{العذراء في الفكر الكاثوليكي}


لدى العذراء مكانة كبيرة جداً في الكنيسة الكاثوليكية, إذ مجّدت فيها بشكل يفوق كل أشكال المديح الذي تلقته العذراء من الكنائس الأخرى (غير الكاثوليكية).
وتتفق الكنيسة الكاثوليكية مع الكنيسة الأرثوذكسية في بعض الصفات المختصّة بالعذراء وبعض التّسميات كأم الإله, الممتلئة نعمة, الدائمة البتولية ..... إلخ.
كما تعتقد الكنيسة في أن العذراء قد حبل بها بلا دنس الخطيئة الأصلية([1]), أي أنّ القديسة حنّة والدة العذراء قد حملت بها بلا دنس, أي أن مريم لم تكن حاملة شيء من الخطيئة الأصلية, وتشرح هذه العقيدة (الحبل بلا دنس) كالتالي:
"إن مريم كانت بريئة من الخطيئة الأصلية منذ أول برهة وجودها, أي قد حبل بها في حالة النعمة والصداقة مع الله, فإنّنا منذ أول دخولنا إلى العالم كنّا ضحايا تعيسة لسخطه تعالى. مريم العذراء وحدها دخلت إليه كغرة ثمار النعمة, وذلك بسبب محبّته تعالى لها, إذ لم يشأ أن يكون الهيكل الذي سيسكنه يوماً ملوثاً بوصمة ما. فإنّ شرف الإبن كان يتطلّب ألاّ تكون الأم مستعبدة للشيطان ولو للحظة واحدة." وهو ما يعني أن العذراء مريم قد ولدت مخلّصة من الخطيئة.

وللعذراء دور كبير في الغفرانات التي يمنحها البابوات لمن يتلو تلاوات خاصة أو يزور أماكن معيّنة في أوقات معيّنة, والعذراء قد نالت من هذه الأنواع الثلاثة كثيراً:
1. غفرانات لأوقات معيّنة: بالنسبة للعذراء مريم شهر مايو يعتبر شهر مريمي وقد صادق عليه البابا بيوس السابع وحتى يشجّع المؤمنين على ممارساته منح غفران 300 يوم عن كل يوم يحضره المسيحي أو يحتفل به في أي مكان وغفراناً كاملاً لكل الذين يحتفلون بالشهر كله.
2. غفرانات لصلوات معيّنة: غفران 300 يوم لكل من يقول "يا يسوع و مريم أنا أحبكم...إلخ"([2]) و غفران 300 يوم لمن يقول "يا قلب مريم الحلو،كن خلاصي"([3]).
3. غفرانات لأماكن معيّنة: مثال الذين يزورون أي كنيسة أو مكان لتكريم العذراء مريم يوم 8 ديسمبر أو أيام أعياد ميلاد العذراء وبشارتها ودخولها إلى الهيكل وانتقالها إلى السماء.
كما تؤمن الكنيسة الكاثوليكية أن العذراء مريم سيّدة المطهر([4]), فهي تستطيع أن تساعد وتسعف أبنائها في المطهر بأن تنتشلهم منه أو تخفّف عنهم وطأة العذاب وهي تستطيع أن تستعمل سلطانها وسلطتها في الكنيسة المنتصرة أو المجاهدة أو المتألّمة (كنيسة المطهر) حيث يمتد سلطانها إلى حيث يصل سلطان إبنها.
وتؤمن الكنيسة الكاثوليكية أن العذراء تظهر للأنفس التي في المطهر لتعينها على العذاب([5]) وأن المطهر قد يفرغ في أعياد العذراء المجيدة مثال السجون التي يطلق منها المساجين في الأعياد وعند العفو الملكي.

وأيضا عندما تمنح زوائد فضائل القديسين([6]) للعذراء فهي تنقلها للأنفس المعذّبة في المطهر لتخفيف مدّتها.
وتؤمن الكنيسة الكاثوليكية بأن العذراء مريم هي شريكة الفداء, حيث أوضح البابا بيوس التاسع في رسالته "الله الذي لا يدرك" الصادرة في 8 كانون الأول 1854م ما يلي:
إن الآباء والكتّاب الكنسيّين علّموا أن نص الكتاب (تك15:3) قد سبق ودلّ بوضوح لا ريب فيه, على مخلّص الجنس البشري الرّحوم, أي على المسيح يسوع إبن الله الوحيد. ولقد دلّ أيضاً على مريم العذراء أمّه, وصرّح أن بينهما وبين الشيطان عداوة عميقة. ولهذا فكما أنّ المسيح هو الوسيط بين الله والبشر, أخذ الطبيعة البشريّة, وبها أزال الحكم الذي كنّا كلنا استحققناه بأن علّقه على الصليب منتصراً, هكذا العذراء الكلية القداسة, وهي مرتبطة بالمسيح برباط وثيق ومتّحدة به, وبواسطته صامدة ضد سم الحيّة المخيف ومنتصرة عليه, وقد داست رأسها برجلها الطاهرة, هي وسيطة بيننا وبين المسيح الإله".
وقال البابا لاون الثالث عشر "هي مريم أصبحت شريكة إبنها يسوع في خلاص البشريّة" وقال البابا بيوس العاشر "لقد نالت مريم بصورة غير مباشرة ما صنعه المسيح بصورة مباشرة" ويضيف البابا بنيدكت الخامس عشر "مريم تألّمت مع ابنها المتألّم والمائت وماتت معه. ولقد تنازلت عن حقوقها تجاه إبنها في سبيل خلاص البشر, ولتهدئة عدل الله. وبقدر ما كان لها ذلك, قدّمت مريم ذبيحة إبنها. فيصلح أن يقال أنها مع المسيح خلّصت الجنس البشري". والبابا بيوس الحادي عشر قال "العذراء الحزينة اشتركت مع يسوع في عمل الفداء" وزاد "العذراء المجيدة قد حبل بها بلا دنس, اختيرت أمّاً للمسيح كي تصير شريكة في الفداء".

وتقر الكنيسة الكاثوليكية بعقيدة انتقال العذراء مريم بالنفس والجسد إلى السماء([7]) وقد أقرّت هذه العقيدة في العام 1950م بحسب البابا بيوس الثاني عشر.
كما أن الكنيسة الكاثوليكية تكرّس عدّة أعياد للعذراء مريم وتقسّم إلى أربع أنواع حسب درجة أهميتها([8]):
1. أعياد مقدّسة كبرى:
وهي التي يلزم فيها حضور القدّاس الإلهي والتناول, كما أعلنها البابا بولس السادس وهي أعياد هامة:- عيد الأمومة الإلهية (أول يناير), عيد الحبل بلا دنس الخطيئة الأصلية (8 ديسمبر), عيد انتقالها بالنّفس والجسد إلى السماء (15 أغسطس), وعيد بشارتها بميلاد السّيد المسيح (25 مارس).
2. أعياد احتفالية:
مثل عيد مولدها (8 سبتمبر), وعيد دخولها الهيكل (21 نوفمبر).
3. أعياد تذكارية:
مثل ذكرى دخول العائلة المقدسة لأرض مصر.
4. تذكارات اختيارية:
مثل ذكرى تدشين أول كنيسة باسم العذراء.

وسأتطرّق لهذه المعتقدات التي تتبناها الكنيسة الكاثوليكية لاحقاً بهذا الكتاب بنعمة الرب.

.................................................. ..................

(1)ظهرت عقيدة الحبل بلا دنس عام 1854م بعد أن نادى بها البابا بيوس التاسع وقال:"إن الطوباوية مريم العذراء منذ الحبل بها وجدت بحال النعمة بإنعام من الله و وجدت معصومة وناجية من كل وصمة الخطيئة الأصلية, وإن هذه العقيدة أوحى بها الله وينبغي أن يعترف بها المؤمنون اعترافاً ثابتاً دون أن يخالفها أحد.

(2)ورد في كتاب "الصلوات اليومية" الكاثوليكي, غفرانات بسبب التلاوات وهذه إحدها.

(3)انظر كتاب "صلوات أحباء قلب يسوع" صدر سنة 1956 ص14.

(4) عقيدة المطهر لم تعلّم إلاّ بعد المسيح بتسعمائة سنة, وقد قرّرت كإحدى عقائد الكنيسة الكاثوليكية عام 1439م والمطهر هو المكان الذي تتعذّب فيه أرواح الأموات لفترة من الزمن لتطهيرها من بقايا الخطايا الغير مميتة التي اقترفتها هذه الأرواح. فالمطهر إذن هو مكان عقاب مؤقت للأرواح قبل دخولها السماء.

(5) ورد في كتاب "تحقيق الأمنية في عبارة الوردية" الذي طبع في القاهرة 1986م، بعض وعودالقديسةالعذراءمنها: "أخلّص كل يوم من المطهر من كان من مخلصي العبادة لورديّتي (ص15), و كل غفرانات الوردية بأسرها خصّصها يسوع للنفوس المطهرية (ص20), وغفرانات وهبات عديدة أثبتها البابا لاون الثالث عشر في السنوات 1887، 1892، 1899 (ص26).

(6) تقر الكنيسة الكاثوليكية في ما يختص بزوائد فضائل القدّيسين بالآتي "نؤمن أن لكل إنسان فضائل أو غفرانات يأخذها عن طريق التّأديبات الكنيسة أو بصلوات يتلوها فيتحول لديه رصيد من البر ويصير عنده فائض يستطيع أن يتصدّق بهذا الفائض إلى إحدى النفوس المعذبة بالمطهر لينقذها من الإستمرار فيه, وعندما نهب زوائدنا للعذراء تصبح ملكاً لها تمنحها للنفوس المعذّبة بالمطهر لتخفيف آلامها أو لأحد الخطأة لردّه إلى النعمة".

(7) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بانتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء كتقليد أبوي إيماني, بينما تؤمن الكنيسة الكاثوليكية بأن انتقال العذراء إلى السماء هي عقيدة بحسب ما حدّده البابا بيوس الثاني عشر.

(8) "أعياد العذراء" للقس يوحنا اسكندر, مقالة بمجلة مار يوحنا, لوس أنجلوس (8/2001).

يتبع ...