{ عقيدة الحبل بلا دنس ورفضها أرثوذكسياً }
تعلّم الكنيسة الكاثوليكية بعقيدة "الحبل بلا دنس"والتي تقضي بأن العذراء مريم قد حفظت بريئة من الخطيئة الأصلية([1]) بفعل النّعمة الإلهية منذ اللّحظة الأولى للحبل بها.
واليوم نرى الكثيرين من الناس يسيؤون فهم هذا المصطلح "الحبل بلا دنس" فيعتقدون أنه يشير إلى الحبل بالمسيح في رحم العذراء مريم بدون تدخّل أب بشري, ولكن هذا يسمى "الميلاد العذراوي". وآخرون يعتقدون أن القدّيسة مريم قد حبلت بها أمّها بقوة الروح القدس كما في حالة الحبل بالمسيح ولكن هذا أيضاً ليس صحيحاً.
"فالحبل بلا دنس" لا يشير لا إلى الحبل بيسوع ولا إلى حبل حنّة بالقديسة مريم بالروح القدس وإنما "إلى حفظ العذراء مريم معصومة من كل دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى للحبل بها, وذلك بامتياز ونعمة خاصة من الله القدير بالنّظر إلى
استحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري".
وقد أعلنت هذه العقيدة في 8 ديسمبر عام 1854م في الدّستور الرّسولي (Ineffabilis Deus) على يد البابا بيوس التاسع الذي أعتلى سدّة كرسي روما لمدّة 32عاماً (1846-1878) وإليكم المقطع المتعلّق بها في الموسوعة الكاثوليكيّة Catholic Encyclopedia:
"في الدستور Ineffabilis Deusفي الثامن من كانون الأول، 1854م أعلن البابا بيوس التاسع وعرَّف أن المغبوطة العذراء مريم "في أول لحظة من حبلها، وبميزة وحيدة ونعمة ممنوحة من الله، بسبب فضائل يسوع المسيح، مخلِّص الجنس البشري، قد حُفظت معفاة من كل لطخة من الخطية الأصلية". إن موضوع هذه المناعة ضد الخطية الأصلية هو شخص مريم في لحظة خلق نفسها ونفخها في جسدها. إن تعبير الحبللا يعنيالحبل الفاعل أو المولِّد من قبل والديها. لقد شُكِّل جسدها في رحم والدتها، وكان للأب النصيب العادي في تشكيله. المسألة لا تتعلق بطهارة الفعل المولِّد لوالديها. ولا يتعلق بالحبل المنفعل بصورة مطلقة وببساطة (conceptio seminis carnis, inchoata),والذي بحسب نظام الطبيعة، يسبق نفخ النفس العاقلة. إن الشخص قد حُبل به حقاً عندما خُلقت النفس ونُفخت في الجسد. لقد حُفظت مريم معفاة من كل لطخة الخطية الأصلية في أول لحظة من إحيائها، وأُعطيت لها نعمة مقدِّسة قبل أن يمكن للخطيئة أن تفعل في نفسها. إن الجوهر الفعّال الأساسي للخطيئة الأصلية لم يُزَلْ من نفسها، كما يُزال من آخرين بالمعمودية؛ لقد تم استثناؤه. إن حالة القداسة الأصلية والبراءة والعدالة، المعاكسة للخطيئة الأصلية، قد مُنحت لها، وبهذه العطية فإن كل لطخة وخطأ، كل العواطف الفاسدة، والضعفات، المتعلقة بصورة أساسية في نفسها بالخطيئة الأصلية، قد تم استثناؤها. لكنها لم تُصيَّر معفاة من عقوبات آدم الزمنية: من الحزن، الضعفات الجسدية، والموت. المناعة ضد الخطيئة الأصلية قد أُعطيت إلى مريم باستثناء وحيد من الناموس الكوني بواسطة فضائل المسيح نفسها، والتي بها يُغسل أناسٌ آخرون من الخطيئة بالمعمودية. لقد احتاجت مريم إلى المخلِّص الفادي للحصول على هذا الاستثناء، وللانعتاق من الضرورة الكونية ومن الدَّيْن بسبب خضوعها للخطيئة الأصلية. إن شخص مريم، كنـتيجة لأصلها من آدم، كان يجب أن يكون خاضعاً للخطيئة. لكن لكونها حواء الجديدة التي كانت ستكون أم آدم الجديد، فقد سُحبت من الناموس العام للخطيئة الأصلية بمشورة الله الأزلية وبفضائل المسيح. إن فداءها كان تحفة حكمة المسيح الفادية بالذات. إنه فادٍ يدفع الدَّيْن أعظم من الذي يدفعه بعد أن يقع على المديون. هكذا هو معنى تعبير "الحبل بلا دنس".
وبعد أن فهمنا شرح عقيدة الحبل بلا دنس هذه من الموسوعة الكاثوليكية, يجب أن نلقي الضوء على جذورها التاريخية. فلهذه العقيدة جذور قديمة قبل أن تعلن كعقيدة على يد البابا بيوس التاسع, حيث أنها قد نشأت على يد ايليدفوس هانس أسقف طلطيلية باسبانيا وظلّت محصورة بها حتى تناقلها كهنة ليون بفرنسا مما أثار عليهم سخط برناردوس أحد كبار معلّمي الكنيسة الغربية وقدّيسيها ودفعه إلى تعنيفهم تعنيفاً مراً. كما قد رفض هذه العقيدة إلى جانب برناردوس رهبان دير كلوني بباريس, وبعض أشهر اللاهوتيين الكاثوليك البارزين مثل بونافنتورا, وألبير الكبير, وتوما الأكويني, وكلّهم مطوّبون قدّيسين في الكنيسة الكاثوليكية. بينما أول المدافعون عن هذه العقيدة أمثال آدمير(1060-1124) ودونس سكوت(1260-1308) لم يكونوا مطوّبين. فقد قال آدمير وهو تلميذ أنسلموس أسقف كانتربري "اذا كان باستطاعة حبّة الكستناء أن تنمو تحت الشوك بدون أن تتأذى به, فالله اذن كان باستطاعته أن يجعل الحبل بالعذراء من والدين خاطئين بدون أن تكون هي نفسها ممسوسة بالخطيئة, يمكنه بالتأكيد أن يفعله اذاً اذا كان قد أراده, فقد فعله" وأما عن دفاع دونس سكوت الراهب الفرنسيسكاني عن الحبل بلا دنس فقد قال "هناك طريقان تحقّق بهما فداء البشر: الطريقة العامة التي تشمل كل البشر, والطريقة الإستثنائية التي تميّزت بها مريم العذراء فافتديت استباقاً لاستحقاقات ابنها يسوع المسيح. (وهذا التحليل عينه هو الذي استخدمه البابا بيوس التّاسع في صياغة عقيدة الحبل بلا دنس).
وقد كانت هذه العقيدة مثار جدل بين رهبان "الفرنسيسكان"([2]) (أتباع دونس سكوت) الذاين جاهروا باعتناق مذهب كهنة ليون بالإيمان بالحبل بلا دنس وبين رهبان "الدومينيكان"([3]) (أتباع توما الأكويني) الذين وقفوا في وجوههم وحملوا عليهم حملة شعواء وقالوا أن والداها (العذراء) أنجباها بالطريقة الطبيعيّة كبقيّة البشر وأنكروا الحبلا بلا دنس.
و قد مهّد البابا سيكستوس الرابع (1414-1484م) وكان من رهبنة الفرنسيسكان لعقيدة الحبل بلا دنس بأن كلّف راهباً من الفرنسيسكان يدعى لينو باردي لوجاروليس بأن يضع طقس حبل حنّة بلا دنس فوضعه خوفاً من رهبنة الدومينيكان التي عملت على مقاومة عقيدة الحبل بلا دنس في بداية ظهورها.
وقد حدث في المجمع التريدنتيني سنة 1563م ان اختلف مندوبو البابا الثلاثة في الرأي حول الحبل بالعذراء مريم بلا دنس كما يلي[4])
· مال الكاردينال دي مونتي للحبل بلا دنس.
· قاومها الكاردينال سنتا كروش.
· وأمّا الكاردينال بولي فلم يعلن عن رأيه.
وبقي الجدل قائما حول هذه الفكرة حتى حسم البابا بيوس التاسع الأمر باعلان "الحبل بلا دنس" كعقيدة عام 1854م. و أشار البابا بيوس الثاني عشر الذي تسيّد كرسي روما ما بين (1939-1958م) إلى أن مريم أكّدت هذه العقيدة من خلال ما أعلنته بنفسها في ظهوراتها المتعدّدة, حيث جاء في أدبيّات الكنيسة البابوية أن السيدة العذراء قد ظهرت في 27 نوفمبر عام 1830م في كنيسة في شارع دوباك 140 في باريس وعلّمت الأخت كاترين لابوري صلاةً تقول "يا مريم التي حبل بها بلا دنس صلّي لأجلنا نحن الملتجئين إليك". وفي الظهور السادس عشر للعذراء في لورد يوم الخميس 25 مارس 1858م سألت الطفلة برناديت السّيدة عن اسمها, مكرّرة السؤال ثلاث مرّات, ابتسمت فيها السّيدة وعندئذ امتلكت برناديت الشّجاعة لتسأل السّيدة عن اسمها للمرّة الرابعة ! فأجابتها قائلة "أنا الحبل بلا دنس". هذا ما جعل هذه الظّهورات التي توليها الكنيسة الكاثوليكية أهمّية بالغة موضع شكوك الكنيسة الأرثوذكسية لأسباب عدّة سنعرضها تباعاً.
أوّلـاً:
ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن هذه العقيدة ظهرت نتيجة فهم خاطىء للخطيئة الأصلية فالكنيسة الكاثوليكية تستقي تعليمها عن الخطيئة الأصلية من اللاهوت الأوغسطيني حيث أن المغبوط أوغسطينوس في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي ضد هرطقة بيلاجيوس الذي يدّعي أن الإنسان يستطيع بقواه الخاصة الحصول على الخلاص, أكّد أوغسطينوس ضرورة الخلاص بالمسيح, مرتكزاً على فساد الطبيعة البشريّة بعد خطيئة آدم وحواء. فهذه الخطيئة بالنسبة لأوغسطينوس تنتقل بالوراثة عن طريق التناسل الجنسي إلى كل انسان يولد من نسل آدم. وينتج عنها أن الإنسان يولد خاطئاً, بحيث أنه إن لم يعتمد لا يمكنه الحصول الخلاص. كما ينتج أيضاً وراثة الخطيئة الأصلية انحراف إرادة الإنسان واستعبادها للشّهوة. فكل انسان يولد إذن خاطئاً ومستعبداً للشهوة, ويضيف أوغسطينوس نتيجة ثالثة هي أن الانسان بخطيئة آدم وحواء صار مائتاً وفقد الخلود الذي كان الله قد زيّنه به عندما خلقه.
أمّا بشأن مريم العذراء, فيرى أوغسطينوس أن مريم العذراء قد تحرّرت كليّاً, بنعمة خاصة من الخطيئة الأصلية, ولا سيما من الإستعباد للشّهوة والخطيئة. وقد منحها الله هذه النّعمة عندما ولدت, ولا يوضّح أوغسطينوس أي شيء بالنسبة إلى عدم الموت في تلك النّعمة الخاصة, أي لا يتكلم عن نزاهة مريم العذراء عن الموت البشري الذي يختبره كل إنسان مولود في الخطيئة الأصلية.
ونتيجة لهذا الفهم الخاطىء عن الخطيئة الأصلية فقد أعتقدت الكنيسة الكاثوليكية "بالحبل بلا دنس" أي أن الله استثنى مريم من ذنب الخطيئة الأصلية الموروث بالتعريف الكاثوليكي, وذلك عندما تم الحبل بها من قبل أمها حنّة. لأنه لو كانت مريم قد ورثت الخطيئة الأصلية و ورثت الذنب معها, لما أمكن اختيارها لتحمل ابن الله المتجسّد, لأن طفلها سيكون في هذه الحالة, قد ورث منها الذّنب نفسه ولصار تحت الدينونة الإلهية. ولكانت "فضائل" ذبيحته غير كافية للفداء أي لإرضاء العدالة الإلهية وإزالة الغضب الإلهي بالمفهوم الكاثولكي.
فخلاصة هذا التّعليم في الكنيسة الكاثوليكية أن الإنسان يولد مغضوب عليه من الله, وهو معاقب بحرمانه من معرفة الله في هذه الحياة, والرب يسوع المسيح قد أتى ليزيل هذا العقاب. وهكذا تمحى الخطيئة الأصلية بالمعمودية التي بحسب المفهوم الأوغسطيني يولد كل انسان وهو حامل ذنب خطأ الأبوين الأوّلين.
بينما في اللاهوت الأرثوذكسي لا يرث الإنسان الخطيئة الأصلية, بل نتائجها وهي الفساد والموت, كما يخرج الجذر الفاسد ثماراً فاسدة. فالإنسان ليس معاقباً لكونه مسؤولاً عن خطيئة الأبوين الأولين آدم وحواء, بل هو مسؤول تجاه خطاياه وحده. الله في الأرثوذكسية لا يعاقب الناس, بل يحزن على خطاياهم, وبسبب محبّته لهم رتّب لهم خلاصهم و بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به (يو16:3) عكس الموقف الكاثوليكي الذي يبيّن الله كإله غاضب ينظر إلى كل إنسان أنه مد يده وأكل من شجرة الخير والشر لذلك صلب الرب يسوع المسيح ليطفىء غضب الله الآب, ويوافق البروتستانت الكاثوليك في هذا.
لذلك رفضت الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة كما رفضت الإعلان عنها من خلال ظهورات للعذراء متزامنة مع الفترة التي أعلن فيها الفاتيكان أن "الحبل بالعذراء بلا دنس" هو عقيدة موحاة وملزمة.
(1) لا تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بأن الخطيئة الأصليّة تورّث, بل نرث نتائج الخطيئة الجدّية وهي طبيعة الفساد والموت.
(2) الفرنسيسكان: رهبنة كاثوليكية أسّسها الراهب "فرنسيسكو" سنة 1226م.
(3) الدومينيكان: رهبنة كاثوليكيّة أسّسها الراهب "دومينيكوس" الإسباني سنة 1221م.
(4)انظر موسوعة علم اللاهوت للعلامة القمص ميخائيل مينا ص451 الكتاب الرابع, الباب الثاني.
يتبع ...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات