعذراء فقط من أجل طلب الشفاعة لكنها تصلّي من أجلها أيضا لأنها عضو في جسد المسيح إذ يتوجه الكاهن للرب مباشرة بعد الإستحالة([1]) وتقديس القرابين قائلا: "أيضا نقدم كل هذه العبادة الناطقة من أجل كل الذين ارتاحوا من هذه الحياة أيضا على الإيمان من الأجداد والآباء ورؤساء الآباء والأنبياء والرسل والكرزة والمبشّرين..... وكل روح صدّيق توفي على الإيمان, و خاصة من أجل الطاهرة الكلّية القداسة الفائقة البركة المجيدة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم".
ونرى هنا أن الكنيسة بالحقيقة تطلب لأجل العذراء مريم لأنها تبقى أولاً وآخراً عضواً في الكنيسة, وكثير من الآباء قد تحدّثوا عن حدود اكرام والدة الإله ومنهم الأب متى المسكين إذ يقول: "يتبّين بوضوح أن ليس للعذراء مريم إعلان خاص غير إعلان المسيح تجاه البشريّة, ولا هي تطالبنا بعبادة دون عبادة المسيح ولا هي منوّطة من قبل المسيح أن تدخل كنائبة عنه لتتعامل معنا. لأن النص الذي حدّدته هي صريح: "مهما قال لكم (هو) فافعلوا" (يو5:2).
فالكنيسة الأورثوذكسية تقدم السلام للعذراء بخشوع كثير واحترام كما قدّمه لها الملاك ولكن بغير عبادة, وتكرم العذراء كأم الإله تكريماً يفوق كل كرامة لأي ملاك أو رئيس ملائكة وتضع مكانتها فوق الشيروبيم والسيرافيم أيضا, ولكن تكرّم بما يحدّده قولها "هوذا أنا أمة (عبدة) الرب" (لو38:1) فهي في التقليد الأورثوذكسي (عبدة وأم) فكأم الإله تكرّم وتعظّم جداً ويتشفّع بها وكعبدة لا يمكن أن تعبد.
و تمجّد الكنيسة العذراء لا "كملكة للسماء" تجلس بمفردها ولكن كملكة تقف عن يمين الملك "قامت الملكة عن يمين الملك"([2]) (مز9:45), حيث الوقوف لا يؤهّلها للمساواة كما في حالة المسيح حين جلس عن يمين أبيه. من أجل ذلك يتمسك التقليد الأرثوذكسي في الأيقونة أن لا ترسم العذراء بمفردها قط, بل يحتّم التقليد أن ترسم العذراء حاملة للمسيح على ذراعها الأيسر وأن تكون هي قائمة عن يمينه "قامت الملكة عن يمين الملك".
كذلك أليصابات لم تطوّب العذراء لشخصها كنسيبة لها, ولكن لسبب ثمرة بطنها "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو43:1).
ولا تقبل الكنيسة أن تقدم تمجيداً للعذراء بشخصها بمفرده, ولكن تمجّدها كعذراء وكأم معاً, فالكنيسة ترى أن "مجد" والدة الإله مكتسب بسبب أمومتها وليس طبيعيّا لذلك لا تقدّمه في شكل عبادة وإنما في صورة تكريم فائق.
كما ترى الكنيسة أيضا أن نصيب مريم في استعلان المجد العتيد سيكون غير منفصل عن جسد المسيح السرّي الذي سيجمع البشريّة المختارة كلّها معاً كإنسان كامل رأسه المسيح غير أن نصيبها سيكون ممتازاً وعلى كل وجه إنما غير منفصل عنّا.
كما تقدم أيضا الكنيسة الأرثوذكسية البخور أمام أيقونة العذراء الحاملة الطفل يسوع, لأن مريم أصبحت هي الهيكل الجديد الذي احتوى الحمل المقدّس المعد للذبيحة لذلك أصبح لائقاً أن يقدّم أمامها بخور الله لكي تشفعه هي بصلاتها عن المؤمنين, فيرتفع البخور أمام الله حاملاً صلواتهم وصلواتها.
كما تؤمن الكنيسة بدوام بتولية العذراء مريم حيث أنها كانت بتولاً قبل الحبل العجائبي وأثناء الحبل بالرب يسوع وبعد ولادته, بقيت بتولاً كسر لا ينطق به.
كما تؤمن كذلك الكنيسة الأرثوذكسية أن العذراء مريم وبعد أن أكملت سنينها على الأرض ماتت ودفنت ومن ثم انتقلت إلى السماء بالنفس والجسد, وتحتفل الكنيسة لهذا الإنتقال إلى السماء في اليوم الخامس عشر من آب/أغسطس ويقام صوم قبل الإحتفال بأربعة عشر يوماً, وانتقال العذراء إلى السماء لم تقرّه الكنيسة كعقيدة إيمانية وإنما هو تقليد أبوي إيماني.
وتكرس الكنيسة الأرثوذكسية عدة أعياد للإحتفال بالعذراء وهي:
-عيد ميلاد سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة 8 أيلول
- عيد دخول السّيد إلى الهيكل 2 شباط
- عيد دخول سيدتنا والدة الإله إلى الهيكل 21 تشرين الثاني
- عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة 25 من آذار
و يضاف إلى هذه الأعياد الرئيسية عدد آخر ليس بقليل من الأعياد المتعلّقة بوالدة الإله ومنها:
- عيد حبل القديسة حنّة أم والدة الإله 9كانون الأول.
- عيد وضع زنار والدة الإله الفائقة القداسة 31 آب.
- عيد سيدة الينبوع (يوم الجمعة من أسبوع التجديدات).
- عيد جامع لوالدة الإله الكلّية القداسة 26 كانون الأول.
والكنيسة الأرثوذكسية تؤمن بأن الحبل بمريم يشبه الحبل بأي واحد منّا, أي أنها ورثت نتائج الخطيئة الجدّية وكانت محتاجة للخلاص كأي واحد منّا وذلك بحسب قولها "تبتهج روحي بالله مخلّصي" (لو47:1), ولكنها عدّت طاهرة عندما تجسّد فيها المسيح الإله وهذا ما جعلها منزّهة عن أي خطيئة لتكون الوعاء الكامل لحمل المسيح بعد أن تقدّست بالروح القدس.
وسأتطرّق لهذه المعتقدات التي تتبنّاها الكنيسة الأرثوذكسية لاحقاً بهذا الكتاب بنعمة الرب.
(1)الإستحالة: هي تحول الخبز والخمر على المذبح إلى جسد المسيح ودمه (1كو27:11-29) بعد حلول الروح القدس. وهو ما يعرف في الكنيسة الأورثوذكسية بالإفخارستية أو سر الشكر الإلهي.
(2) إن آباء القرون الأولى لم يشيروا إلى الملكة في مزمور45 بأنها هي العذراء و إنّما أشاروا إلى أنها الكنيسة القائمة عن يمين الملك (المسيح)، إلاَّ أن الكنيسة الأورثوذكسية تعتبرها هكذا في ألحان عيد دخول العذراء إلى الهيكل لتكريس حياتها للرب، فتقول مثلاً: {أيتها العذارى حاملات المصابيح ابتهجن اليوم وابدأن في التلحين، أيتها الأُمهات رافِقْنَهُنَّ في التماجيد للملكة والأُم عند دخولها إلى هيكل المسيح الملك}.
يتبع ....

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات